ميثاق العلماء
أصول الفقه وقواعده -المحكوم عليه-
ذ. محمد مصلح
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.
وبعد، فسأتناول الحديث إن شاء الله في هذه الحلقة عن المحكوم فيه والمراد به الإنسان المكلف الذي يتعلق خطاب الله تعالى بفعله، وقد سبق في الحلقات السابقة أن خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلف وهو الحكم الشرعي وأنه ينقسم إلى قسمين: حكم تكليفي ويتنوع إلى أنواع وهي الواجب، والمكروه، والحرام، والمندوب، والمباح، وحكم وضعي ويندرج فيه السبب، والشرط، والمانع، والصحة والفساد، والرخصة، والعزيمة، وقد سبق الحديث عن ذلك مفصلا في الحلقات السابقة.
أما المحكوم عليه الذي أتحدث عنه في هذه الحلقة فهو الإنسان الحي العاقل، ويشترط فيه ليكون مكلفا شرعا شرطان:
الشرط الأول: أن يكون قادرا على فهم الخطاب الشرعي وفهم دليل التكليف وذلك بأن يفهم ذلك بنفسه إن كان عالما بالوسائل التي تمكنه من الفهم الصحيح، أو بواسطة غيره إذا كان غير قادر بنفسه على فهم دليل التكليف.
والقدرة على الفهم والإدراك تكون بالعقل لذلك اتفق الأصوليون والفقهاء على أن مناط التكليف أو شرطه هو العقل، يقول ابن عاشر في المرشد المعين: “وكل تكليف بشرط العقل…” لكن العقل أمر خفي يصعب التحقق من وجوده واكتماله في الإنسان بدون أمارات وعلامات تدل على وجوده واكتماله.
لذلك ربط الشرع وجوده بالبلوغ، وهو أمر ظاهر منضبط يدرك بالحس، والبلوغ له علامات يعرف بها وأهمها الاحتلام، أي نزول المني في اليقظة أو المنام، وهي علامات مشتركة بين الذكور والإناث، والحيض والحمل بالنسبة للإناث فاذا لم تظهر هذه العلامات أو تأخر ظهورها فيحصل البلوغ بإتمام خمس عشرة سنة قمرية.
فمن ظهر عليه علامة من علامات البلوغ أو أتم خمس عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة على القول المشهور في المذهب المالكي ولم يظهر عليه خلل في قواه العقلية صار مكلفا يؤاخذ على أفعاله وتصرفاته يثاب على الطاعة ويعاقب على المعصية. وعليه فإن الصغير غير البالغ والمجنون الفاقد للعقل والنائم غير مكلفين، إذ ليس في استطاعتهم فهم خطاب الشرع في هذه الحالات.
جاء في الحديث النبوي الشريف “رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل” رواه أبو داوود والترمذي عن علي رضي الله عنه.
وقد يقال: إذا كان الصبي والمجنون غير مكلفين فلماذا أوجب الشرع الزكاة في مالهما، وألزمهما بالتعويض إذا أتلفا شيئا من مال غيرهما، والجواب عن ذلك أن هذه الواجبات غير متعلقة بفعل الصبي والمجنون وإنما تعلقت بمالهما فهي من خطاب الوضع الذي تترتب فيه مسببات على أسبابها، ثم إن المخاطب بأداء هذه الواجبات أي الزكاة وتعويض المتلفات هو ولي الصبي والمجنون الذي يشرف على تدبير أمورهما.
الشرط الثاني للتكليف: أن يكون المكلف أهلا للتكليف أي صالحا لأن يتحمل مقتضيات التكليف أي صالحا لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات.
وقد قسم الأصوليون أهلية الانسان للتكليف إلى قسمين:
هما: أهلية الوجوب وأهلية الأداء وكل منهما ينقسم إلى قسمين: فأهلية الوجوب تنقسم إلى أهلية الوجوب الكاملة وأهلية الوجوب الناقصة. فتصير أقسام الأهلية أربعة:
أولا أهلية الوجوب الناقصة:
وهي صلاحية الإنسان لان تثبت له بعض الحقوق ولا تجب عليه أي واجبات، وهي خاصة بالجنين في بطن أمه، فالجنين تثبت له بعض الحقوق التي يستفيد منها بعد ولادته حيا ولا يجب عليه شيء ومن الواجبات التي تثبت له بموجب هذه الأهلية.
1-حقه في ثبوت النسب من أبيه، إذا كان الحمل ناشئا عن عقد النكاح ولم ينفه أبوه باللعان.
2-حقه في الإرث: فإذا توفي أبوه مثلا فإنه يرثه بالتعصيب ولكن نصيبه في الميراث لا يعطى له حتى يولد وتتحقق حياته بعد ولادته، وقد ذهب جمهور الفقهاء غير المالكية إلى أن نصيب الجنين في الميراث يحتفظ له به على تقدير أنه ولد ذكر ويأخذ بقية الورثة ما يستحقون وإذا تبين أنه أنثى بعد الولادة فإنها تأخذ نصيبها والباقي يقسم على الورثة على قدر أنصبتهم، وذهب المالكية إلى أن وجود الجنين ضمن الورثة يوجب توقيف التركة كلها لا تقسم حتى يولد، قال الشيخ خليل في المختصر “ووقف القسم للحمل” أي وقف قسم التركة إلى أن يوضع الحمل ويعلم هل ولد حيا أو ميتا وهل هو ذكر أو أنثى.
3-حقه في الوصية: فإذا وصى شخص للجنين بوصية فإنها تثبت له ويستحقها بعد ولادته حيا مثل الميراث، بشرط أن لا يكون إرثا إذ لا وصية لوارث.
ثانيا: أهلية الوجوب الكاملة:
وهي صلاحية الإنسان لأن تثبت له الحقوق المشروعة وتجب عليه الواجبات، أو صلاحيته لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه. وهذه الأهلية الكاملة تثبت للإنسان منذ ولادته حيا سواء كان ذكرا أو أنثى عاقلا أو مجنونا رشيدا أو سفيها. ولا تفارقه في أي مرحلة من مراحل عمره إلى أن يفارق الحياة بل ذهب الفقهاء الحنفية إلى أن هذه الأهلية أي أهلية الوجوب الكاملة تبقى للإنسان حتى بعد وفاته إلى أن تصفى تركته وتنفذ الحقوق المتعلقة بها، وإذا كانت هذه الأهلية أهلية الوجوب تثبت للإنسان في جميع أطوار حياته فإنه في بعض الأطوار تثبت له هذه الأهلية فقط وفي بعضها تنضاف إليها أهليه أخرى تسمى أهلية الأداء التي سيأتي الحديث عنها.
فالإنسان في طور الحمل تثبت له أهليه الوجوب فقط وهي أهلية الوجوب الناقصة كما ذكرت. وفي طور الصبا الممتد من الولادة إلى مرحلة التمييز تثبت له أهلية الوجوب الكاملة، وبما أن طور الحمل سبق الحديث عنها فسأنتقل مباشرة إلى الحديث عن طور الصبا.
2-طور الصبا: وهو يبدأ كما ذكرت من ولادة الإنسان حيا إلى أن يبلغ مرحلة التمييز، وبما أن التمييز يصعب ضبطه لأنه أمر خفي في الإنسان فإن الشرع قد وضع له علامة منضبطة ظاهرة يعرف بها وهي بلوغ الصبي السنة السابعة من عمره.
فالصبي خلال هذا الطور الممتد من الولادة إلى السنة السابعة تثبت له أهلية الوجوب الكاملة التي بها يكون صالحا لأن تثبت له الحقوق المشروعة وتجب عليه الواجبات، لكنه لا يمارس هذه الحقوق والواجبات بنفسه بل ينوب عنه وليه، فيما يقبل النيابة، أقول فيما يقبل النيابة لأن الواجبات التي لا تقبل النيابة مثل الصلاة والصيام فإنها لا تجب على الصبي ولا ينوب عنه وليه فيها، أما العقوبات فإن كانت بدنية مثل الحدود فلا تجب عليه ولا ينوب عنه وليه، وإن كانت مالية مثل التعويض الذي ينشأ عن الاعتداء على مال الغير فإنه يجب عليه في ماله وينوب عنه وليه في أدائها، أما التصرفات المالية مثل البيع والشراء فلا يمارسها بنفسه أيضا بل ينهض بها وليه نيابة عنه.
3-طور التمييز: وهو يبدأ من بلوغ الطفل سن السابعة إلى أن يصير بالغا، ومدة هذا الطور تتراوح ما بين ثماني سنوات وعشر سنوات حسب ظهور علامات البلوغ.
والطفل في مرحلة التمييز تثبت له أهلية الوجوب الكاملة لأنها لازمة للإنسان في جميع مراحل حياته كما ذكرت، وتثبت له معها أهلية الأداء لكنها تكون ناقصة لأنه لم يصل بعد إلى مرحلة البلوغ والعقل.
ومعنى أهلية الأداء: صلاحية الانسان المكلف لأن تعتبر أقواله وأفعاله شرعا بحيث إذا صدر عنه فعل أو قول أو تصرف اعتبر شرعا وترتبت عليه آثاره وأحكامه، هذه هي أهلية الأداء الكاملة أما أهليه الأداء الناقصة فهي صلاحية الانسان بأن تعتبر بعض تصرفاته دون غيرها والتي تثبت له أهليه الأداء الناقصة هو الطفل المميز وتستمر إلى أن يبلغ عاقلا كما ذكرت.
ففي هذا الطور طور التمييز إذا تصرف الطفل تصرفا نافعا له نفعا محضا مثل قبول التبرعات فإن تصرفه صحيح ولا يحتاج إلى إذن وليه.
وإذا تصرف تصرفا ضارا له ضررا محضا كأن يتبرع بشيء من ماله فإنه غير صحيح ولو بإذن وليه، واختلفوا في وصيته فمنعها بعضهم لأن فيها إخراجا لبعض ماله دون عوض فهو ضرر له، وأجازها آخرون باعتبار أن الوصية تخرج من ماله بعد وفاته فلا يلحقه بها ضرر، وهو مذهب المالكية.
أما تصرفاته الدائرة بين النفع الضرر وهي التي تحتمل الربح والخسارة مثل البيع والشراء والإجارة والنكاح فإنها تنعقد صحيحة، لكن تنفيذها متوقف على إذن الولي، فإن أجازها وليه نفذت وإن منعها بطلت.
هذا ما يتعلق بطوري الصبا والتمييز وسيأتي الحديث بعدهما إن شاء الله عن طور البلوغ والعقل وعن عوارض الأهلية في الحلقة المقبلة بحول الله تعالى.
إلى ذلكم الحين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
