
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة ليوم 8 ربيع الأول 1448هـ الموافق لـ 21/8/2026م
«اَلِاحْتِفَالُ بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ: اَلْمَقَاصِدُ وَالْغَايَاتُ»
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أنزل علينا خير كتبه، وأرسل إلينا خير رسله، نحمده تعالى على نعمة الإيمان والإسلام، ونشكره جل وعلا على جميل الإحسان ودوام الإنعام، ونشهد أن لا إله إلا الله ذو الجلال والإكرام، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، مسك ختام النبوات، وبشرى النبيئين في الرسالات، كما قال الحق جل جلاله:
﴿وَإِذَ اَخَذَ اَ۬للَّهُ مِيثَٰقَ اَ۬لنَّبِيٓـِٕۧنَ لَمَآ ءَاتَيْنَٰكُم مِّن كِتَٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُومِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۖ﴾[1].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، وَخَاتمُ النَّبِيِّينَ، وَأَبِي مُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ؛ دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي آمِنَةَ الَّتِي رَأَتْ… اَلْحَدِيثَ»[2].
بُشْرَى لَنَا مَعْشَرَ الْإِسْلَامِ إِنَّ لَنَا *** مِنَ الْعِنَايَةِ رُكْنًا غَيْرَ مُنْهَدِمِ
لَـمَّا دَعَا اللَّهُ دَاعِينَا لِطَاعَتِهِ *** بِأَكْرَمِ الرُّسْلِ كُنَّا أَكْرَمَ الْأُمَمِ.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد معلوماتك ومداد كلماتك وزنة عرشك ورضى نفسك، وعلى آله الكرام البررة من آل البيت الشرفاء، وعلى صحابته الأخيار أهل الصدق والوفاء. وعلى التابعين لهم وكل من سبق له عند الله الاصطفاء.
أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات-؛ فيقول الله تعالى في كتابه العزيز:
﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّبِےٓءُ اِ۪نَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً اِلَي اَ۬للَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾[3].
عباد الله؛ في هذه الآية الكريمة خص الله تعالى نبيه بنداء النبوة، واصطفاه بشرف الرسالة، ونعته بصدق الشهادة، وميز دعوته بالبشارة والنذارة، وحدد مسؤوليته في الدعوة إلى الله تعالى بإذن منه سبحانه، ووصف طلعته على الدنيا كلها بالسراج المنير الذي أضاء ما بين المشرق والمغرب، لعموم رسالته، فمن استمسك بهديه اهتدى، كما قال الحق جل وعلا:
﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾[4]،
ومن زاغ عن طريقه فقد غوى واعتدى ولا يضر إلا نفسه ولا يضر أحدا.
معاشر المؤمنين؛ في إطار الرسالة الملكية السامية إلى العلماء بمناسبة الاحتفاء بمرور خمسة عشر قرنا على ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، واستمدادا من خطة تسديد التبليغ التي تتغيى تقويم سلوك المسلم ليكون على المنهج الصحيح والتدين السليم، تأتي مناسبة المولد النبوي الشريف باعتبارها دعوة إلى تحقيق ما رسمته الرسالة الملكية السامية من المقاصد الكبرى، نذكر منها:
- التذكير بواجب الإيمان والمحبة للجناب الشريف، وتذكير الناس وخاصة الشباب بحقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم، من الإيمان به واتباع سنته، ونشر رسالته، والاشتغال بالصلاة والسلام عليه في سائر الأوقات.
- التذكير بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، من دين التوحيد المبني على الإيمان الصادق والعمل الصالح المتجلي في مكارم الأخلاق، فليس الإيمان شعورا منحصرا في النفس فحسب، أو جملا تردد على اللسان، ولكن الإيمان اعتقاد بالجنان، والنطق باللسان، والعمل بالأركان.
- أن التوحيد الحق هو المحرر للعبد من هواه وأنانيته، والحامل على اتباع سبيل الحق امتثالا لأمر الله تعالى واجتنابا لنهيه، ذلك هو لب مقصد القرآن، وهو ما بيَّنَته السيرة النبوية غاية البيان. قال تعالى:
﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ اَ۬لذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَۖ﴾[5].
- القيام بشكر الله تعالى على نعمة وراثة النبوة من خلال النسب الشريف لإمارة المؤمنين القائمة بأداء أمانات الرسول صلى الله عليه وسلم، قرآنا وسنة وسيرة عطرة، والجهود التي تبذل في حفظها وصيانتها عبر تاريخ الأمة. وإسهام المغاربة في ذلك ملوكا وشعبا عبر التاريخ.
- تنزيل السيرة النبوية في حياة الناس، بأسلوب سهل حتى يدرك الشباب على الخصوص هذه النعمة ويقدرونها حق قدرها، في التشبث بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، الذي
«كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ»[6].
- تعميم هذا الخير في الناس، عبر المحاضرات والدروس، وإقامة مجالس للتعريف بالشمائل المحمدية وللذكر والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في كل الفضاءات والأماكن المتاحة؛ وبكل الطرق والسبل الممكنة.
عباد الله؛ هذه بعض المقاصد من الاحتفال بالمولد النبوي الشـريف التي لا يتسع لها الوقت، وإلا فالمقاصد من دراسة سيرة الحبيب المصطفى، والتملي بشمائله، والتخلق بأخلاقه يفنى الزمان ولا ينتهي لنهايتها.
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، وفي حديث سيد الأولين والآخرين، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله؛ إن من غايات الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وتخصيص هذه الأوقات والأزمان والأعمار للوقوف على هذا التشريف للجناب النبوي المنيف:
- أولا: تعريف الناس بنبيهم صلى الله عليه وسلم، وبيان ما له من الحقوق، وما دل عليه من الدلائل، وما تحلى به من الشمائل حتى يُحبُّوه؛ إذ ليس من طبيعة الإنسان أن يُحب المجهول، فلو عرفوه لأحبوه.
- ثانيا: الاقتداء والاقتباس من سيرته العطرة، فهو، ﷺ، القدوة والأسوة الحسنة للناس، يقول الله تعالى:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِے رَسُولِ اِ۬للَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ا۬للَّهَ وَالْيَوْمَ اَ۬لَاخِرَ وَذَكَرَ اَ۬للَّهَ كَثِيراًۖ﴾[7].
- ثالثا: محاسبة النفس على الاتباع، كما وردت في ذلك آيات وأحاديث من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُواْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى»[8].
فقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أسباب الفوز برضوان الله والجنة في طاعته واتباع سنته.
تلكم -معاشر المؤمنين- بعض المقاصد والغايات من الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي حرص مولانا أمير المؤمنين من خلال رسالته السامية، على تنزيلها في حياة الناس عبادة ومعاملة وأخلاقا وسلوكا.
ألا فاتقوا الله تعالى، واشكروه على نعمه يزدكم، وتوبوا إليه واستغفروه، واستمسكوا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، واتبعوه، وأكثروا من الصلاة والسلام عليه، تفوزوا بخير الدارين.
فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن خلفائه الراشدين المهديين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من الأنصار والمهاجرين وعن التابعين وتابعيهم إلى يوم الدين.
وانصر اللهم بنصرك المبين وتأييدك المتين، من اصطفيته لخلافة نبيك في أداء الأمانات، مولانا أمير المومنين جلالة الملك محمدا السادس، اللهم أسبغ عليه أردية الصحة والعافية، واشمله بألطافك الخفية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.
وتغمد اللهم بواسع رحمتك وكريم إحسانك الملكين المجاهدين مولانا محمدا الخامس ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما وأكرم مثواهما في أعلى عليين.
اللهم اهدنا لهدي نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واسلك بنا طريقه المستقيم حتى نلقاك وأنت راض عنا، واجز اللهم ورثة نبيك وحملة رسالته إلى الناس خير الجزاء على ما يقدمونه للناس من تلاوة القرآن وتزكية النفوس، وتعليم الكتاب والحكمة.
اللهم ارحمنا وارحم والدينا وسائر موتانا وموتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وعاف مبتلانا ومبتلى المسلمين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[1] – آل عمران 80.
[2] – المستدرك 4/445
[3] – الأحزاب 45-46
[4] – النور 52
[5] – سورة النحل 44.
[6] – مسند أحمد 41/148.
[7] – الأحزاب 21.
[8] – صحيح البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب الاقتداء بسنن النبي صلى الله عليه وسلم، 9/92. رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث الشريف: 3927.
