
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة الجمعة ليوم 20 ربيع الآخر 1448هـ الموافق لـ 02 أكتوبر 2026م
«فَضْلُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَأَهَمُّ آدَابِهَا»
اَلْخُطْبَةُ الْأُولَى
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والشكر له على ما أولى من مزيد فضله وكريم إحسانه، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، نشهد أنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطيبين، وصحابته الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فيا معاشر المؤمنين والمؤمنات؛ يقول الله تعالى في محكم التنزيل:
﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِنْ يَّوْمِ اِ۬لْجُمُعَةِ فَاسْعَوِاْ اِلَىٰ ذِكْرِ اِ۬للَّهِ وَذَرُواْ ا۬لْبَيْعَۖ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمُۥٓ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَۖ﴾[1].
عباد الله؛
في هذه الآية الكريمة ينادي البارئ -جل وعلا- عباده المؤمنين بوصف الإيمان ويدعوهم إلى حضرته وإقامة ذكره إذا نودي لصلاة الجمعة، وترك ما يشغل عنها من أعمال الدنيا، ويستفاد من ذلك أهمية الجمعة وفضلها عند الله تعالى الذي خصها بخصائص كثيرة نذكر منها:
أن يوم الجمعة يوم عظيم عند الله تعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ…» إِلَى أَنْ قَالَ: «وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ -وَهُوَ يُصَلِّي- يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»[2].
ومن جليل فضل الله على أمة الإسلام أنه تعالى خصها بهذا اليوم العظيم دون سائر الناس، ولا توجد أمة تجتمع استجابة لنداء ربها كل أسبوع بمئات الملايين في سائر أقطار الأرض إلا أمة الإسلام، وفي ذلك من تعظيم شأن هذه الشعيرة ما لا يعلم قدره إلا الله تعالى.
ثم شرع لهم فيه هذه العبادة العظيمة: خطبة الجمعة وصلاة الجمعة، وهي المراد بذكر الله الذي دعا إليه الحق سبحانه في قوله:
﴿فَاسْعَوِاْ اِلَىٰ ذِكْرِ اِ۬للَّهِ﴾.
والمراد بـ(السعي) هنا: العمل من أجل الصلاة بالتهيُّؤ والاستعداد لها والذهاب عند النداء، والاستماع للخطبة والإنصات لها.
والمراد بذكر الله: الخطبة والصلاة معا، وسمي الجميع ذكرا لما فيه من تذكير الناس بأمور دينهم ودنياهم، وتعليمهم ما هم في حاجة إليه من أمور الإيمان الصادق والعمل الصالح لتحقيق الحياة الطيبة لهم.
ومن فضل صلاة الجمعة ما ورد في فضل التبكير إليها، وقد ورد في ذلك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء في آخره:
«فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ»[3].
ففي هذا الحديث النبوي الشريف فضل صلاة الجمعة وفضل التبكير إليها، وفضل شهادة الملائكة للمصلين بالخير والفضل حسب سبقهم ومسارعتهم؛ كما في حديث آخر عند الإمام البخاري أن النبي ﷺ قال:
«إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ-أَيِ: السَّابِقِ إِلَى الْمَسْجِدِ- كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْاْ -يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ- صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ»[4].
وهكذا -عباد الله- تعددت وجوهُ فضل الجمعة، وتنوع خيرُها من فضيلة اليوم نفسه إلى فضل الاجتماع على ذكره والاستماع للخطبة والاستفـادة منها، والعمل بما ورد فيها من التوجيه والنصح، وفضل التهجير والتسجيل في صحف الملائكة، واغتنام ساعة الإجابة وفضل الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وغيرها من الخصال التي خص بها يوم الجمعة من بين سائر الأيام.
عباد الله؛
إن حضور صلاة الجمعة كل أسبوع هو عمل لبناء الجماعة، لا مجرد المجيء إلى المسجد كسائر الأيام، والجماعة تتكون من مؤمنين متعارفين متحابين متآزرين، وقرت في صدورهم معاني الأخوة، ودل سلكوهم على تحقيقها، يجمعهم التوحيد والعمل الصالح والتعاون على البر والتقوى، فقد تكون كلمة «المجتمع» اليوم هي السائدة في وصف العلاقات المبنية على مختلف أنواع المصالح، ولكن الجماعة التي تبنيها الجمعة هي نواة ذلك المجتمع المبني على الفضائل والمكارم، وعلى الوعي بشروط الحياة الطيبة.
نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
اَلْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمد لله رب العالمين، الملك الحق المبين، والصلاة والسلام على من سن لأمته سُننا، وهداهم إلى ربهم سَننا، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله؛
إذا كانت فضائل يوم الجمعة وصلاة الجمعة متعددة ومباركة، وحض عليها القرآن والسنة أيما تحضيض، فإن تحصيل تلك الفضائل والاستفادة منها وتحقيق أهدافها المرجوة منها يحتاج إلى مجموعة من الآداب نذكر منها:
أولا: أن يدفع الإيمانُ المؤمنَ إلى ذكر الله، كما أمره الحق سبحانه، وتكونَ غايتُه تحقيق النفع لدينه ودنياه، ولهذا الغرض يترك كل أشغاله وأعماله استجابة لنداء الله تعالى.
ثانيا: فإذا حسن القصد بصدق الإيمان باطنا، يتحلى المؤمن بحسن الهيئة ظاهرا بفعل سنة الاغتسال ولبس ما يجد من نظيف الثياب، ويمس ما يجد من الطيب، ويأتي المسجد بأدب ووقار، ولا يفرق بين اثنين، ولا يتخطى الرقاب، ويصلي ما شاء قبل خروج الإمام، فإن خرج الإمام جلــــــس فاستمع وأنصت، كما قــــــــال النبي ﷺ:
«إِنَّ الْمُسْلِــمَ إِذَا اغْتَسـلَ يَـوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَــى الْمَسْجِدِ، لَا يُــــؤْذِي أَحَـدًا، فَإِنْ لَّمْ يَجِـدِ الْإِمَامَ خَــــرَجَ، صَـلَّى مَا بَــدَا لَـــهُ، وَإِنْ وَجَدَ الْإِمَـامَ قَدْ خَرَجَ، جَلَـــسَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، حَتَّى يَقْضِيَ الْإِمَـــامُ جُمُعَتَهُ وَكَلَامَهُ، إِنْ لَّمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي جُمُعَتِهِ تِلْكَ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا، أَنْ تَكُونَ كَفَّارَةً لِلْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا»[5].
ثالثا: نية الامتثال والتطبيق لما يذكـر في الخطبة؛ لأنها الزاد الأسبوعي للروح، ومنها: يتزود المؤمنون أسبوعيا، لصالح دينهم ودنياهـم. ومنها: تعلم -الصحابة الكرام رضوان الله عليهم-، ويتعلم المسلمون عبر العصور.
ولذا ركز العلماء في «خطة تسديد التبليغ» على أن تكون خطب الجمعة في صميم ما يهم كل مسلم ومسلمة أينما كانوا؛ من الحض على صدق الإيمان والتربية عليه، وتنمية المراقبة الذاتية ومحاسبة النفس وتزكيتها، والحرص على العمل الصالح مع الإخلاص والإتقان، ومع الحض عـلى الكسب الحـلال والإخـلاص فـي المعاملات، بما يشمـل العبادات والتحلي بمقاصدها، ويفيد حسن المعاملة والتحلــــي بمكارم الأخـلاق فيها، وحماية الأســرة والمجتمع من نوازع النفوس وأهــوائها، والمعاشرة بالمعروف والإحسان إلى الخلق، والحض على حب الوطن والحرص على خدمته والوفاء له ولثوابته الدينية والوطنية في السر والعلانية.
وهي أمور جوامع تهم جميع شرائح المجتمع، مع ترك الجزئيات والأمور الخاصة بشخص أو مكان أو زمان، ليجيب عنها العلماء في زمانها ومكانها.
عباد الله؛
من عظَّم الجمعة عظَّم شعائر الله، ومن أحسن استقبالها وأحسن الاستماع إلى خطبتها وأحسن الانتفاع بمواعظها، كان أرجى لأِنْ يَخْرج منها بقلب أصلح وعمل أقوم وعهد أجدد مع الله تعالى.
هذا؛ ومسك الختام أفضل الصلاة وأزكى السلام على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، سيدنا محمد ﷺ، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد في الأولين، وصل وسلم على سيدنا محمد في الآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
وارض اللهم عن خلفائه الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من الأنصار والمهاجرين، ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
وانصـر اللهم بنصـرك المبين، وتأييدك المتين، من وليته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المؤمنين، جلالة الملك محمدا السادس، اللهم بارك له في الصحة والعافية، واشمله بألطافك الخفية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب، صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.
وتغمد اللهم بواسع رحمتك، وعظيم جودك وإحسانك، الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما في أعلى عليين، مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.
اللهم ارحمنا وارحم والدينا وارحم موتانا وموتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وعاف مبتلانا ومبتلى المسلمين، ووفقنا للخير وأعنا عليـه، واهـدنا سبل السلام بفضلك ومنك يا رب العالمين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[1] . الجمعة 9.
[2] . الموطأ، كتاب الجمعة باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة 1/108. رقم الحديث بالمنصة 12567.
[3] . صحيح البخاري كتاب الجمعة، بَابُ فَضْلِ الْجُمُعَةِ (2/ 3): رقم الحديث بالمنصة 5266.
[4] . صحيح البخاري، كتاب الجمعة باب الاستماع إلى الخطبة 2/11.
[5] . مسند أحمد 5/75.
