جارٍ تحميل التاريخ...

ميثاق العلماء

السيرة النبوية - تجليات الحياة الطيبة في ظلال السيرة النبوية -صلح الحديبية (3)-

ذ. حمو أورامو

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

السادةُ الأئمةُ الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما زال الحديث معكم حول السيرة النبوية التي تعتبر تطبيقا عمليا للقرآن الكريم والتي جاءت الرسالة الملكية السامية للفت النظرِ إلى أهميتها خصوصا وقد مر على ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر قرنا، ودرس اليوم سيكون حول بعض ما يستفاد من غزوة الحديبة. سأسرد ما ذكره أصحاب السير بتصرف إن اقتضى الحال ذلك خشية الطول، فأقول نقلا عن الخضري في كتابه “نور اليقين”، قال رحمه: رأى عليه الصلاة والسلام في نومه أنه دخل هو وأصحابه المسجدَ الحرامَ آمنين محلقين رؤوسَهُم ومقصرين، فأخبر المسلمين أنه يريد العمرة واستنفر الأعراب الذين حول المدينة ليكونوا معه، حذرا من أن تردهم قريش عن عمرتهم ولكنَّ هؤلاء الأعرابَ أبطؤوا عليه لأنهم ظنوا ألا ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، وتخلصوا بأن قالوا: {شَغَلَتْنَآ أَمْوَٰلُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَاۖ}[1].

أقول ونظرا لأن رؤيا الأنبياء حق وأنه ستتحقق لا محالة، ولأنها وحي فإنه امتثل كما امتثل جده إبراهيم عليه السلام، فخرج عليه الصلاة والسلام بمن معه من المهاجرين والأنصار تبلغ عِدتُهم ألفا وخمسَمائة وولى على المدينة ابنَ أم مكتوم، وأخرج معه زوجه أمَّ سلمةَ، وأخرج الهدي ليعلم الناس أنه لم يأت محاربا، ولم يكن مع أصحابه شيء من السلاح إلا السيوفَ في القُرُب، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرض أن يحملوا السيوفَ مجردةً وهم معتمرون، ثم سار الجيش حتى وصل عُسفان[2].

أقول: كان كل هذا منه صلى الله عليه وسلم تعظيما لبيت الله الذي جعله الله حرما آمنا، لكن نظرا لمعرفته بقريش وبخوفها على سمعتها ومكانتها من العرب فإنه توقع صدَّه لذلك استنفر الأعرابَ وإن لم ينفروا، ولهذا بعث عيونه لالتقاط الأخبار ولمعرفة ردةِ الفعل، فجاءه عينه «وهو بشرُ بنُ سفيانَ الكعبيَّ يخبره أن قريشا أجمعت رأيها أن يصدوا المسلمين عن مكة، وألا يدخلوها عليهم عنوة أبدا، وتجهزوا ليصدوا المسلمين عن التقدم.

 أقول: إنه في الواقع لم يرد أن يدخلها عليهم عنواة لأنه لم يأت لقتال أصلا، ولهذا لم يُرِدْ مواجهتَهم فقال عليه الصلاة والسلام: هل من رجل يأخذ بنا على غير طريقهم؟ فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله، فسار بهم في طريقٍ وعرةٍ، ثم خرج بهم إلى مستوٍ سهلٍ يملك مكة من أسفلها، فلما رأى خالد ما فعل المسلمون رجع إلى قريش وأخبرهم الخبر، ولما كان عليه الصلاة والسلام بثنية المُرَار[3] بركت ناقته. فزجرها فلم تقم، فقالوا: خلأت القصواء، فقال عليه الصلاة والسلام: ما خلأت وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، والذي نفس محمد بيده لا تدعوني قريش إلى خطة فيها تعظيم حرمات الله إلا أجبتهم إليها[4].

وهذا كله يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد السِّلْم والسلام ولما رأته قريش تنكب عن ملاقاتها حاروا في أمرهم فإذا غَلَّبوا طبعه قالوا يريد السلام، وإذا غَلَّبوا طبعهم قالوا يريد المكيدة، فأوفدوا من يستكشف أمره، وهناك جاء بديل بن ورقاء الخزاعي رسولا من قريش يسأل عن سبب مجيء المسلمين، فأخبره عليه الصلاة والسلام بمقصده، فلما رجع بديل إلى قريش وأخبرهم بذلك، لم يثقوا به لأنه من خزاعة الموالية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانت كذلك أجداده، وقالوا: أيريد محمد أن يدخل علينا في جنوده معتمرا تسمع العرب أنه قد دخل علينا عنوة، وبيننا وبينهم من الحرب ما بيننا؟ والله لا كان هذا أبدا ومنا عين تَطْرِف، ثم أرسلوا حليسَ بنَ علقمةَ سيدَ الأحابيش- وهم حلفاء قريش، – فلما رآه عليه الصلاة والسلام قال: هذا من قوم يعظمون الهدي ابعثوه في وجهه حتى يراه، ففعلوا واستقبله الناس يُلبون، فلما رأى ذلك حليسٌ رجع وقال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا، أتحج لخم وجذام وحمير، ويُمنَعُ عن البيت ابن عبد المطلب؟ هلكت قريش ورب البيت إن القوم أتوا معتمرين، فلما سمعت قريش منه ذلك قالوا له: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك بالمكايد، ثم أرسلوا عروةَ بنَ مسعود الثقفي سيدَ أهل الطائف فتوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد قد جمعت أوباشَ الناس أي أخلاطَ الناس، ثم جئت إلى أصلك وعشيرتك لتَفُضَّها بهم، إنها قريش قد خرجت تعاهد الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدا. وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك، فنال منه أبو بكر وقال: نحن ننكشف عنه؟ ويحك! وكان عروةُ يتكلم وهو يمَس لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان المغيرة بن شعبة  يقرع يده إذا أراد ذلك، ثم رجع عروة وقد رأى ما يصنع بالرسول صلى الله عليه وسلم أصحابُه، لا يتوضأ وضوءا إلا كادوا يقتتلون عليه يتمسحون به، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، ولا يُحِدُّون النظر إليه فقال: والله يا معشر قريش جئت كسرى في ملكه وقيصر في عظمته، فما رأيت ملكا في قومه مثلَ محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يُسلمونه لشيء أبدا، فانظروا رأيكم، فإنه عرض عليكم رشدا فاقبلوا ما عرض عليكم، فإني لكم ناصح، مع أني أخاف ألا تنصروا عليه، فقالت قريش: لا نتكلم بهذا، ولكن نرده عامنا ويرجع إلى قابل[5].

وكان كل هذا عن جانب قريش، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قال الخضري رحمه الله: ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم اختار عثمان بن عفان رسولا من عنده إلى قريش حتى يُعلمهم مقصده، فتوجه وتوجه معه عشرةٌ استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في زيارة أقاربهم، وأمر عليه الصلاة والسلام عثمان أن يأتي المستضعفين من المؤمنين بمكة، فيُبشرَهم بقرب الفتح وأن الله مظهرٌ دينَه، فدخل عثمان مكة في جوار أبانِ بنِ سعيد الأمويِّ فبَلَّغ ما حَمَل، فقالوا: إن محمدا لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ثم طلبوا منه أن يطوف بالبيت، فقال: لا أطوف ورسول الله صلى الله عليه وسلم ممنوع، ثم إنهم حبسوه، فشاع عند المسلمين أن عثمان قتل، فقال عليه الصلاة والسلام حينما سمع ذلك: لا نبرح حتى نناجزهم.

ودعا الناس للبيعة على القتال فبايعوه تحت شجرة هناك “بيعة الرضوان”. قال ابن هشام: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خَلَّوْا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تظن قريش، فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة[6] يعنى صفحة العنق.

السادةُ الأئمةُ الكرام؛ كان هذا سردا لبعض الأحداث، وإليكم بعضَ الفوائد التي يمكن أن تستفاد منها.

الفوائد:

ü الأولى:

أن السلم والسلام أفضل ما يسعى إلى تحقيقه الداعية المرشد، ولا يخول له كونه على الحق أن يعلن الحرب على غيره وأن ينتهك الحرمات، فقد أرى الله رسوله صلى الله عليه وسلم رؤيا دخولهم المسجد الحرام آمنين محلقين رؤسهم ومقصرين لا يخافون، وأن للبيت الحرام حرمة عند الله، وهذا ما نزل القرآن الكريم بتصديقه فيما بعد قال تعالى: {لَّقَدْ صَدَقَ اَ۬للَّهُ رَسُولَهُ اُ۬لرُّءْي۪ا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ اَ۬لْمَسْجِدَ اَ۬لْحَرَامَ إِن شَآءَ اَ۬للَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحاٗ قَرِيباًۖ}[الفتح: 27]. مع أن المسلمين لو قاتلوا أعداءهم في مثل هذا الوقت لظفروا بهم وقد بايعوا رسول الله على المناجزة. ولكن كف الله أيدي المسلمين عن قريش، وكف أيدي قريش عن المسلمين كيلا تنتهك حرمات البيت الذي أراد الله أن يكون حرما آمنا. قال تعالى: {وَهُوَ اَ۬لذِے كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعْدِ أَنَ اَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْۖ وَكَانَ اَ۬للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراًۖ} [الفتح: 24].  فحبس الله رسوله فانحبس لأنه قال عن القصواء حبسها حابس الفيل وهو الله رغم أنه على حق، ورغم أن قريشا على الباطل إذ هم أهل وثنية، لأن الله أراد أن يعطي لهم فرصة ليسلم منهم من أسلم وتعظيما لبيته.

 فيستفاد من هذا أن السلم هو الأصل، وكان فيما قبل حبس الفيل فلم ينحبس أبراها فكانت عاقبة أمره أن أرسل الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل رغم أنهم أهل دين لما ينسخ. فليس مجرد أن الانسان على حق أنه يعلن الحرب وأن الله ينصره، بل يختار طرق السلام حتى تنسد في وجهه، فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه أي غزواته “يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف”[7]. فالإسلام دين الحوار ودين السلام.

ü الثانية:

إظهار تعظيم القائد أمام العدو والوفود الأجنبية لينقل الملاحظ والجاسوس ذلك، حتى لا يطمعوا في تصدع الصف، فعروة بن مسعود جاء وهو يظن أن من التفوا حول رسول الله أخلاط يمكن أن يسلموه نظرا لأنهم لا تربطهم رابطة الدم وأنهم لا يقوونا على قريش التي تجمعها عصبيتها وحميتها، ولم يدر أن ما يجمع المسلين يعتبر أقوى رابطة، فلهذا لما رأى تعظيم المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم تغيرت قناعته فقال لما رجع وقد رأى ما يَصْنَعُ بالرسول صلى الله عليه وسلم أصحابُه: والله يا معشر قريش جئت كسرى في ملكه وقيصر في عظمته، فما رأيت ملكا في قومه مثل محمد  في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا، فانظروا رأيكم، فإنه عرض عليكم رشدا فاقبلوا ما عرض عليكم، فإني لكم ناصح، مع أني أخاف ألا تنصروا عليه.

وعروة بن مسعود هذا له منزلته وشهرته في أوساطهم، حتى قال أكثر المفسرين المراد بالآية: {وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا اَ۬لْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ اَ۬لْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍۖ} [الزخرف: 30]، الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود، لذلك كان لكلامه وقع في نفوسهم …” فلما سمعوا مقالته أرسلوا إليه سهيل بن عمرو ومكرز[8] بن حفص فقالوا: “انطلقوا إلى محمد فإن أعطاكم ما ذكر عروة فقاضياه”.

وقال ابن حجر عن عروة بن مسعود: “وكانت له اليد الطولى في تقرير الصلح”، ولهذا رضخوا للهدنة مع ما يحفظ سمعتهم حسب زعمهم وقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح لما تقدم من كف الله أيدي الفريقين عن بعضهما، قال تعالى: {وَهُوَ اَ۬لذِے كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعْدِ أَنَ اَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْۖ وَكَانَ اَ۬للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراًۖ} [الفتح: 24].

وخلاصة القول السادة الأئمة الكرام أن الإسلام دين السلام والسلم، ودين يعظم حرمات الله، ودين يجمع كلمة أعراق مختلفة. جمع الله شملنا تحت القايادة الرشيدة لأمير المؤمنين محمد السادس وجعلنا من المتمسكين بالإسلام والسلم والسلام، آمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. 


[1] نور اليقين في سيرة سيد المرسلين 166.

[2] عسفان بالضم وسكون السين المهملة ثم فاء ثم ألف ونون قرية جامعة بها منبر وهي بين مكة والمدينة على مرحلتين من مكة

[3] المُرَارُ:بالضم، وتكرير الراء، معجم البلدان 5/92.

[4] نور اليقين في سيرة سيد المرسلين167.

[5] نور اليقين 138في سيرة سيد المرسلين

[6] السيرة النبوية لابن هشام 2/309.

[7] صحيح البخاري 4/51 رقم الحديث 2966.

[8] بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء بعدها زاي ابن الأخيف بخاء معجمة فتحتية ففاء وهو من بني عامر بن لؤيالقسطلاني 4/448.