جارٍ تحميل التاريخ...

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

خطبة ليوم 23 صفر 1448هـ الموافق لـ 7/8/2026م

««اَلْوَطَنُ وَالْـمُوَاطَنَةُ بَيْنَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ»»

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي جعل القلوب مجبولة على حب الأوطان، وأوجب الدفاع عنها بالمُهَج والنفوس في آي القرآن، نحمده تعالى حمد الشاكرين لنعمائه، المقرين بفضله وآلائه، ونشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، ونشهد أن سيـدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، إمام المتقين، صلى الله وسلم عليه صلاة وسلاما تامين بتمام ملكه، وعـلى آله الطيبين، وصحابته الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد -أيها المؤمنون والمؤمنات-؛ فيقول الحق سبحانه:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ اِ۪جْعَلْ هَٰذَا اَ۬لْبَلَدَ ءَامِناً وَاجْنُبْنِے وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ اَ۬لَاصْنَامَۖ﴾[1].

عباد الله؛ إن الله سبحانه وتعالى جعل حب الوطن من الإيمان، وجعل الشعور بالانتماء مَحلّ عِزٍّ وَافتخار للإنسان، فترتب عن ذلك حقوق وواجبات متبادلة بين الوطن والمواطن، من المحبة والحماية والدفاع والوفاء والصدق في تحمل المسؤولية والإتقان في العمل وغيرها.

والوطن هو: البقعة الجغرافية التي جعلها الله تعالى بلد الإنسان، فاستوطنها بالأصالة، أو انتقل إليها لسبب من الأسباب، فكانت موطنه الثاني بشروطه الشرعية والقانونية.

أما المواطنة فهي: الشعور بالانتماء الموجب للاعتزاز والإخلاص، والقيام بما يجب من ممارسة الحقوق والقيام بالواجبات.

فللوطن حقوق على الناس، وللناس حقوق على وطنهم، ويمكن بيان حقوق الوطن وفق ما يلي:

  • أولا: محبة الوطن والدعاء له بالأمن والخير والنماء، وذلك ما استفدناه من قول إبراهيم الخليل عليه السلام:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ اِ۪جْعَلْ هَٰذَا بَلَداً اٰمِناً وَارْزُقَ اَهْلَهُۥ مِنَ اَ۬لثَّمَرَٰتِ مَنَ اٰمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اِ۬لَاخِرِۖ﴾[2].

وقوله جل وعلا:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ اِ۪جْعَلْ هَٰذَا اَ۬لْبَلَدَ ءَامِناً وَاجْنُبْنِے وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ اَ۬لَاصْنَامَۖ﴾[3].

فقد دعا عليه السلام لمكة بِأَمْنَين: الأمن من العدو الخارجي، والأمن الغذائي بالبركة في الرزق.

وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يقول، وهو على مشارف مكة:

«وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ»[4].

كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم، لوطنه الثاني المدينة المنورة، إذ يقول:

«اَللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْـمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اَللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ»[5].

في هذا الحديث صرح النبي صلى الله عليه وسلم بحب مكة والمدينة، ودعا بالبركة في الأرزاق المعبر عنها بالمد والصاع، وبالصحة العامة للوطن، وبنقل حُمَّاها إلى مكان لا يتضـرر منها أحد، فصحة الوطن أساس لقيام أفراده بعبودية الله وتوحيده.

  • ثانيا: المحافظة على أمنه واستقراره، بالدفاع عنه، وبذل الغالي والنفيس من أجله، لقول الله تعالى:

﴿وَعَدَ اَ۬للَّهُ ا۬لذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ ا۬لصَّٰلِحَٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِے اِ۬لَارْضِ كَمَا اَ۪سْتَخْلَفَ اَ۬لذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ا۬لذِے اِ۪رْتَض۪ىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمُۥٓ أَمْناًۖ يَعْبُدُونَنِے لَا يُشْرِكُونَ بِے شَيْـٔاًۖ﴾[6].

فقد وعد الله تعالى في هذه الآية عباده المؤمنين العاملين عملا صالحا بالاستخلاف في الأرض، والتمكين، والأمن والاستقرار، بشرط عبادته وتوحيده، وهذا يدل على ما للالتزام بالشرع وعدم الخروج عن الجماعة من الخير والبركة على الوطن والمواطنين، وأن حقوق الوطن مرعية في الشريعة الإسلامية.

ومن المحافظة على الأمن للوطن والمواطنين المحافظة على ثوابتهم الدينية والوطنية، والمحافظة على ثقافتهم وعلى عقولهم وأفكارهم، وعلى اقتصادهم وصحتهم، وجميع ما يتمتعون به، فلا يجوز التشويش على الأمن النفسـي والروحي والفكري للوطن بدعوى حرية التعبير، أو بدعوى التغيير نحو الأفضل، ما لم يكن ذلك وفق ما أجمعت عليه الأمة.

  • ثالثا: من حقوق الوطن الصدق في الولاء، وإتقان العمل الموكول إلى كل واحد منا، واحترام القوانين المنظمة لحياة الناس، العائدة إلى الشريعة وأصولها، وإلى المصالح المرسلة المحققة لمقاصد الشرع في حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

وهناك حقوق أخرى للوطن تندرج ضمن هذه الحقوق الكبرى، وتتفرع عنها، وتنتمي إليها وتخدمها، ولا تقل أهمية ومصلحة عنها.

 ومما يجب استيعابه أننا جميعا مسؤولون عن هذا الوطن الغالي، وعن خيراته، وعن دينه وأمته، كل في موقعه، وعلى مستوى مسؤوليته، وفي أي ثغر من ثغور الوطن، المادية والمعنوية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

: «كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثُغْرَةٍ مِنْ ثُغَرِ الْإِسْلَامِ، اَللَّهَ اللَّهَ لَا يُؤْتَى الْإِسْلَامُ مِنْ قِبَلِكَ»[7].

نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم، وإليه ترجعون، والصلاة والسلام على نبي الهدى ومصباح الدجى سيدنا محمد وعلى آله أولي التقى والرشاد، وصحابته أهل الفضل والسداد، وعلى التابعين لهم إلى يوم المعاد.

عباد الله؛ في مقابل حقوق الوطن هناك حقوق المواطن التي تنشأ عن قيامه بالواجب مباشرة نذكر منها اختصارا:

  • أولا: حقه في الانتماء لوطنه الثابت بالشـرع وبالقوانين المنظمة للحياة، فلا يجوز لأحد أن يسلُب منه هذا الحق ما لم يُخِلّ هو بالواجبات الضرورية لاستحقاقه.
  • ثانيا: حقه في المحافظة على أمنه وحماية دينه وعرضه وأسرته وماله، فالمؤمن كله حرام دمه وماله وعرضه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
  • ثالثا: المساواة في الحقوق والواجبات بين كل أفراد المجتمع، وأول من سن هذه المساواة الرسول صلى الله عليه وسلم، في قوله:

«إِنَّمَا النَّاسُ سَوَاءٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ، وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَةِ»[8].

فلا فضل لأحد على الآخر إلا بالتقوى وبما يقدمه من النفع والخير لنفسه ولوطنه.

  • رابعا: الحق في التعليم والصحة، مما يوجب على أولي الأمر والعلماء تعليم الناس ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وما يحافظ على صحتهم الجسمية والعقلية والنفسية، فالصحة الاجتماعية مسؤولية الجميع.

وهناك حقوق أخرى متفرعة عن هذه، يطول الكلام بسردها، مما يحتم على المسلم أن يكون مواطنا صالحا حيثما حل وارتحل، ومسؤولا عن جميع تصرفاته العائدة عليه أولا قبل غيره بالفائدة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»[9].

هذا ومسك ختام الكلام، أفضل الصلاة وأزكى السلام، على سيدنا محمد، فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون.

وارض اللهم عن خلفائه الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من الأنصار والمهاجرين، ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.

وانصـر اللهم بنصـرك المبين، وتأييدك المتين، من وليته أمر عبادك، وجعلته ظلا وارفا على بلادك، مولانا أمير المومنين، جلالة الملك محمـدا السادس، اللهم احفظه بالسبع المثاني والقرآن العظيـم، وبارك له في الصحة والعافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب، صاحب السمــــو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، مشــدود الأزر بشقيقه السعيــد، الأمير الجليل مــــولاي رشيد، وببــاقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.

وتغمد اللهم بواسع رحمتك وعظيم جودك وإحسانك الملكين الجليلين مولانا محمدا الخامس ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك.

اللهم أمِّن أوطاننا، ورخص أسعارنا، وبارك لنا في أرزاقنا، واحفظ علينا أمننا وصحتنا، واجعلنا من الشاكرين لنعمك التي لا تعد ولا تحصى.

وارحم اللهم آباءنا وأمهاتنا وسائر موتانا وموتى المسلمين. واشف مرضانا ومرضى المسلمين. واغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

[1] – إبراهيم 37.

[2] – البقرة 125.

[3] – إبراهيم 37.

[4] – صحيح ابن حبان    التقاسيم والأنواع ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ مَكَّةَ خَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّهَا إِلَى اللهِ 1/267 رقم: 274

[5] – صحيح البخاري أبواب فضائل المدينة باب كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة، 3/23.

[6] – النور 53.

[7] – السنة للمروزي 1/13.

[8] – أمثال الحديث لأبي الشيخ ص:203

[9] – صحيح البخاري كتاب الإيمان باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، 1/12.