ميثاق العلماء
تجليات الحياة الطيبة في ظلال السيرة النبوية: مشهد صلح الحديبية (4)
ذ. المصطفى زمهنى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأكملان الأتمان على أشرف خلق الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فيعد صلح الحديبية من أهم مشاهد السيرة النبوية الغنية بالدلالات والمستفادات، لما تضمنته من وقائع وأحداث تنضح دروسا وعظات، وتدعو الدارسين للغوص فيها طلبا لما فيها من درر ولآلئ، قمينة بأن تسدد حياة المسلمين، وتقوم مسارهم الحضاري. وسنقتصر في حصة اليوم على مستفادين منها، وهما: الوفاء بالعهود، وأهمية فقه الموازنات في ترشيد التصرفات.
المستفاد الأول: الوفاء بالعهد
إن من الخصال الحميدة، والصفات الجليلة، التي حث عليها الشرع، وزينها إلى المؤمنين، ليتمثلوها في حياتهم، الوفاء بالعهود والالتزام بالوعود، فقد ذكر الله تعالى نفسه بهذا الوصف حيث قال: {فَلَنْ يُّخْلِفَ اَ۬للَّهُ عَهْدَهُۥٓۖ} [البقرة: 79]، وقال: {إِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُخْلِفُ اُ۬لْمِيعَادَۖ} [آل عمران: 9]، كما أنها صفة الأنبياء والرسل لقوله عز من قائل: {وَإِبْرَٰهِيمَ اَ۬لذِے وَفّ۪ىٰٓ} [النجم: 36]، وحلى المؤمنين المفلحين بوصفه لهم{وَالذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَۖ} [المومنون: 8]، وذكر أن صاحب العهد مسؤول أمام ربه سبحانه وتعالى: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِۖ إِنَّ اَ۬لْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولاٗۖ} [الإسراء: 34]، وفي المقابل اعتبر الشرع نقض العهود ومخالفة الوعود من علامات النفاق، كما نطق بذلك الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم: “أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر“.[1]
لقد كان الرسول أصدق مثال، وأبلغ قدوة، في الوفاء بالعهود مهما كانت الظروف والملابسات. والقارئ لسيرته العطرة، يلمح هذا الخلق الرفيع الذي كانت سجيته طيلة حياته.
ومن صور هذا الوفاء، ما حدث في هذا المشهد العظيم، مشهد صلح الحديبية، الذي كان من بنوده كما سلف، أن يرد المسلمون من يأتي إليهم من قريش مسلما دون علم أهله، وأن لا ترد قريش من يأتيها مرتدا من المسلمين، إذ جاءه أبو جندل في الحديد، قد انفلت إليه صلى الله عليه وسلم، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا، وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا أن يهلكوا، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه، ثم قال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت، فقام إليه فأخذ بتلبيبه، قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته، يا معاشر المسلمين أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني، قال: فزاد الناس شرا إلى ما بهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله عز وجل جاعل لك، ولمن معك من المستضعفين، فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، فأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عليه عهدا، وإنا لن نغدر بهم“.[2]
ومن الصور الرائقة في الوفاء بالعهود، ما ورد عن أبي رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألقي في قلبي الإسلام، فقلت يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع“. قال: فذهبت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلمت.[3]
المستفاد الثاني: أهمية فقه الموازنات في ترشيد التصرفات
قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بنود الاتفاقية، بالرغم مما في ظاهرها من إجحاف في حق المسلمين، وآثر إتمام الصلح متحملا في سبيل ذلك أقل المفاسد، نشدانا للمصالح الراجحة التي ستضمن للمسلمين العمل في أجواء مناسبة لتبليغ مشروعهم الجديد.
إن هذا النوع من الفقه المسمى بفقه الموازنات باب من الفقه متين، ومبحث من المقاصد دقيق، فهو ميزان تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، إذ به ترتب الأحكام ليؤخذ بخير الخيور بتقديم الأصلح فالأصلح، ودرء شر الشرور بتجنب الفاسد فالأفسد.
قال العز بن عبد السلام رحمه الله في بيانه لأهمية فقه الموازنات: “إذ لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع، أن تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره، محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، وأن تقديم المصالح الراجحة على المرجوحة محمود حسن، وأن درء المفاسد الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حسن، واتفق الحكماء على ذلك، وكذلك الشرائع على تحريم الدماء والأبضاع والأموال والأعراض، وعلى تحصيل الأفضل فالأفضل من الأقوال والأعمال، وإن اختلف في بعض ذلك، فالغالب أن ذلك لأجل الاختلاف في التساوي والرجحان، فيتحير العباد عند التساوي، ويتوقفون إذا تحيروا في التفاوت والتساوي، وكذلك الأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما، ويجلبون أعلى السلامتين والصحتين، ولا يبالون بفوات أدناهما، ويتوقفون عند الحيرة في التساوي والتفاوت، فإن الطب كالشرع وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام، ولدرء ما أمكن درؤه من ذلك، ولجلب ما أمكن جلبه من ذلك، فإن تعذر درء الجميع أو جلب الجميع، فإن تساوت الرتب تخير، وإن تفاوتت استعمل الترجيح عند عرفانه، والتوقف عند الجهل به، والذي وضع الشرع هو الذي وضع الطب، فإن كل واحد منهما موضوع لجلب مصالح، ودرء مفاسدهم. وكما لا يحل الإقدام للمتوقف في الرجحان في المصالح الدينية حتى يظهر له الراجح، فكذلك لا يحل للطبيب الإقدام مع التوقف في الرجحان إلى أن يظهر له الراجح… “.[4]
لقد أكدت نتائج صلح الحديبية نجاعة السياسة النبوية في التفاوض بالموازنة بين المصالح والمفاسد، ومراعاة المآلات والعواقب، من خلال ما تحقق من مكتسبات فائقة، ومنجزات باهرة، نذكر منها:
_ انتشار الأمن بما تضمنته بنود الصلح من الاتفاق على هدنة بين الطرفين لمدة عشر سنوات، الشيء الذي مكن الصحابة الكرام من التفرغ لمشروعهم التبليغي، والانكباب على بناء دولتهم الفتية.
_ استمالة قلوب المشركين، حيث ازداد عدد معتنقي الإسلام.
_ فتح مكة الذي وصفه الله تعالى بالمبين في قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاٗ مُّبِيناٗ} [الفتح: 1]. قال الرازي في المقصود بالفتح بعد إيراده لجملة وجوه: “والمختار من الكل وجوه: أحدها: فتح مكة، والثاني: فتح الحديبية، والثالث: فتح الإسلام بالآية والبيان والحجة والبرهان. والأول مناسب لآخر ما قبلها”.[5]
إن مما ينبغي للمبلغين أن يهتموا به في دروسهم التبصيرية ومواعظهم التوجيهية، استثمار السيرة النبوية العطرة، بحسن تقديم قراءة أحداثها، وجميل الانتفاع بمستفاداتها، في ضوء الهدي النبوي الذي لا شك أن المتمسك به بالغ بغيته في دنياه كما في أخراه، ومن ذلك أن يتمثلوا الوفاء بالعهود والمواثيق في تصرفاتهم ومواقفهم قبل دعوة الناس إلى هذه الخصلة، كما يتعين عليهم تعميق معارفهم الشرعية وثقافتهم بالواقع بالاجتهاد في تحصيل ما يفيد في ذلك، ومنه فقه الموازنات.
نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يهدينا إلى الصراط المستقيم، وأن يكتب لنا العون والرشاد، والتوفيق والسداد، آمين.
والحمد لله رب العالمين.
[1] _ صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب علامة المنافق، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق.
[2] _ مسند أحمد، مسند المسور بن مخرمة الزهري ومروان بن الحكم رضي الله تعالى عنه.
[3] _ مسند أحمد، مسند المسور بن مخرمة الزهري ومروان بن الحكم رضي الله تعالى عنه.
[4]_ قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/40، دار المعارف _ بيروت – لبنان.
[5] _ مفاتيح الغيب 28/ 65، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة الثالثة 1420 هـ.
