جارٍ تحميل التاريخ...

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

خطبة ليوم 27 ربيع الثاني 1448هـ الموافق لـ 9/10/2026م

“الحض على العمل بعد العلم”

الحمد لله الذي ملأ قلوب عباده المخلصين بالإيمان، وزين جوارحهم بالعمل الصالح وخُلُق الإحسان، نحمده سبحانه وتعالى وهو بالحمد أولى، ونشكره على ما أنعم به علينا وأولى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة المقر له بوحدانيته، الخاضع لأمره ونهيه في سره وعلانيته، ونشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطيبين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان في كل وقت وحين، صلاة وسلاما تامين متواصلين إلى يوم الدين.

أما بعد؛ فيا معاشر المؤمنين والمؤمنات، يقول الحق سبحانه وتعالى:

(وَإِنِّے لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحاٗ ثُمَّ اَ۪هْتَد۪يٰۖ)[1].

عباد الله؛ في هذه الآية الكريمة، كغيرها من آي القرآن الكريم، يؤكد الله جل وعلا بأنه غفار واسع المغفرة لمن تاب إليه وأناب، وتمسك بشرطي الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، وهما الإيمان والعمل الصالح، ثم اهتدى بالسير على النهج القويم، والصراط المستقيم، الذي بعث عليه أنبياءه ورسله، وأوحى إليهم بما ينير في حياة الناس سُبُلَه.

وهذا ما توخته “خطة تسديد التبليغ” التي وفق إلى تأصيلها وبداية تنزيلها العلماء منذ أزيد من عامين كاملين؛ أداء للواجب المنوط بهم تجاه ربهم ووطنهم وأمتهم باعتبارهم ورثة الرسول ﷺ القائل:

«إن العلماء ورثة الأنبياء»[2].

وباعتبارهم نواب أمير المؤمنين في تحمل أمانات الرسول ﷺ من التلاوة والتزكية وتعليم الناس أمور دينهم وإرشادهم إلى ما يحقق لهم مصالحهم الدينية والدنيوية من خلال آي القرآن الكريم، وحديث النبي ﷺ، وحمايتهم من كل زيغ أو تحريف.

ولا شك أن هذه الخطة المباركة، ولله الحمد، قد أخذت تأتي أكلها، وهي تتغيي أهدافا ومقاصد منها:

أولا: تصحيح مفهوم الدين والتدين، وتبين أن الدين كامل من عند الله تعالى وحيا منزلا، كما قال سبحانه:

(اِ۬لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِے وَرَضِيتُ لَكُمُ اُ۬لِاسْلَٰمَ دِيناٗۖ)[3]

. وتولى رسول الله ﷺ تطبيقه عمليا من خلال السيرة العطرة، والسنة المطهرة. يقول ﷺ:

«ما تركت شيئا مما أمركم الله به، إلا أمرتكم به، وما تركت شيئا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين قد ألقى في رُوعِي، أنه لن تموت نفس حتى تستوعب كل الذي كتب الله لها، فمن أبطأ عنه من ذلك شيء، فليُجمِل في الطلب، فإنكم لن تدركوا ما عند الله إلا بمثل طاعته»[4].

كما تبين أن التدين السليم الذي هو ممارسة الدين ومحاولة تطبيقه في حياة الناس، هو محل التسديد والمعالجة والتصويب، وبيان أن التدين يشمل حياة الناس كلها، وليس مختصا بشأن دون آخر.

ثانيا: أنها تبين حقيقة التوحيد الذي يحرر الإنسان من براثن هواه وأنانيته، ويجعله عبدا خالصا لله تعالى متصفا بما يقتضيه إيمانه من مكارم الأخلاق وجميل الخصال، كما بينت الرسالة الملكية في الحض على التوحيد الحق الذي يتجلى في أخلاق المسلم وسلوكه.

ثالثا: أنها بينت قيمة العمل الصالح ومنزلته في زيادة الإيمان وتقويته، باعتبار أنه كل ما يصدر من المؤمن من خصال الخير المعبر عنها في القرآن الكريم بالبر في آيات كثيرة منها: قوله تعالى:

(لَّيْسَ اَ۬لْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اَ۬لْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنِ اِ۬لْبِرُّ مَنَ اٰمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اِ۬لَاخِرِ وَالْمَلَٰٓئِكَةِ وَالْكِتَٰبِ وَالنَّبِيٓـِٕۧنَ وَءَاتَي اَ۬لْمَالَ عَلَيٰ حُبِّهِۦ ذَوِے اِ۬لْقُرْب۪يٰ وَالْيَتَٰم۪يٰ وَالْمَسَٰكِينَ وَابْنَ اَ۬لسَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِے اِ۬لرِّقَابِ وَأَقَامَ اَ۬لصَّلَوٰةَ وَءَاتَي اَ۬لزَّكَوٰةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمُۥٓ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَالصَّٰبِرِينَ فِے اِ۬لْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ اَ۬لْبَأْسِۖ أُوْلَٰٓئِكَ اَ۬لذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُتَّقُونَۖ)[5].

فهذه الآية الكريمة تعرف بآية البر، وهي جامعة لكل أنواع العمل الصالح، من إيمان صادق، وإنفاق وعبادة ووفاء وصبر وصدق، وجماع ذلك كله، وهو التقوى.

رابعا: أن هذه الخطة المباركة تبين بما لا يقبل مجالا للشك أن الأسرة هي نواة المجتمع، وهي أولى بالرعاية من أجل إصلاح المجتمع والمحافظة على تماسكه وتواده وتراحمه وتعاطفه وتكافله وتعارفه، وهي المحضن الأول لأفراد الأمة، يتحمل فيها الأبوان مسؤولية جسيمة لقول النبي ﷺ:

«كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تُنْتَجُ البهيمةَ هل ترى فيها جدعاء»[6].

خامسا: كما تبين سائر الحقوق المترتبة على الذمم من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، وحقوق الوطن وحقوق الأمة، وكلها يجب الوفاء فيها بالعدل وأداء الأمانات، كما أمر بذلك الرسول ﷺ في قوله:

«أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك»[7].

وهكذا معاشر المؤمنين تستوعب “خطة تسديد التبليغ” كل ما يصدر من المسلم من المقاصد والنيات، والأعمال التعبدية والمعاملات والأخلاق.

نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 الخطبة الثانية

الحمد لله ولي الصالحين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

معاشر المؤمنين والمؤمنات؛ فإذا تبينا ما تقدم من الجهود، في إطار “خطة تسديد التبليغ”، فإنه يجب علينا أن ننتقل من العلم إلى العمل، والبحث عن الآثار الطيبة الموعودة من قبل الله تعالى لعباده المؤمنين في قوله جل وعلا:

(مَنْ عَمِلَ صَٰلِحاٗ مِّن ذَكَرٍ اَوُ ا۟نث۪يٰ وَهُوَ مُومِنٞ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗ وَلَنَجْزِيَنَّهُمُۥٓ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَۖ)[8].

إذ العمل هو ثمرة العلم، وقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم، إذا علموا شيئا لا يتجاوزونه إلى غيره حتى يعملوا به، ويتقون العلم بلا عمل، حتى لا يكون حجة عليهم،

فعن أبي عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، قال: “إنا أخذنا القرآن عن قوم – يعني الصحابة رضي الله عنهم- فأخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأُخَر حتى يعملوا ما فيهن من العلم، قال:

فتعلمنا العلم والعمل جميعا”[9].

وعن سفيان بن عيينة، قال: كتب ابن منبه إلى مكحول:

“إنك امرؤ قد أصبت بما ظهر من علم الإسلام شرفا، فاطلب بما بطن من علم الإسلام عند الله محبة وزلفى، واعلم أن إحدى المحبتين سوف تمنع منك الأخرى”[10].

يقصد بما بطن من علم الإسلام العمل بمقتضاه.

عباد الله؛ فإن عملنا بما تقدم في هذه الخطب المتنوعة الشاملة لجميع مناحي حياتنا كنا كما قال الله تعالى:

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ا۟خْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللَّهِۖ)[11].

وعلى هذا الأساس فإن خطب الجمعة فيما يستقبل من الأيام إن شاء الله ستتناول العودة ثم العودة إلى شرح شروط الحياة الطيبة وهما الإيمان والعمل الصالح، والغرض من التكرار هو توضيح المضامين والإلحاح على العمل، ولو عملنا للتحقق بهذين الشرطين لحقق فينا وعد الله تعالى بالحياة الطيبة وهو المراد.

ألا فاتقوا الله، عباد الله، وأكثروا من الصلاة والتسليم على ملاذ الورى في الموقف العظيم، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من المهاجرين والأنصار، وعن التابعين لهم إلى يوم الدين.

وانصر اللهم بنصرك المبين، وتأييدك المتين، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، اللهم احفظه بالسبع المثاني والقرآن العظيم، وبارك له في الصحة والعافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة إنك سميع مجيب.

وتغمد اللهم بواسع رحمتك وجميل جودك وعفوك الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا اللهم من الراشدين.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

 ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

[1] . طه 80.

[2] . سنن الترمذي أبواب العلم عن رسول الله r  – باب ما جاء في فَضْلِ الفِقهِ على العِبادةِ رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث النبوي الشريف، 5994.

[3] . المائدة 4.

[4] . شرح السنة للبغوي كتاب الرقائق باب التوكل على الله، 14/303.

[5] . البقرة 176.

[6] . صحيح البخاري كتاب الجنائز باب ما قيل في أولاد المشركين، 2/100.

[7] . سنن الترمذي أبواب البيوع رقم الحديث بالمنصة، 7473.

[8] . النحل 97.

[9] . البدع لابن وضاح بَابٌ: فِيمَا يُدَالُّ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَالْبِقَاعِ 2/170.

[10] . جامع بيان العلم وفضله، باب القول في العمل بالعلم 1/.692

[11] . آل عمران 110.