جارٍ تحميل التاريخ...

ميثاق العلماء

ركن الزكاة (1)

ذ. محمد بوشركة

 

انطلاقا من قوله تعالى:

﴿خُذْ مِنَ اَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمُۥٓۖ إِنَّ صَلَوَٰتِكَ سَكَنٞ لَّهُمْۖ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۖ﴾ [التوبة: 104].

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي المصطفى الأمين، وعلى آله وصحابته والتابعين.

أما بعد فيا أيها السادة الأئمة الفضلاء.

إن الحديث مع حضراتكم اليوم سيكون عن ركن الزكاة، وذلك انطلاقا من قول ربنا سبحانه وتعالى في سورة التوبة:

﴿خُذْ مِنَ اَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمُۥٓۖ إِنَّ صَلَوَٰتِكَ سَكَنٞ لَّهُمْۖ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۖ﴾ [التوبة: 104].

وسنتناول هذه الآية الكريمة من خلال ثمان وقفات:

الوقفة الأولى: سبب النزول

سبب نزول الآية أن رهطًا من أهل المدينة تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك كسلًا لاشتغالهم بأموالهم، فلما علموا بقرب وصوله إلى المدينة ربطوا أنفسهم في سواري مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم معتذرين نادمين، فلم يطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزل الله فيهم: ﴿وَءَاخَرُونَ اَ۪عْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاٗ صَٰلِحاٗ وَءَاخَرَ سَيِّئاً عَسَى اَ۬للَّهُ أَنْ يَّتُوبَ عَلَيْهِمُۥٓۖ﴾ [التوبة: 103].

فأَطْلَقَهُم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاؤوا بأموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي كانت سببًا في تخلفنا، تصدَّق بها عنا، واستغفرْ لنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا، فأنزل الله تعالى: ﴿خُذْ مِنَ اَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمْ﴾ إلى آخر الآية، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثُلُث أموالهم.

فوجب توجيه الناس إلى التصدق في حال الوقوع في المعصية.

الوقفة الثانية: مناسبة الآية بالتي قبلها

والآية التي قبلها هي قوله سبحانه: ﴿وَءَاخَرُونَ اَ۪عْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاٗ صَٰلِحاٗ وَءَاخَرَ سَيِّئاً عَسَى اَ۬للَّهُ أَنْ يَّتُوبَ عَلَيْهِمُۥٓۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌۖ﴾ [التوبة: 103].

والمناسبة بينهما: أنه لما ذكر حال الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وأنه تاب عليهم، أذِن لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ من أموالهم صدقةً لتطهيرهم وتزكيتهم.

فالزكاة تفيد ابن آدم، وكل ابن آدم خطاء، فهي تطهير له من الخطأ والزلل، وهذا هو حال زكاة الفطر على سبيل البيان، فمن حِكمها المنصوص عليها أنها طُهرة بعد كونها طعمة للمساكين، نص على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: “فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر؛ طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين[1]“.

الوقفة الثالثة: أخذ الزكاة من الأغنياء وإعطاؤها للفقراء هل هو خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم أم هو عام في جميع الحكام المسلمين؟

قال الإمام ابن كثير: أمر الله تعالى- رسوله أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم.

ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصا بالرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا احتجوا بقوله: -تبارك وتعالى-: {خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً…} الآية.

وقد رَد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد أبو بكر الصديق وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال الصديق: “والله لو منعونى عَناقا كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه”[2].

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ اِلَّا رَسُولٞ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ اِ۬لرُّسُلُۖ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ اَ۪نقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْۖ وَمَنْ يَّنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَّضُرَّ اَ۬للَّهَ شَئْاٗۖ وَسَيَجْزِے اِ۬للَّهُ اُ۬لشَّٰكِرِينَۖ[3]﴾ [آل عمران: 144].

الوقفة الرابعة: الآية دليل شرعي على وجوب الزكاة

 فهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع:

– أما الكتاب: فالآية.

– أما السنة: فنصوص عديدة، منها: حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم: “بُنِي الإسلامُ على خمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجِّ البيت لمن استطاع إليه سبيلاً“[4].

وقوله – صلَّى الله عليه وسلَّم – لمعاذٍ حين أرسله إلى اليمن: “… فإنْ هم أطاعوا لذلك، فأخبرهم أنَّ الله افترض عليهم صدقةً تُؤخذ من أغنيائهم فتردُّ إلى فقرائهم[5]“.

أما الإجماع، فقال ابن قُدامة رحمه الله: “وأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها، واتَّفق الصحابةُ على قتال مانعيها[6]“.

لذلك ورد في فتوى المجلس العلمي في موضوع الزكاة: “الزكاة ركن من أركان الإسلام، وفريضة من فرائضه العظمى، وأساس من أسسه الكبرى التي تنبني عليها أحكام الإسلام الأخرى، المقوِّمة لحياة المسلم[7]“.

الوقفة الخامسة: الزكاة طهارة من خلال قوله سبحانه: (تطهرهم)

الزكاة طهارة تطهّر المعطي والفقير والمال، فهي تطهر المعطي الغني من البخل والشح، وتطهر الفقير من الحسد والحقد على الأغنياء، وتطهر المال مما قد يقع في مختلف المعاملات المالية.

الوقفة السادسة: الزكاة تزكية من خلال قوله سبحانه (تزكيهم بها)

والله تعالى يقول: ﴿قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّيٰهَا﴾ [الشمس: 9] و ﴿قَدَ اَفْلَحَ مَن تَزَكّ۪ىٰ﴾ [الأعلى: 14].

فما أسعد من زكى نفسه وأخرج الزكاة، فكانت سببا في تزكية نفسه ورقيها.

الوقفة السابعة: مع قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمُۥٓۖ إِنَّ صَلَوَٰتِكَ سَكَن لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾

     قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمُۥٓۖ إِنَّ صَلَوَٰتِكَ سَكَن لَّهُمْ﴾

أي: وادع لهم بالرحمة والمغفرة، وقبول التوبة، فإن دعاءك لهم تسكن معه نفوسهم، وتطمئن به قلوبهم، ويجعلهم في ثقة من أن الله-تبارك وتعالى- قد قبل توبتهم، فأنت رسوله الأمين، ونبيه الكريم.

فالمراد بالصلاة هنا: الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة.

قال بعضهم: «وظاهر» قوله: «وصل عليهم» أنه يجب على الإمام أو نائبه إذا أخذ الزكاة أن يدعو للمتصدق، وبهذا أخذ داود وأهل الظاهر.

وأما سائر الفقهاء فقد حملوا الأمر هنا على الندب والاستحباب، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: “أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم” ولم يأمره بالدعاء.

أما صيغة الدعاء فلم يرد فيها تعيين إلا ما رواه الستة- غير الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم (اللهم صل على آل أبى أوفى).

والمقصود بذلك حديث عَبْد اللّهِ بْن أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ»، فَأَتَاهُ أَبِي أَبُو أَوْفَى بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: “اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى[8]“.

الوقفة الثامنة: ربط الموضوع بفتوى المجلس العلمي الأعلى في موضوع الزكاة

قال سبحانه: (خذ من أموالهم) فالزكاة تؤخذ من المال، والمال في المصطلح الشرعي ليس هو النقود بل كل متمول، لذلك لا غرو أن يستهل علماء المملكة الشريفة فتواهم في موضوع الزكاة بتحرير مصطلح (المال) لبيان الأموال التي تجب فيها الزكاة، فجاء في الفتوى ما نصه تحت عنوان: “الأموال التي تجب فيها الزكاة”

لقد اتسع نطاق مفهوم المال في الواقع المعاصر، ويمكن رده إلى القطاعات الكبرى الآتية:

ü    قطاع الفلاحة؛

ü    قطاع الماشية؛

ü    قطاع منتجات الفلاحة من غير الحبوب؛

ü    قطاع الغابات؛

ü    قطاع الصيد؛

ü    قطاع التجارة؛

ü    قطاع الصناعة؛

ü    قطاع الخدمات.

ويندرج في كل قطاع عشرات الأنواع من الأموال التي يمكن اعتبارها مما تجب فيه الزكاة؛ ويمكن أن يُستأنس في هذا الباب ب “التصنيف المغربي للأنشطة الاقتصادية” الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، وهو تصنيف مبني على 21 قطاعا و88 فرعا و274 شعبة و650 نشاطا، ولذلك فالأنشطة المذكورة تحت القطاعات في هذه الفتوى إنما هي مذكورة على سبيل المثال، ولكن حكم ما لم يذكر من ذلك القبيل هو نفس الحكم فيما يرجع للنصاب وللقدر الواجب فيها”.

فلذلك وجب على العلماء أن يذكروا الناس بأن الزكاة تجب في مجموعة من القطاعات التي يظن البعض أن الزكاة لا تجب فيها.

والحمد لله رب العالمين.

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

 


[1] سنن ابن ماجة، رقم: 1827.

[2]  تفسير ابن كثير، ج: 4، ص: 207.

[3]  آل عمران: 144.

[4] صحيح البخاري، رقم: 7.

[5] صحيح البخاري، رقم: 1496.

[6] المغني لابن قدامة، ج: 2، ص: 427.

[7] ص: 4.

[8] صحيح البخاري، رقم: 1497.