
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة الجمة ليوم: 16 صفر 1448هـ الموافق لـ 31 /07 / 2026م
«خطبة عيد العرش العلوي المجيد»
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل مناسبات شكره على العباد تتوالى، وجعل رايات العز والكرامة لأوليائه في العلياء تتعالى، نحمده سبحانه ونشكره، ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وناصر المؤمنين، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المجتبى، القائل صلى الله عليه وسلم:
«بَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ»[1].
صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد -معاشر المؤمنين والمؤمنات-؛ فيقول الله تعالى في محكم الآيات:
﴿وَذَكِّرْهُم بِأَييَّٰمِ اِ۬للَّهِۖ إِنَّ فِے ذَٰلِكَ ءَلَآيَٰتٍ لِّكُلِّ صَبّ۪ارٍ شَكُورٍۖ﴾[2].
عباد الله؛ إن من أيامنا الخالدة ومناسباتنا الغالية، مناسبةَ عيد العرش العلوي المجيد، التي نخلدها ونخلد أمجادها في هذه الأيام، والتي تحمل في طياتها معانيَ ودلالات توجب شكر الله تعالى، كما توجب الوفاء بمقتضاها على الدوام، فهي مناسبة تجديد الولاء والاعتزاز بجديد المنجزات، ونجمل الكلام فيها كما يلي:
- أولا: هذه المناسبة ترتبط ارتباطا وثيقا بما تناولته الخطب الماضية من المحافظة على الجماعة، ووجوب السمع والطاعة والوفاء والإخلاص لمولانا أمير المؤمنين، كما تؤكد وتجدد البيعة الشرعية المنعقدة في أعناقنا، مما يعزز الحفاظ على موجبات الإمامة العظمى القائمة على العقد الشرعي الرابط بين الإمام والأمة اتباعا لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، القولية و الفعلية والتقريرية، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
«وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ: بِالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْجَمَاعَةِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى يُرَاجِعَ، وَمَنْ دَعَا دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ -والمراد بها دعوة التفرقة والفتنة-، فَإِنَّهُ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ، وَلَكِنْ تَسَمَّوْاْ بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمْ عِبَادَ اللَّهِ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ»[3].
- ثانيا: أن لهذه المناسبة الغالية دلالة عميقة، وهي ارتباطها كذلك بموقف مشرف للمغاربة تجاه إمامهم وسلطانهم يوم كانت الأطماع الخارجية تحاول النيل من وحدة المغاربة والتحامهم برمز وحدتهم وتاج رؤوسهم العرش العلوي المجيد، عبر البحث عن الأسباب الإثنية والجهوية واللغوية للتفرقة بين أبناء الشعب الواحد، فكان الجواب واقعا شاهدا، واحتفالا دائما للمغاربة بمناسبة اعتلاء السلطان المجاهد مولانا محمد الخامس رحمه الله عرش أسلافه المنعمين، فصارت تلك المناسبة عيدا وطنيا للمغرب والمغاربة، واتخذت هذه المناسبة شكل نضال مستمر يبرز مدى التحام العرش العلوي والشعب المغربي الوفي، وكان من نتائجه الكبرى ثورة الملك والشعب، واستقلال المملكة المغربية، بفضل الله تعالى، ثم بفضل وحدة الصف وتوحيد الكلمة التي ترمز إليها هذه المناسبة الغالية.
- ثالثا: أن من ثمار هذه المناسبة الوطنية المجيدة تجديدَ العهد والوفاء، استنانا بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يجدد مع الصحابة الكرام العهد؛ لتقوية العزائم ولاغتنام الفرص بالنسبة لمن لم يحصل له شرف البيعة من قبل كما فعل صلى الله عليه وسلم، في بيعة العقبة الأولى والثانية، وفي بدر وأُحُد وصُلح الحديبية وغيرها، من المواقف التي جدد فيها العهد مع الأمة لتطمينها بأنه معهم على العهد والميثاق.
ألا فاتقوا الله -عباد الله-، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله ذي الطول والإنعام، والصلاة والسلام على شفيع الأنام، ومصباح الظلام، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام.
أيها المؤمنون والمؤمنات؛ إن من أجل النعم بعد الإيمان بالله تعالى، التي جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيقها، وجعلتها من لباب مقاصدها نِعمةَ الأمن والاستقرار، ولا يكون ذلك متوفرا بدون المحافظة على أسسها وقواعدها التي تنبني عليها، وأهمها وحدة الكلمة والسير في ركاب قائد الأمة، كما أوصى بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحاديث، ويكفينا منهج النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته العطرة المليئة بالمواقف الداعية إلى توحيد الكلمة، عن طريق الشورى والأخذ بمشورة الرجال والنساء على السواء، وإزالة أسباب الفرقة المادية والمعنوية.
وقد جسدت مناسبةُ عيد العرش المجيد المُحافَظَةَ على وحدة المغاربة وتماسكهم، واتخذت هذه المحافظة أشكالا من البناء والتشييد، في عهد مولانا أمير المؤمنين، جلالة الملك محمدٍ السادس نصره الله وأيده، حيث يتم البناء على الماضي التليد، انطلاقا من الحاضر المجيد، نحو مستقبل زاهر مشرق سعيد، عبر المشاريع العملاقة، والمنجزات الكبرى في جميع المستويات بمختلف الأصعدة، الأمنية والمعرفية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وتتعاظم في كل سنة منجزات العرش العلوي المجيد، وآخرها اكتساب اتساع دائرة الاعتراف العالمي بوحدتنا الترابية.
وهذا كله -معاشر المؤمنين- يوجب علينا المحافظة على المكتسبات بشكر الله تعالى أولا، ثم بالاستمساك بإيماننا والالتزام بوحدتنا، والسير في ركاب مولانا أمير المؤمنين في المنشط والمكره، وبالدعاء له بالتوفيق والنصر والتمكين، ومحبته الواجبة بنص الكتاب والسنة، قال الله تعالى:
﴿قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً اِلَّا اَ۬لْمَوَدَّةَ فِے اِ۬لْقُرْب۪يٰۖ﴾[4]
. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ»[5].
هذا؛ ومسك الختام، أفضل الصلاة وأزكى السلام، على ملاذ الورى في الموقف العظيم. فاللهم صل وسلم وبارك وأنعم على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت وباركت وأنعمت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من المهاجرين والأنصار وتابعيهم، وعنا معهم بمحض فضلك ومنِّك يا رب العالمين.
وانصر اللهم من وليته أمر عبادك وأوجبت طاعته في كتابك وفي سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمدا السادس نصرا تعز به الدين وترفع به شأن الإسلام والمسلمين، اللهم بارك له في خطواته، وأتمم عليه كل مراميه ومقاصده وغاياته، واجعل مفاتيح الخير على يديه في أفعاله وأقواله وتوجيهاته، وبارك اللهم له في الصحة والعافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب، صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، مشدود الأزر بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.
وتغمد اللهم برحمتك الواسعة، وسابغ عفوك ورضوانك الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في أعلى عليين، مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
اللهم أدم علينا نعمة الأمن والاستقرار، وزدنا في عهد مولانا أمير المؤمنين مزيدا من الرقي والازدهار، واجعلنا شامة في الناس بخلق المحبة والإيثار.
اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا يا رب العالمين.
ربنا اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وسائر موتانا وموتى المسلمين، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين
والحمد لله رب العالمين.
[1] – دلائل النبوة 2/443.
[2] – إبراهيم 7.
[3] – سنن الترمذي، أبواب الأمثال عن رسول الله r باب مثل الصلاة والصيام 5/148، وجامع معمر بن راشد، باب لزوم الجماعة 11/340.
[4] – الشورى 21.
[5] – صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب خيار الأئمة 3/1481. رقم الحديث بالمنصة 3142.
