ميثاق العلماء
ثقافة الإمام (6)
ذ. عبد اللطيف الميموني
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا وحبيبنا وعظيمنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وإماما للمتقين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد؛
أيها الفضلاء، السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.
ها نحن نلتقي معكم مجددا في مجلس جديد من مجالس العلم والتزكية والتواصي بالحق، في محور ثقافة الإمام، للحديث معكم في موضوع ذي أهمية قصوى باعتباره من واجبات الوقت. إنه “ثقافة ما عليه الفتوى والذي جرى به العمل“.
لا شك – ساداتي الأئمة الفضلاء – أنكم على علم بأنكم على ثَغر كبير من ثغور الأمة، وفي مهمة جسيمة لا يُقدرها حق قدرها إلا من كان قريبا منكم، ومن همومكم، وهي تشريف وتكليف في آن واحد، لكن بيقينكم أن الله تعالى معينكم، وجزمكم أن دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لكم ستظهر بركته عليكم، فزادكم الله رشدا وسدادا في القول والعمل، فاستقامة الناس إنما تكون بكم؛ بأقوالكم وأفعالكم وأحوالكم. فأنتم القدوة، والناس لكم تبع، وتدينهم معلق برقابكم. وفي التنزيل الحكيم: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماًۖ} [الفرقان: 74]. وفي صحيح البخاري عن ابن عون: “أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا“.
فكونوا جزاكم الله خيرا عند حسن ظن الأمة، حيثما كنتم في الحواضر والبوادي، ونشد على أيديكم، ولا تعيروا أي اهتمام لبعض المشوشين الذين يظنون أنهم يصلحون، لجهلهم بثقافة الأمة المغربية عبر عبق تاريخها المجيد، مذ توارثت الهدي النبوي ودره الثمين، من زمن إمام دار الهجرة ومحدثها الأشهر، مالك بن أنس، رضي الله عنه.
ساداتي الأئمة الكرام؛
مما لا يختلف فيه اثنان أن الإمام الناجح هو من يستطيع الثبات والتثبيت على ما عليه أسلافه، سواء في العبادات أو العادات أو المعاملات، حتى يكون الناس على هدي واحد ونهج واحد؛ ومن أجل الحفاظ على هذا الخير يجدر بي تذكيركم ببعض الأمور التي تربينا في كنفها، ونشأنا جميعا عليها، حتى امتزجت بلحمنا ودمنا، ومنها:
أولا: قراءة الحزب الراتب صباحا ومساء:
فهو سنة حميدة أسسها علماؤنا منذ قرون عديدة، وواظبوا عليها عدة قرون حتى وصلتنا في أمن وسلام، وتلقيناها من شيوخنا، رحمهم الله أجمعين. وينبغي أن نعلم أنهم لم يؤسسوا هذا العمل عبثا بل نظروا إلى ما يحققه من المقاصد والفوائد العاجلة والآجلة، ومنها:
· تعهد القرآن الكريم، وتثبيته في قلوب قرائه؛
· تصحيح التلاوة للذين يحضرون قراءة الحزب الراتب؛
· تيسير التعلم لمن لم يتيسر له التفرغ لذلك؛
· اجتماع الناس على الخير وتعاونُهم عليه، وتآلفهم، وغيرُ ذلك من الفوائد التي لا ينكرها إلا مكابر أو معاند.
فعلينا جميعا إبراز مزايا هذه الخصوصية المغربية الفذة التي بسببها حافظ أئمة المغرب و”الطُّلبة” على حفظ كتاب الله العزيز، وانفردوا بذلك في دنيا الناس، بهدف المحافظة على هذه الخصوصية، ووجب أن نعَضَّ عليها بالنواجذ، ولنعمل على توريثها لأهل زماننا، كما ورثها لنا شيوخنا. ولا شك أنكم سمعتم من شيوخ الدرس القولة المشهورة: “حزبكم وردكم”.
فلا عذر – أعزائي – لمن يتذرع بأنه لا يجد من يجلس معه للقراءة، لأن دور الإمام بذل الجهد في تحبيب قراءة القرآن للناس، دون الاهتمام لمن يشوش عليكم هذه المكرمة، فقد حاول بعضهم تنفير الناس من ذلك منذ زمن غير أن علماءنا والصالحين في كل زمان يقفون في وجه كل من سولت له نفسه إفساد الناس اختيارهم.
ولقد حفظنا ونحن في ” المسيد” قول أحد الصالحين:
قد حاولَ الغيرُ على إبعاده( تركه) *** وهل تسمح يا مولانا بفِعله
فلا نرضى بِتركنا القُرآن *** لأنّه الدينُ مع الإيمان
فقدرهُ عندَنا لا يُساويهِ *** كلُّ الوجود وما احتوى علَيهِ
فالقرآن هوَ عينُ الحقيقَة *** والشريعَة والعروةُ الوثيقة
أنتَ تعلَم بحُبنا القُرآن *** وكيف حل القلب واللسان
فامتزج بدَمِنا ولحمِنا *** وبالعروقِ والعظام وما فينا…إلخ
إنها أبيات مدرّجة ولا تخضع للوزن، غير أنها هادفة ووافية بالغرض، ودالة على أن مردديها كانوا على علم بثقافة عصرهم، وأحوال زمانهم الذي لم يخل من التشويش.
ولذلك أعرض علماؤنا – رحمهم الله أجمعين – عمن شوش عليهم، بل ناقشوا أبعاد هذا الخير، كمثل من له الحظ الأوفر في ثواب التلاوة، بين المحسن الذي حبس جزءا من ماله على القراء، والطلبة الذين يلتزمون شرط المحبس.
جاء في المعيار الجديد: “انظر ما ينفق من الإيقافات (من الوقف) على اجتماع القراء لقراءة الحزب مضى العمل ببلد إفريقية عليه وعلى تنفيذ الوصية به. وقد فعله الشيخ لنفسه ولزوجته، واختلَف جوابه لمن يكون ثواب التلاوة التي في الحرف بعشر، فقال مرة هو للقراء، وإنما يكون للمحبس الإعانةُ على قراءة القرآن، وثوابُ التسبب في إدامة حفظ القرآن[1]“.
فتأمل أخي الإمام ماذا يناقش العلماء؟ يناقشون الإشراك في ثواب القراءة بالنسبة للمحبس، كم نسبة الأجر؟ أما أمر القراءة الجماعية فمسألة مسلمة لدى الجميع، وكانت فضائل القراءة بمثابة رحم بين المحبسين والقراء، وقد أنشد بعضهم:
إذا الأحباب فَاتَهمُ التلاقي *** فلا صِلةٌ بِأفضلَ من كتاب
وبالمناسبة، يجدر التنبيه على تصرف بعض “الطُّلبة ” مما يمكن اعتباره خطئا أثناء قراءة الحزب الراتب، وهو الإسراع المفرط في التلاوة، خاصة في صلاة الصبح، دون اعتبار ما يترتب عن ذلك من مفاسد، ومنها:
ü تنفير الراغبين في تلاوة القرآن عن حضور قراءة الحزب الراتب، ولاسيما من يتتبع جماعة القراء بالمصحف الشريف؛
ü فتح الباب للمشوشين الذين يترصدون الهنات، والهفوات، حتى لو رأيتها أنت بسيطة غير أنها تعتبر حجة لضرب المكتسبات.
ولذلك أوجه عناية الفضلاء وساداتي الكرام عدم الالتفات إلى من يجهل قيمة هذا الخير ودوره وفوائده، فإن من جهل شيئا عاداه، وليكن الاستمرار على التلاوة الجماعية بأداء جيد، ووقف الإمام الهبطي يساعد على ذلك.
ولذلك على الإمام الأخذ بزمام الأمر في هذا الصدد، بأن يسير بقدر الضعفاء من المتعلمين، وأن يأخذ بأيديهم، ويتقبلَ أخطاءهم ويصححَها ويقومَها بعد الانتهاء من قراءة الحزب، مستحضرا منهج الرحمة واللين والرفق، فإذا نهج الإمام هذا السلوك فإنه يكون قد وضع قدمه على خطى من أساليب “تسديد التبليغ “، وهو إن شاء الله تعالى أسلوب ناجح، فمن رُزقه فقد رزق خيرا كثيرا، ووُفق للخير العميم، وسينفع الله تعالى به وينال أجر الدلالة على الخير.
فأوصيكم معاشر الأئمة الكرام أن تتمسكوا بما ورثتموه من هذا الكنز، وتعملوا على ترسيخه، وتشويق الناس إليه وتحبيبه، خصوصا الشبابَ والأطفال، وتعليمِهم حتى يتربوا على حب القرآن وحب المسجد، ورحم الله الإمام ابن أبي زيد القيرواني القائل: “.. لما رغبتُ فيه من تعليم ذلك للولدان كما تُعلمهم حروفَ القرآن ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه، ما ترجى لهم بركته وتُحمدُ لهم عاقبته[2]“.
فإذا كان همكم -إخواني- إرضاءَ الله تعالى فاعلموا أن رضى الناس غاية لا تدرك.
ثانيا: ختم قراءة الحزب بالدعاء الصالح للأشياخ ولسائر موتى المسلمين، باللفظ المتواتر المحفوظ لديكم.
فالدعاء لهم أداء لبعض ما لهم علينا من الحقوق فقد علموكم وسهروا على تربيتكم وواصلوا ليلهم بنهارهم من أجلكم وأفنوا أعمارهم في خدمتكم.
فلا تبخلوا عليهم بالدعاء بعد قراءة الحزب، فالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: “من آتى إليكم معروفاً فكافِئُوه… فإن لم تَجِدُوا فادعُوا له حتى تعلَمُوا أن قد كافأتموهُ[3]“.
وبمناسبة ذكر الدعاء أذكركم بالمحافظة على الدعاء بعد الصلوات، فهو كذلك عمل متبع في بلادنا بصيغة شاملة تتضمن الدعاء للوالدين والأشياخ والمحبسين ومولانا السلطان نصره الله، فالذين ندعو لهم بالرحمة والتوفيق والسداد للأحياء، قدموا للأمة خِدْمات جليلةً وخيرات كثيرةً. فالحرص على هذا الدعاء بصيغته المشار إليها، من مهمات الأمور، وقد تم التأكيد عليها في “دليل الإمام والخطيب والواعظ“.
ولا تلتفتوا مرة أخرى للجاهلين بإنكار هم لمقاصد الأمور، واعذروهم لجهلهم، وامتثلوا قول الله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ اِ۬لْجَٰهِلِينَۖ} [الأعراف: 199].
ولا تَشغلوا أنفسكم بالرد عليهم، فالوقت أغلى من أن يضيع في الردود، بارك الله فيكم، وأحسن إليكم.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
