جارٍ تحميل التاريخ...

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة ليوم 11 جمادى الأولى 1448هـ الموافق لـ 23 أكتوبر 2026م
“تربية النفس على القيم الإيمانية وأثرها في صلاح الأحوال”
الحمد لله الذي أنار قلوب أوليائه بنور معرفته، وأودع في نفوسهم ما يكون دليلا على طاعته وحسن عبادته، نحمده تعالى ونشكره على جميل آلائه وجليل نعمائه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ذاته وأسمائه وصفاته، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ومصطفاه من خيار خلقه، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطيبين الأطهار، وصحابته الأخيار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان في تربية النفس على القيم الإيمانية إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فيا معاشر المؤمنين والمؤمنات، يقول الحق جل جلاله:
قَدَ اَفْلَحَ مَن تَزَكّ۪يٰ (14) وَذَكَرَ اَ۪سْمَ رَبِّهِۦ فَصَلّ۪يٰۖ[1].
عباد الله؛ في هذه الآية الكريمة يؤكد البارئ جل شأنه أن الفلاح الحقيقي والفوز المبين مرتبطان بتزكية النفس، وذِكرِ الله تعالى وإقامةِ الصلاة، وهي أصول عظيمة في تربية الإنسان على القيم الإيمانية التي تصلح بها أحواله، ويستقيم بها سلوكه، وتطيب بها حياته.
وفي قوله تعالى (تَزَكّۭيٰ) إشارة إلى أن المؤمن لا بد أن يبذل جهدا في تربية نفسه وتزكيتها وحملها على الفطرة التي فطرت عليها، كما قال سبحانه:
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاٗ فِطْرَتَ اَ۬للَّهِ اِ۬لتِے فَطَرَ اَ۬لنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِ۬للَّهِۖ ذَٰلِكَ اَ۬لدِّينُ اُ۬لْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ اَ۬لنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[2].
والمراد بالفطرة دين الله تعالى الخالي من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
ومن ذلك مجاهدة النفس للسير في طريق الله المنجي من المهالك، والمنهج الأقوم في مجاهدة النفس هو محاسبتها في كل وقت وحين، وهذه المحاسبة تكون باستحضار الأوامر والنواهي، وما فيه المصالح والمفاسد للشخص وللغير، سواء كان فردا أو جماعة. والمحاسبة التي ينبغي أن تتحول إلى عادة تحتاج إلى استحضار العلاقة مع الله، وأن هديه للإنسان هو الحافظ من كل ضرر، وهو سبيله إلى الحياة الطيبة، أي إلى ما نسميه بالسعادة.
يقول الله عز وجل:
(أَفَرَٰٓيْتَ مَنِ اِ۪تَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَو۪يٰهُ وَأَضَلَّهُ اُ۬للَّهُ عَلَيٰ عِلْمٖ وَخَتَمَ عَلَيٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَيٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَنْ يَّهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ اِ۬للَّهِۖ أَفَلَا تَذَّكَّرُونَۖ)[3].
وقال سبحانه:
فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَاعْلَمَ اَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْۖ وَمَنَ اَضَلُّ مِمَّنِ اِ۪تَّبَعَ هَو۪يٰهُ بِغَيْرِ هُديٗ مِّنَ اَ۬للَّهِۖ [4].
فالقرآن الكريم يحذر من اتباع الهوى الذي يصرف الإنسان عن الحق، ويجعله أسير رغباته، فلا يقبل من الحق إلا ما وافق هواه، ولا يردع نفسه عما تشتهيه، حتى تضعف بصيرته، كما قال النبي ﷺ:
«إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك»[5].
عباد الله؛ بعد التخلية من هذه الأدواء والأمراض تأتي تحليتها وتربيتها على مجموعة من القيم الإيمانية التي تطهرها وتزكيها لتكون مطمئنة مستقيمة كما أرادها الله تعالى، ومن هذه القيم الإيمانية:
أولا: القيم الاعتقادية؛ التي تجعل المؤمن يعترف بأنه عبد لله تعالى خاضع لأمره مجتنب لنهيه، مؤمن بالملائكة وبوظائفهم التي يستفيد منها، كما يؤمن بالقرآن والسنة وحيا من عند الله يجب الامتثال لهما، وبالرسل مبشرين ومنذرين، وباليوم الآخر وما ينتظره فيه من الجزاء.
ثانيا: القيم التعبدية؛ إذ الغاية من العبادة هو تهذيب نفس العبد وسلوكه حتى يكون مطيعا لله تعالى مؤديا حقه وحقوق عباده، متصفا بالعبودية الكاملة التي يكررها في كل صلاة:
[6](إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُۖ)
إقرارا بإفراده سبحانه بالعبادة، واعترافا بافتقار العبد إليه في جميع شؤونه، واستمدادا للعون منه سبحانه على الطاعة وحسن القيام بالواجبات في جميع مناحي حياته.
ثالثا: القيم الأخلاقية؛ وهي الثمرة المرجوة من كل ما سبق وعنوان الصدق في الاعتقاد والعبادة والمعاملة، ومن أبرزها: الإخلاصُ في العمل، والصدقُ في الاعتقاد والقول والمعاملة، والوفاءُ بالعهود، وأداءُ الأمانة لله وللخلق، وبذلُ النصح للغير، والمحبةُ والإيثار، واتقاءُ الشح وسلامةُ الصدر من الغل والحسد، والصبرُ في جميع الأحوال.
يقول النبي ﷺ في حديث جامع من جوامع كلمه ﷺ: «اضمنوا لي ستا أضمن لكم الجنة:
اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدُّوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغُضُّوا أبصاركم، وكُفُّوا أيديكم»[7].
نفعني الله وإياكم بكتابه المبين وبحديث سيد الأولين والآخرين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها المؤمنون والمؤمنات، هذه القيم الإيمانية والتعبدية والأخلاقية التي تحدثنا عنها، إذا اجتمعت أصلحت أحوالنا، واستقامت بها أمورنا، واستقرت مجتمعاتنا، وساد الأمن النفسي والروحي والاجتماعي، وبتنزيلها في واقعنا المعيش تزول عنا كلف مادية ومعنوية أثقلت كواهلنا، بسبب البعد عن الإيمان الصحيح والعمل الصالح القويم.
فحاجتنا إلى صدق الاعتقاد والإخلاص في العبادة والمعاملة الحسنة، وإلى الصدق في مسؤولياتنا والوفاء لله عبادةً، وللأمة نصيحةً، وللوطن ومصالحه العليا محافظةً وحمايةً، أشدُّ من حاجتنا إلى الطعام والشراب.
وأساس ذلك كله الإيمان الصادق والعمل الصالح كما قال الحق سبحانه:
(وَعَدَ اَ۬للَّهُ اُ۬لذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ اُ۬لصَّٰلِحَٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِے اِ۬لَارْضِ كَمَا اَ۪سْتَخْلَفَ اَ۬لذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اُ۬لذِے اِ۪رْتَض۪يٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمُۥٓ أَمْناٗۖ يَعْبُدُونَنِے لَا يُشْرِكُونَ بِے شَيْـٔاٗۖ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْفَٰسِقُونَۖ[8].
عباد الله؛ ونشير في سياق العناية بتربية الإنسان وحفظ صحته وسلامته، وفي إطار الحملة الوطنية للتحسيس بأهمية الرضاعة الطبيعية، وتنفيذا للتعليمات السامية لمولانا أمير المؤمنين بهذا الخصوص، وامتثالا لقول الله تعالى:
[9](وَالْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِۖ)
نهيب بالآباء والأمهات أن يحرصوا على تنشئة أبنائهم تنشئة صحية سليمة بتغذية متوازنة ورعاية كافية، وأهم من هذا كله هو الحرص على الرضاعة الطبيعية التي لا يعوضها شيء؛ حيث يسَّرها البارئ جل وعلا -بفضله ومنّه- رحمة بالطفل حين يولد، فلا يجوز أن يحرم منها إلا بعذر قاهر، وهي من حقوقه التي يجب أن تحفظ.
ألا فاتقوا الله عباد الله، واعرفوا فضله وآلاءه عليكم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأكثروا من الصلاة والتسليم على الهادي الأمين، سيدنا محمد ﷺ.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب أجمعين من المهاجرين والأنصار، ومن اتبع هداهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين.
وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمدا السادس، نصرا تعز به الإسلام والمسلمين، اللهم بارك له في الصحة والعافية، واشمله بألطافك الخفية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة إنك سميع مجيب.
وتغمد اللهم بواسع رحمتك وعظيم جودك الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت.
اللهم ارحمنا وارحم والدينا وسائر موتانا وموتى المسلمين.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[1] . الأعلى 14-15.
[2] . الروم 29.
[3] . الجاثية 22.
[4] . القصص 50.
[5] . سنن الترمذي، كتاب التفسير، باب من سورة المائدة 5/257.
[6] . الفاتحة 4.
[7] . صحيح ابن حبان، باب الصدق والأمر بالمعروف 1/506.
[8] . النور 53.
[9] . البقرة 231.
At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.