جارٍ تحميل التاريخ...

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

خطبة الجمعة ليوم 09 صفر 1448هـ الموافق لـ 24/07/2026م

«اَلْبَيْعَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَدَوْرُهَا فِي جَمْعِ الْكَلِمَةِ»

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي جعل عقد البيعة من جلائل العقود، الضامنة لوحدة الكلمة في جميع الشؤون والقصود، والملزمة بالوفاء في سائر العهود، نحمده سبحانه وتعالى ونشكره، ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، خاتمُ الأنبياء والمرسلين، والأسوةُ الحسنة في تدبير شأن الدنيا والدين، صلى الله وسلم عليه في الأولين والآخرين، وعلى آله الطيبين البررة، وصحابته الناصحين الخيرة، وعلى التابعين لهم في جمع الكلمة وتوحيد الصف وتأليف القلوب إلى يوم الدين.

أما بعد -أيها الإخوة المؤمنون والأخوات المؤمنات-؛

فيقول الله تعالى في محكم الآيات:

﴿اِنَّ اَ۬لذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اَ۬للَّهَ يَدُ ا۬للَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ وَمَنَ اَوْف۪ىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيْهِ اِ۬للَّهَ فَسَنُوتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾[1].

عباد الله؛ إذا كان الإسلام دين الجماعة، والجماعةُ تنتظم في سلك الإمامة العظمى، الحاميةِ للملة والدين، والقائمة بحراسة الدين وسياسة الدنيا، كما سبق في الخطبتين الماضيتين، فإن البيعة الشرعية الرابطة بين الراعي والرعية هي العقد الشرعي الذي يضمن للناس حفظ دينهم، ووحدةَ كلمتهم، وجمعَ شملهم، وإقامةَ العدل بينهم، ورفعَ الظلم والجور عنهم، وإنصافَ كل ذي حق بالحق، وتأمينَ السبل؛ لتيسير أسباب الرزق، وغيرها من المزايا العظيمة، والفوائد الحميدة.

ولذلك نوه الله عز وجل بشأنها، واعتبر المبايعين للرسول ﷺ مبايعين لله أصالة، ولمن يقوم بالأمر بعده تبعا ونيابة عنه، وأن يد الله فوق أيديهم بالنصـرة والتأييد وتأليف القلوب، كما قال جل شأنه:

﴿هُوَ اَ۬لذِےٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِالْمُومِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِے اِ۬لَارْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اَ۬للَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُۥٓ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[2].

ولأن في طاعة الرسول ﷺ طاعةً لله جل وعلا، كما قال تعالى:

﴿مَنْ يُّطِعِ اِ۬لرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اَ۬للَّهَ﴾[3].

وفي طاعة ولي الأمر طاعة للرسول ﷺ، كما قال النبي ﷺ:

«وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي»[4].

ووعد الحق سبحانه الموفين بالعهد بالأجر العظيم، كما حذر الناكثين والناقضين لعقد البيعة بأن خيانتهم تعود عليهم هم بالوبال والخسـران، كما قال النبي ﷺ:

«مَنْ خَلَعَ يَداً مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»[5].

 أي: مات على حال أهل الجاهلية من حيث افتقادهم للإمام الجامع.

معاشر المؤمنين؛ من خلال هذه النصوص من القرآن والسنة، أدرك المسلمون أهمية البيعة في الإسلام، فبادر الصحابة يبايعون رسول الله ﷺ على الإسلام والسمع والطاعة والنصح لكل مسلم، كما بادروا ببيعة أبي بكر الصديق يوم توفي النبي ﷺ قبل دفنه، حتى لا يبيتوا ليلة واحدة بغير إمام.

وانعقد الإجماع على ذلك، فاعتبرت بيعة الإمام فريضة شرعية، وضرورية دينية ودنيوية واجتماعية؛ لتحقيق مقصود الشارع في أمر الخلافة الذي هو -كما قال ابن خلدون-:

«حَمْلُ الْكَافَّةِ عَلَى مُقْتَضَـى النَّظَرِ الشَّـرْعِيِّ فِي مَصَالِحِهِمُ الْآخْرَوِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ الرَّاجِعَةِ إِلَيْهَا؛ إِذْ أَحْوَالُ الدُّنْيَا تَرْجِعُ كُلُّهَا عِنْدَ الشَّارِعِ إِلَى اعْتِبَارِهَا بِمَصَالِحِ الْآخِرَةِ، فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ خِلَافَةٌ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا بِهِ»[6].

وهكذا؛ ندرك -عباد الله- حق الإدراك ما مَنَّ الله تعالى به علينا، وخصنا به من البيعة الشرعية لأمير المؤمنين، وحامي حمى الملة والدين، المنعقدة للسلطان، والمتجددة عبر الزمان والمكان.

مما يوجب شُكرَ الله تعالى قولا وفعلا وسلوكا، وشُكرَ مَنْ أجرى الله تعالى نعمته على يديه، بالسمع والطاعة ولزوم الجماعة، والإسهام في خدمة المصالح العليا للوطن والأمة، تحقيقا لقوله تعالى:

﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثَ﴾[7].

نفعني الله وإياكم بكتابه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وكل من سار على نهجه من بعده.

معاشر المؤمنين والمؤمنات؛ إن للبيعة الشرعية القائمة على الكتاب والسنة وإجماع الأمة تجلياتٍ جُلَّى، وفوائدَ عظمى، في المملكة المغربية عبر التاريخ، وخاصة في عهد مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمدٍ السادس أعز الله أمره، وخلد في الصالحات ذكره، وقد سبقت الإشارة إلى ما لا تحيط به العبارة، في الخطبة الماضية فيما يخص حراسة الدين.

وأما ما يخص سياسة الدنيا، فمن ذلك ما يلي:

أولا: ممارسة السياسة الحكيمة في تدبير شؤون الأمة المغربية، عبر القوانين المنظمة للحياة القائمة على المصالح المرسلة، المتجددة بتجدد مصالح العباد، المندرجة تحت كليات الشـريعة، وأصول الدين في الحفاظ على الضـروريات الخمس؛ وهي الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

ثانيا: المعاملة الحسنة مع الناس جميعا، دولا وشعوبا، الشأن الذي بوَّأ المملكة المغربية منزلة عالية بين الدول، مما يفرض الاحترام المتبادل والاعتراف بالجميل.

ثالثا: الاجتهادات المطردة الباهرة الموفقة في جميع الأصعدة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والعلمية، والإنسانية، بفضل التعليمات السامية لمولانا أمير المؤمنين، حفظه الله وأعز أمره.

رابعا: المحافظة على الوحدة الترابية للمملكة عبر الدبلوماسية الحكيمة والسياسة الرشيدة، وسلوك سبل الحق والقانون، لنيل الحق بالحق.

ومن أهم ثمار ذلك كله ما توجت به الجهود المباركة لمولانا أمير المؤمنين، والمخلصين من أهل الحل والعقد من شعبه، عبر مختلف مناصبهم ومنازلهم، من الاعتراف العالمي بوحدتنا الترابية.

ومما يدخل في مصالح الوطن المرعية في طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة أمير المؤمنين: احترام البيئة التي نتنفسها، ونعيش بخيراتها، فيجب أن نحافظ على المياه، لقيمتها المشتركة بين الناس ولندرتها؛ بعدم الإسراف والتبذير فيها، ونحافظ على الغابات وأشجارها فهي رئة الأرض التي يتجدد بها هواؤها، فلا يجوز إهدارها بالقطع غير الرشيد وغير القانوني، كما لا يجوز إشعال النار قربها مما يسبب اشتعال النيران، وخصوصا في هذه الأوقات من الحرارة المفرطة. ومع خروج الناس في العطلة الصيفية إلى المنتزهات وأماكن الاستجمام، فيجب على الجميع تحمل المسؤولية ومراقبة تصرفات الأولاد، في الحل والترحال؛ حفاظا على ما مَنَّ الله تعالى به علينا من جمال الطبيعة، وتنوع خيراتها المادية والمعنوية. وهذا من صميم ما جاءت به الشريعة في المحافظة على البيئة التي خلقها الله تعالى للتمتع بها، قال تعالى:

﴿وَلَا تُفْسِدُواْ فِے اِ۬لَارْضِ بَعْدَ إِصْلٰحِهَا﴾[8].

هذا؛ وأكثروا من الصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وإماما للناس في الدنيا والدين، سيدنا محمد خير الخلق أجمعين، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن خلفائه الراشدين المهديين الموفين بعهده من بعده في أمر الدنيا والدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من المهاجرين والأنصار، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمحض فضلك يا رب العالمين.

وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، واسترعيته شأن بلادك، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، نصرا تعز به أولياءك، وتذل به أعداءك، اللهم أتمم عليه نعمتك، وأسبغ عليه أردية الصحة وجميل العافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزر جلالته بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.

وتغمد اللهم بواسع رحمتك، الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في أعلى عليين، مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسنا أولئك رفيقا.

اللهم انصـر سلطاننا وأمِّن أوطاننا، واجمع شملنا، ووحد كلمتنا على الحق، وأدم علينا نعمك، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

اللهم ارحمنا وارحم والدينا، وارحم من سبقنا بالإيمان، وارحم بفضلك جميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

  • [1] . الفتح 10.
  • [2] . الأنفال 63 – 64.
  • [3] . النساء 79.
  • [4] . صحيح البخاري، كتاب الأحكام باب قول الله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) 9/61. رقم الحديث بالمنصة 3114.
  • [5] . صحيح مسلم، كتاب الإمارة باب الأمر بلزوم الجماعة 3/1478. رقم الحديث بالمنصة 3138.
  • [6] . مقدمة ابن خلدون الباب الثالث من الكتاب الأول، الفصل الخامس والعشرون في معنى الخلافة والإمامة، 1/97.
  • [7] . الضحى 11.
  • [8] . الأعراف 55