جارٍ تحميل التاريخ...

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

خطبة ليوم 14 غشت 2026م

“ذكرى ثورة الملك والشعب وعيد الشباب المجيدتين”

الخطبة الأولى

الحمد لله الملك الحق المبين، الناصر لأوليائه المؤمنين، نحمده تعالى ونشكره، ونشهد أن لا إله إلا الله، ولي الصالحين، ونشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، إمام الصادقين، صلى الله وسلم عليه في الأولين والآخرين، وعلى آله الأشراف الطيبين، وصحابته الغر الأماجد الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، معاشر المؤمنين والمؤمنات، فيقول الحق جل وعلا في محكم التنزيل:

(يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ اُ۬للَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتَ اَقْدَامَكُمْۖؐ)[1].

عباد الله، من ذكرياتنا الوطنية المجيدة ما نعيشه في هذه الأيام من ذكرى ثورة الملك والشعب، وذكرى عيد الشباب المجيدتين. وتذكير عباده الصالحين بأيام الله مما أمر به القرآن الكريم، وصحت به سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

والكلام عن ثورة الملك والشعب يكون في الجذور والثمرات، أما الجذور، فهي ما أشارت إليه الآية الكريمة: (إِن تَنصُرُواْ اُ۬للَّهَ يَنصُرْكُمْ) التي اتخذها المغاربة ملكا وشعبا، شعارا لهم، به يستفتحون ويتبركون.

ونصرة الله تعالى المشروطة في الآية الكريمة إنما هي نصرة لدينه، ولكتابه ولسنة نبيه، ولعباده المخلصين، ولكل الحرمات التي أوجب الله تعالى حمايتها، وحرم انتهاكها، وتلخيص ذلك فيما يأتي:

  • أولا: أن الله تعالى وعد عباده المؤمنين بالنصر، كما في هذه الآية:

(إِن تَنصُرُواْ اُ۬للَّهَ يَنصُرْكُمْ)[2]

وفي قوله تعالى:

(وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ اُ۬لْمُومِنِينَۖ)[3].

وبهذا تشبث المغاربة يقينا في الله تعالى بإنجاز وعده.

  • ثانيا: الالتحام بالعرش العلوي المجيد، والسير في ركاب السلطان المجاهد مولانا محمد الخامس، وإلى جانبه رفيقه في الكفاح ولي عهده آنذاك مولانا الحسن الثاني، طيب الله ثراهما، وجزاهما عن وطنهما وشعبهما خير ما جزى محسنا عن إحسانه، مع الوفاء لبيعتهما بالسمع والطاعة، والتزام الجماعة في المنشط والمكره، وهي الصخرة التي تكسرت عليها معاول المستعمر، وخيبت ظنونه وأحلامه، فوحدة الكلمة وتوحيد الصف، كما سبق الحديث عنه في خطب سابقة، ليس كلاما يقال، وإنما هو حجر الزاوية في صرح الوطن، والدرع الواقي من أغراض المغرضين. وهذا ملخص معنى ثورة الملك والشعب.
  • ثالثا: عدالة القضية، فالمغاربة في ثورة الملك والشعب يناضلون من أجل حقوقهم المسلوبة، ومن أجل كرامتهم وعزة وطنهم من بين الأوطان، رافضين كل شكل من أشكال المذلة والخنوع.

وأما الثمرات، فالمقصود بها ما تحقق من وعد الله الذي لا يخلف وعده، من الاستقلال، وبناء الوطن، واستكمال وحدته الترابية، وتحديث المؤسسات مسايرة لما استجد في دنيا الحضارة والتقدم العلمي والمعرفي، وإضافة كل ما هو جديد مفيد، مع المحافظة على التليد المجيد.

وما نعيشه اليوم، معاشر المؤمنين، من انتصار وراء انتصار وتقدم في المشاريع المختلفة، والمنجزات الخالدة، من ثمرات جهود الآباء وتضحياتهم، واسترخاصهم للغالي والنفيس من أجلنا، والتحامهم بالعرش العلوي المجيد في النضال من أجل الوطن والمواطن.

وهذا الصرح الشامخ، الذي شاده جلالة الملك محمد السادس في هذا الوطن المبارك، عبر المنجزات العملاقة، وما حققه للإنسان المغربي في المجالات المتعددة، تثمين لجهود المناضلين من أجل الاستقلال، واعتراف لهم بالجميل، والمحافظة على مكتسباتهم الغالية، فحقهم علينا الذكر الحسن، وطلب الرحمة، والخلود في الجنان.

ألا فاتقوا الله، عباد الله، واعرفوا فضله وآلاءه عليكم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.

عباد الله، أما عيد الشباب، فهو مناسبة غالية، لتثمين الجهود المباركة، والتحفيز على الاقتداء، وهي مناسبة نعتز فيها جميعا بمشاركة الأسرة المالكة المجيدة هذه الذكرى التي تؤرخ لميلاد مولانا أمير المومنين كما تؤرخ لما مَنَّ الله تعالى به عليه وعلينا من الفتح المبين والنصر المتين، في عهده الزاهر، إذ كان، حفظه الله، ميمون الطالع، فيسر الله لهذا البلد الأمين بحفظ الله ورعايته، على يديه ما عسر على كثير من الأقطار.

وهذا ما ينبغي أن يحفز المسلم على اغتنام شبابه في خدمة النفس والأمة والوطن، وما حُرِّرَتِ الأوطان، ولا بُنِيَتِ الحضارات، ولا خُلِّدَتِ الأمجاد إلا على أيدي الشباب، كما قال الله تعالى:

(إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ اٰمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَٰهُمْ هُديٗۖ)[4].

مدح الله تعالى أهل الكهف بكونهم فتية قبلوا الإيمان ونصروه، وهاجروا من أجله.

كما حث النبي ﷺ، الشباب على اغتنام فترة الشباب قبل فواتها في اللهو واللعب، ونحن أحوج ما نكون بهذه الوصية النبوية الغالية، في زمن الأنترنت ووسائل التواصل المختلفة التي ملأت على الشباب، بل وعلى الشِّيب، ساعاتِهم وأوقاتَهم، فتضيع الأعمار في التنقل بين المواقع الافتراضية، والمواضع الخيالية دون فائدة لا في الدين ولا في الدنيا، يقول النبي، صلى الله عليه وسلم:

«اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك»[5].

ألا فاتقوا الله عباد الله، واقتدوا بمولانا أمير المومنين في عمارة الأوقات بما ينفع، وسيروا وراءه بالإخلاص والوفاء والعمل الصالح، واملأوا أوقاتكم بالذكر والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،

فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحابة من الأنصار والمهاجرين ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. وعنا معهم بمحض فضلك وكرمك يا رب العالمين.

وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، وأجريت على يديه تيسير وتسيير أمر بلادك، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، نصرا تعز به الدين، وترفع به راية الإسلام والمسلمين، اللهم بارك له في الصحة والعافية، وأسبِغ عليه ألطافك الخفية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزر جلالته بشقيقه الرشيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.

وارحم اللهم بواسع رحمتك وجميل عفوك وغفرانك الملكين الجليلين مولانا محمد الخامس ومولانا الحسن، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجزهما خير ما جزيت محسنا عن إحسانه، واجعل تضحياتهما وتفانيهما في خدمة الأمة والوطن في ميزان حسناتهما.

اللهم ارحم شهداءنا الأبرار الذين قدموا الغالي والنفيس من أجل حماية دينهم وحراسة وطنهم، والدفاع عن شعبهم، اللهم اجعلنا من المحافظين على ميراثهم، المعترفين بحقهم وفضلهم، الداعين لهم بالرحمة والمغفرة، امتثالا لقوله تعالى:

(وَالذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اَ۪غْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا اَ۬لذِينَ سَبَقُونَا بِالِايمَٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِے قُلُوبِنَا غِلّاٗ لِّلذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌۖ ؐ)[6].

اللهم أدم علينا نعمك، وأزل عنا نقمك، وزدنا من فضلك ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وارحمنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك يا رب العالمين.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

[1] – محمد 8.

[2] – سورة محمد 8.

[3] – سورة الروم 46.

[4] – الكهف 13.

[5] – المستدرك للحاكم 4/441.

[6] – الحشر 10.