جارٍ تحميل التاريخ...

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها السادة الأئمة الفضلاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

سعيد بالتواصل معكم مرة أخرى في رحاب آي الذكر الحكيم لنتناول جميعا بعض معاني كلمه وآياته، ونستكشف ما تيسر من أنوار هداياته.

ولقد اخترت لي ولكم اليوم الحديث في موضوع: الوفاء بالعهد من أبرز صفات المتدين الصادق في إيمانه.

انطلاقا من قول الحق سبحانه وتعالى: {أَفَمَنْ يَّعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ اَ۬لْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْم۪ىٰٓۖ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ اُ۬لَالْبَٰبِ اِ۬لذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اِ۬للَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ اَ۬لْمِيثَٰقَ وَالذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اَ۬للَّهُ بِهِۦٓ أَنْ يُّوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ اَ۬لْحِسَابِ وَالذِينَ صَبَرُواْ اُ۪بْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ اُ۬لصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرّاٗ وَعَلَٰنِيَةٗ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ اِ۬لسَّيِّئَةَۖ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى اَ۬لدّ۪ارِۖ} [الرعد: 21-24].

في هذه الآيات الكريمة مجموعة من الهدايات نكتفي ببعضها عن بعض:

الهداية الأولى: سبب النزول

قال بعض المفسرين: إن هذه الآيات نزلت في حمزة بن عبد المطلب وهو الذي استجاب وآمن، وعلم أنما أُنزِل على النبي ﷺ هو الحق، فاستجاب له، وأبي جهل وهو المتصف بالعمى لكونه لا يرى الحق فيما أنزل على الرسول ﷺ، ولم يستجب له. وقيل نزلت في الأنصار، رضي الله عنهم.

وهذه الآيات تفريع وتفصيل للآية السابقة قبلها، من باب التفصيل بعد الإجمال، وهي قوله تعالى: {لِلذِينَ اَ۪سْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ اُ۬لْحُسْن۪ىٰۖ وَالذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُۥ لَوَ اَنَّ لَهُم مَّا فِے اِ۬لَارْضِ جَمِيعاٗ وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَافْتَدَوْاْ بِهِۦٓۖ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمْ سُوٓءُ اُ۬لْحِسَابِۖ} [الرعد: 20].

ثم فصلت الآيات في كل من المستجيبين وغير المستجيبين تفصيلا.

الهداية الثانية: في نفي التساوي بين أهل الكفر وأهل الإيمان

فالهمزة في (أفمن يعلم)، للاستفهام الإنكاري قصدَ نفي التساوي والتشابه بين من آمن بالحق وصدق به، وبين من كفر وجحد ما أنزل من الوحي كالشمس في الوضوح والظهور مما يجعله أعمى لا يبصر شيئا. كما قال البوصيري رحمه الله:

قد تنكر العين ضوء من رمد *** وينكر الفم طعم الماء من سقم[1]

وكلمة (أنما) فيها أن الناسخة، وما الموصولةُ اسمُها، والحق خبرها، ويصح أن تكون أنَّ مكفوفة عن العمل بما الكافة، وأنزل مبني لما لم يسم فاعله، ونائبه الحق. والكل على كلا التقديرين سد مسد مفعولي علم وعلق بأنَّ المصدرية.

وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ اُ۬لَالْبَٰبِ} تأكيد لنفي الشبه بين أهل العلم والعقل وبين أهل الجهل والسفه، والألباب ج لب وهو العقل.

الهداية الثالثة: الوفاء بالعهد أبزر صفات أهل الإيمان

أبدل الله تعالى من أولي الألباب جملة من الصفات واعتبرها عنوانا وميزانا لصدق إيمانهم وحسن تدينهم، فبدأ بصفة الوفاء بالعهد أولا، فقال: {اِ۬لذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اِ۬للَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ اَ۬لْمِيثَٰقَ}.

ومما يلفت انتباه القارئ لهذه الآية مجيء الوفاء بالعهد مقدما على الخشية والصلاة والزكاة التي هي من أركان الإسلام، وذلك لأن الصلاة من العهد، والزكاة من العهد، والخشية من العهد، وهكذا، كل الصفات المذكورة هنا وغيرُها مما ذكر في سياقات أخرى، إنما هي فروع عن العهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى على العباد وهم في عالم الذر، كما قال سبحانه: {وَإِذَ اَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِےٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّٰتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمُۥٓ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَل۪ىٰۖ} [الأعراف: 172]، وأرسل بذلك الميثاق رسله وأنزل كتبه في الدنيا لتجديده وتأكيده.

ومن هنا كان الوفاء بالعهد أبزرَ صفات المؤمن وأهمَّها على الإطلاق؛ ولذا وردت فيه آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِۖ} [المائدة: 1]، والعقود العهود. ومنها {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِۖ إِنَّ اَ۬لْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولاٗۖ} [الإسراء: 34]، أي مسؤول صاحبه؛ حفظ أم ضيع. ومنها {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمُۥٓ إِذَا عَٰهَدُواْۖ} [البقرة: 176]، وجاء بصيغة اسم الفاعل للدلالة على الاستمرار، وهكذا.

وسر تقديم الوفاء بالعهد على غيره من الصفات هو اندراج ما بعده فيه، فيشمل العهد مع الله تعالى في عبادته والإيمان به والتوكل عليه والإخلاص له في العمل واحترام حدوده وتوقير عباده، إلى غير ذلك مما استفاضت به الآيات وفصلته الأحاديث.

وقوله تعالى: {وَلَا يَنقُضُونَ اَ۬لْمِيثَٰقَ} تأكيد لوفائهم بالعهد ومحافظتِهم عليه، فهو إطناب للتأكيد بنفي الضد كما قال الشاعر:

أقول له ارحل لا تقيمن عندنا *** وإلا فكن في السر والجهر مسلما

فقوله لا تقيمن هو عين ارحل ولذا كان بدلا منه.

والألف واللام في الميثاق للجنس فيشمل جميع المواثيق والعهود مع الله ومع غيره أيا كان.

الهداية الرابعة: وجوب صلة الرحم

مما تهدي إليه هذه الآيات وجوبُ صلة الرحم في قوله تعالى: {وَالذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اَ۬للَّهُ بِهِۦٓ أَنْ يُّوصَلَ}.

والذين معطوف على الذين قبله، وهو من باب عطف الصفات؛ وليس من باب عطف الأعيان، فليس هؤلاء مغايرين لمن قبلهم بل هم هم، ونكتة عطف الصفات تعدد مزايا الموصوف بها فكأنه أشخاص متعددون بتعدد صفاته على سبيل المبالغة في المدح، كما قال الشاعر:

إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم[2].

ومنه قوله تعالى: {اَ۬لذِے خَلَقَنِے فَهُوَ يَهْدِينِۖ وَالذِے هُوَ يُطْعِمُنِے وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِۖ وَالذِے يُمِيتُنِے ثُمَّ يُحْيِينِۖ وَالذِےٓ أَطْمَعُ أَنْ يَّغْفِرَ لِے خَطِيَٓٔتِے يَوْمَ اَ۬لدِّينِۖ} [الشعراء: 78-82]، وسر عطف اسم موصول في هذه الآيات هو أن كل صفة من هذه الصفات كافية لاستحقاق العبادة لله وحده.

وصلة الرحم بين الأقارب من العهد الذي يجب الوفاء به لقوله تعالى: {وَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَ اَ۬لذِے تَسَّآءَلُونَ بِهِۦ وَالَارْحَامَۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباٗۖ} [النساء: 1]، والرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله كما جاء في الحديث: “إن الرحم شجنة من الرحمن، فقال الله: من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته[3].

ومعنى شجنة مثلث الشين أي قطعة من الرحمن أي أثر من آثار رحمة الله بين العباد، فمن قطها حُرِم من رحمة الله. عياذا بالله.

الهداية الخامسة: وجوب الخشية من الله

ومما تهدي إليه الآيات الكريمة وجوب الخشية من الله تعالى والخوفُ من عقابه، والخشية أخص من الخوف، إذ الخوف توقع مكروه من المحبوب ومن المكروه، أما الخشية فهي انقباض وسكون ممزوج بالإجلال والتعظيم للمخشي، وتكون مقرونة بالعلم والمعرفة، كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اَ۬للَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اِ۬لْعُلَمَٰٓؤُاْۖ} [فاطر: 28]، وقال النبي ﷺ: «أما والله، إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له»[4].

ولذلك عطف عليها: {وَيَخَافُونَ سُوٓءَ اَ۬لْحِسَابِ} فأضاف الخشية لله تعالى إجلالا، وأضاف الخوف لسوء الحساب وهو مناقشته، إذ من نوقش الحساب عذب.

الهداية السادسة: قيمة الصبر بين هذه الصفات

ومما تهدي إليه الآيات أن الصبر هو إكسير كل الصفات الإيجابية، فلا توجد صفة تستغني عن الصبر، ولذا عبر هنا بالفعل الماضي الدال على الاستقرار وعدم التحول والتجدد، فقال: {وَالذِينَ صَبَرُواْ} مع أن السياق يقتضي المضارع تماشيا مع يوفون، ويصلون، ويخشون، ويخافون؛ لكن عدَل عن التجدد إلى الثبوت، فلا وفاء ولا صلة ولا خشية ولا غيرها من الصفات إلا بالصبر وملازمته، ولذلك قال سبحانه: {اِنَّمَا يُوَفَّى اَ۬لصَّٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٖۖ} [الزمر: 11]. وقال عز وجل: {وَمَا يُلَقّ۪يٰهَآ إِلَّا اَ۬لذِينَ صَبَرُواْۖ وَمَا يُلَقّ۪يٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖۖ}[فصلت: 34].

وقيد سبحانه الصبر بابتغاء وجه الله، فهو الذي يكون في طاعة الله، ويؤجر صاحبه؛ إذ قد يتحمل المرء عملا مَّا رياء وسمعة وإظهارا للقوة والشجاعة عند نزول الملمات مخافة الشماتة والتنقيص، كما قال الشاعر:

وتجلدي للشاتمين أريهم *** أني لريب الدهر لا أتضعضع[5].

الهداية السابعة: الحض على إقام الصلاة

ومما تهدي إليه الآيات الكريمة الحض على إقام الصلاة، التي هي ركن من أركان الإسلام، كما يفيد ذلك اقترانها بلفظ الإقامة، فكل صلاة مقرونة بلفظ الإقامة بصيغه المختلفة في القرآن فالمراد بها الصلوات الخمس، وهي معروفة القيمة والقدر، ومنزلتها من بين الأركان عالية، ولا تسقط إلا بزوال العقل أو بالموت، لكونها صلة بين العبد وربه، لا يجوز قطعها لسبب أو لآخر.

الهداية الثامنة: الحض على الإنفاق في سبيل الله

جاء الإنفاق في الآية مقرونا بالصلاة، مما يفيد أن المراد به الزكاة، ولكن التعبير بلفظ الإنفاق دون لفظ الإيتاء ينبئ عن المعنى العام الشامل للزكاة وغيرها من أنواع الإنفاق والتطوعات، ومجيءُ الإنفاق بعد الصلاة يؤذن بذكر حق العباد بعد حق الله تعالى، وأن حق الله في الأموال هو حق لعباده، فلا فرق بين العبارتين، كما قال سبحانه: {وَفِےٓ أَمْوَٰلِهِمْ حَقّٞ لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِۖ} [الذاريات: 19]. وقال عز من قائل: {وَالذِينَ فِےٓ أَمْوَٰلِهِمْ حَقّٞ مَّعْلُومٞ لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِۖ} [المعارج: 24-25]، وتقييده بالمعلوم في المعارج يفيد أن المراد به الزكاة، وإن كانت الزكاة لم تفرض بعدُ عند نزول المعارج، ولكن لا يُمنَع أن يكون هذا إجمالا ينتظر بيانه وقت فرض الزكاة وتحديد مقاديرها وأنواع الأموال التي تزكى.

ووصف الإنفاق بالسر والعلانية مفيد للإخلاص فيه؛ إذ المنفق في سبيل الله سواءٌ لديه السر والعلانية لخلوص قصده لله تعالى.

الهداية التاسعة: وجوبُ التوبة والإنابة إلى الله تعالى وتجديدُها

ومما تهدي إليه الآيات أن المؤمن مطالب بتجديد توبته، وذلك بمحاسبة النفس على أنفاسها، وإتباع الحسنات للسيئات لمحوها، وهو المراد بقوله تعالى: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ اِ۬لسَّيِّئَةَۖ} وبقول النبي ﷺ : “وأتبع السيئة الحسنة تمحها[6]. وقد يراد بهذه الجملة هنا مقابلة إساءة الناس بالإحسان، وهي أيضا من صفات أهل الإيمان، كما في قوله سبحانه: {اَ۪دْفَعْ بِالتِے
هِيَ أَحْسَنُ
} [المؤمنون: 96 وفصلت: 34]، وقوله جل ذكره: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ اُ۬لْجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰماٗۖ} [الشعراء: 63].

الهداية العاشرة: الجزاء المستحق للمتصفين بهذه الصفات الثمانية

ومما تهدي وترشد إليه الآيات الكريمة وتجعله مسك ختامها الوعدُ الصادقُ ممن لا يخلف الميعاد ولا ينقض الميثاق، سبحانه وتعالى، مع عباده تفضلا منه وامتنانا، سبحانه وتعالى، وذلك قوله عز وجل: {أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى اَ۬لدّ۪ارِۖ جَنَّٰتُ عَدْنٖ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنَ اٰبَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْۖ وَالْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٖۖ سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْۖ فَنِعْمَ عُقْبَى اَ۬لدّ۪ارِۖ}.

فبين الحق سبحانه جزاء المؤمنين وثواب أعمالهم الخالصة، وهو الجنة وما إليها من النعيم المقيم، مع أهليهم وأقاربهم؛ إذ بذلك تتم النعمة وتزول المحنة، وتسليم الملائكة عليهم امتنان آخر يضفي على المكان ونعيمه بهجة وسرورا، ونضرة وحبورا.

معاشر السادة الأئمة الفضلاء، هذه بعض هدايات هذه الآيات اختصرتها اختصارا، ويمكن توسيع الكلامِ فيها شرحا وبيانا.

والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 



[1] – البيت للإمام البوصيري في بردته.

[2] – الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين، 2/384. وهو من شواهد البلاغة.

[3] – صحيح البخاري كتاب الأدب باب من وصل وصله الله، 8/6.

[4] – صحيح مسلم باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة لمن لم تحرك شهوته، 2/779.

[5] – البيت لأبي ذؤيب الهذلي الشاعر المخضرم، من قصيدته المعروفة: أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمُعْتِب من يجزع.

[6] – سنن الترمذي باب ما جاء في معاشرة الناس، 3/526.