الحمد لله رب العالمين، والصلاة
والسلام على سيد الخلق أجمعين؛ سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم
بإحسان إلى يوم الدين.
السادة الأئمة الأفاضل: السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن
يخلق الإنسان ويجعله كائنا اجتماعيا لا تستقيم حياته إلا بالعيش في مجتمع إنساني
يتعارف فيه مع الآخرين، ويحقق مصالحه بتبادل المنافع معهم. وقد اقتضى الاجتماع
البشري أن توجد مصالح مشتركة بين أفراد الجماعات، تلبي حاجاتهم المختلفة، وتكون
أساسَ تنظيم حياتهم، ومناطَ استقرار مجتمعاتهم.
وإن العقول السليمة مجمعة على
رعاية هذه المصالح، وضمان استدامتها، وضبط علاقات الأفراد والجماعات بها، ببيان
حدودها وآثارها ومآلاتها، تحقيقا للعدالة والاستقرار، وتنميةَ للعمران.
أولا: المقصود بالمصالح العامة
المصلحة في اللغة ضد المفسدة، وهي واحدة المصالح،[1] “فالصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد”.[2]
وأما في
الاصطلاح فقد عرفت المصلحة تعريفات منها:
–
هي كل
معنى قام به قانون الشريعة، وحصلت به المنفعة العامة في الخليقة.[3]
–
هي ما
يتعلق بمصلحة الخلق كافة، أو بمصلحة الأغلب.[4]
–
المصلحة
هي المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم؛ ونسلهم
وأموالهم؛ سواء تعلق الأمر بالضروري أم الحاجي أم التحسيني طبق ترتيب معين فيما
بينها.[5]
فالقاسم المشترك بين هذه
التعاريف هو أن المصلحة الحقيقية هي ما جعلها الشرع كذلك، وإلا كانت متوهمة.
قال العز بن عبد السلام:
“من تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك
اعتقاد بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم
يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص”.[6]
فتبين بكل هذا: أن المقصود بالمصلحة العامة؛ “ما يعود بالنفع العام على كافة الناس أو أغلبهم؛ سواء تعلق الأمر بمصالحهم الضرورية أو الحاجية أو التحسينية”[7]؛ وهذا من صميم الشريعة.
وقد وصفت هذه المصالح بالعامة
لكون “فوائدها مشتركة بين الناس”[8]
لأن لفظ العامة يفيد التمام والاستغراق الشمولي الذي يتناول جميع الناس أو
الجماهير الغفيرة منهم.[9]
ثانيا: المصلحة العامة في
المجتمعات المعاصرة
برزت المصلحة العامة في عالمنا
المعاصر باعتبارها ضرورة حتمية واكبت تطورَ المجتمعات الإنسانيةِ واتساعَ دوائر
تواصلها وتفاعلها؛ فكلما انتقلت المجتمعات من البنى البسيطة إلى البنى المركبة،
ومن الجماعات المحدودة إلى الكيانات الواسعة، اشتدت الحاجة إلى إطار جامع ينظم
العلاقات ويوازن بين المصالح المتعارضة، ولم يعد الاكتفاء بالمصالح الفردية أو
الشخصية كافيا لضمان الاستقرار والاستمرار.
لقد فرضت التحولات البنيوية التي
شهدها العالم قيامَ المجتمع المعاصر في بنيته التنظيمية والقيمية على مبدأ المصلحة
العامة، حتى أصبحت رعاية هذه المصلحة العامة أساسا لتحقيق التنمية والاستقرار
والازدهار.
إن هذا التحدي بدأ يعظم ويتسع
أفقه مع التطور السريع والمطرد لوسائل التواصل وتداخل المصالح الاقتصادية
والسياسية والثقافية في ظل العولمة، فاتسعت دائرة المصلحة العامة لتتجاوز حدود
الدولة الوطنية، حيث غدا العالم أشبهَ بـقرية صغيرة يعيش الناس فيها كأنهم أفراد
أسرة واحدة يوحدهم المصير والتحديات المشتركة.
فلا غرابة أن يهتم العالم بقضايا
مشتركة يهدد إهمالَها مصيرُ العالم من قبيل قضايا البيئة والمناخ، والصحة
العالمية، والأمن الغذائي، واستنزاف الثروات الطبيعية. فهذه نماذج تبرز الوجه
الجديد للمصلحة العامة التي لا يمكن رعايتها وتنميتها إلا بمنطق التعاون والتضامن
الإنساني في هذا العالم.
ثالثا: رعاية الإسلام للمصالح
العامة
بيّنا في المحورين السابقين تعريفَ
وتأصيلَ المصلحة العامة، وكيف تطور مفهومها من سياق محلي محدود إلى سياق عالمي
واسع يتجاوز حدود الدول الوطنية. وهذا ما أفضى إلى اعتبار رعاية المصلحة العامة
واجبا أخلاقيا وقانونيا يقع على عاتق الدولة والمجتمع معا، لأنها تمثل التعبير
العملي عن التضامن الاجتماعي، والتجسيد المثالي لاستمرار العيش المشترك في عالم
تتزايد فيه التحديات والمخاطر التي تهدد المجتمعات.
أمام هذا الاعتبار قد يتساءل
سائل عن مدى اهتمام الإسلام بالمصلحة العامة ورعايتها؟
لقد تقرر أن الشريعة جاءت لتحقيق
مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم في العاجلة والآجلة، وإن الناظر في القرآن الكريم
والسنة النبوية يجد كثيرا من الأحكام معللةً بجلب المصلحة ودرء المفسدة، وهذا
إعلام للمكلفين بأن تحصيل المصالح هو مقصود الشارع الحكيم في كل التشريعات.
فتشريع العقوبات مثلا مصلحة
مؤكدة للناس، لأن فيها زجرا وردعا لمن تسول له نفسه الاعتداءَ على أرواح الناس
وأعراضهم وأموالهم. وكذلك الأمر في تنظيم أمور المعاملات، بل فلسفةُ الحلال
والحرام قائمة على جلب المصلحة وتكثيرها، ودفع المفسدة وتقليلها.
وإن المتأمل في تحريم الخمر
والميسر مثلا يجد أن هذا التحريم ليس مجرد تهذيب أو ضبط لسلوك الأفراد، بل هو
تدبير تشريعي وقائي يحقق مصلحة عامة من خلال درء مفسدة عظيمة تهدد بنية المجتمع
وكيان الأمة بأسرها. فآثار الخمر والميسر لا تقف عند حدود الإضرار بالصحة أو
المال، وإنما تمتد لتقويض منظومة القيم، وتعطيل العقول المنتجة، وتفكيك الروابط
الأسرية، وإشاعة العداوة والبغضاء، بما يفضي في النهاية إلى اختلال الأمن
الاجتماعي وتهديد الاستقرار العام.
ومثل ما قيل في تحريم الخمر يقال
في سائر العقوبات، فانتهاك حرمات الله لا يعد مساسا بحقوق فردية فحسب، بل يعد
اعتداء مباشرا على المصلحة العامة التي تقوم عليها حياة الجماعة واستمرارها. ولهذا
جاء التحريم تعبيرًا عن أولوية الصالح العام، وتجسيدا لمقصد الشريعة في حفظ النفس
والدين والعقل والعرض والمال.
وفي السيرة النبوية نماذج راقية
لرعاية المصالح العامة وتقديمها على المصالح الفردية نُذَكّر ببعضها حسبما يتيحه
السياق:
فمن ذلك بناء المؤسسات التي
يمثلها المسجد آنذاك، باعتبار الوظائف الاجتماعية المنوطة به فضلا عن الوظائف
التعبدية والتعليمية، وتأسيس السوق وشراء بئر رومة. ومن ذلك أيضا حماية موارد بيت
مال المسلمين، وجمع الزكاة، وتقسيم الغنائم، وتحريم الغلول، وتحريم الغش
والاحتكار، ورفض شفاعة أسامة بن زيد في المخزومية،[10]
وتفاصيل كل ما ذكرناه معلومة عندكم وإنما المقصود التذكير لتقرير أصل المصلحة.
وأما بعد وفاة الرسول صلى الله
عليه وسلم فكان رأس المصالح العامة إقامة الإمامة الـعـظمى، فهي التي ينتظم بها
أمرُ الأمة، عبر عـقد الـبيعة الذي تتقابل بموجبه الحقوق والواجبات بين الأمة
وإمامها.
ومعلوم في الفقه والسياسة
الشرعية أن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة، وتعني انبناءَ كلِ تشريع أو
تصرف على تحقيق المصالح العامة المعتبرة، وهذا من لوازم تدبير الشأن العام.
وقد قدّم الخلفاء الراشدون رضي
الله عنهم إلى يومنا هذا نماذج رائدة لرعاية المصالح العامة ابتداء بجمع القرآن
الكريم، وكلما توسعت الدولة وتنوعت حاجات الناس، واستُجدت القضايا احتيج إلى الفقه
المصلحي أكثر، لذا كانت خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه حافلة بالتدابير المؤسِّسة
للمصالح العامة ورعايتها، ونذكر منها على سبيل المثال: التصريح بالممتلكات لولاته
قبل الولاية وبعدها، وإسقاط الجزية عن العاجز، وإسقاط عقوبة السارق في عام
الرمادة، واتخاذ السجون لما يسمّى الآن بالحراسة النظرية، وتسعير بعض السلع،
وغيرُها كثير.
وكان الدافع لذلك كله هو الحرص
على المصلحة العامة، بإعمال روح النصوص الشرعية واستحضارِ المقاصد العامة من تشريع
الأحكام.
انطلاقا من هذا الفقه العمري
المتين أسس الإمام مالك أصل المصلحة المرسلة الذي يعتبر استقراءً لفقه عمر رضي
الله عنه، واستنباطا للقواعد الشرعية التي اعتمدها. فاستجاب المذهب بهذا الأصل
لكثير من متطلبات العصر التي يصعب حصرها.
السادة الأئمة الأفاضل:
إن الله قد شرفكم بأن جعلكم في
خدمة بيوته، ومنخرطين في حفظ الأمن الروحي، وهذا أس المصالح كلها، إذ شرف كلِّ
مصلحة تابع لأصله، وضرورةُ كلِّ مصلحة تابعة لضرورة أصلها، وحفظ الدين هو أصل
الأصول، وقد يبتلى المرء في هذا الباب فيفوّت مقصود الشرع بأنانيته وإيثار مصلحته
الشخصية على المصلحة العامة.
وإن رعاية المصلحة العامة يبدأ
من معرفة قدرها في الشرع والقانون، والوعي بأهميتها ووظيفتها في تنمية المجتمع
وازدهاره، وخدمتها بالإيثار والبذل والنصح، واستبعاد نوازع الشح والأنانية والهوى.
وفي الختام أذكركم وأذكر نفسي
بحديث مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الناس إلى الله أنفعهم
للناس”.[11]
ولا شك أن رعاية المصالح العامة
باب عظيم لنفع الوطن وعموم الناس، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
هذا ما تيسر عرضه في هذا اللقاء
أستودعكم الله، والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته.
[1] – لسان العرب، لابن
منظور2/ 517، مختار الصحاح، للرازي، ص187.
[2] –
معجم مقاييس اللغة، لابن فارس 3/ 303
[3] –
أبو بكر بن العربي، كتاب القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، دراسة وتحقيق محمد عبد
الله ولد كريم، بيروت: دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1992م، 2/779.
[4] –
أبو حامد، الغزالي، شفاء الغليل،
بيروت: دار الكتب العلمية، لبنان، الطبعة الأولى، 1999م، ص101.
[5]– ضوابط المصلحة في الشريعة
الإسلامية، د. محمد سعيد رمضان البوطي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الدار المتحدة،
دمشق، الطبعة السادسة، 2000م. ص23
[6] –
قواعد الأحكام في مصالح الأنام، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، د ط، د ت. 2/160
[7] –
مقاصد الشريعة ووسائل التفعيل المؤسساتي: المصالح والمؤسسات العامة أنموذجا، م. س،
ص 588،
[8] –
المعجم الوسيط، م، س، 2/942.
[9] –
مقاصد الشريعة ووسائل التفعيل المؤسساتي: المصالح والمؤسسات العامة أنموذجا، عبد
النور بزا، ص587، مطبوع ضمن “مقاصد الشريعة والسياق الكوني المعاصر”،
أعمال الندوة العلمية الدولية التي نظمتها الرابطة المحمدية للعلماء،05و06
يونيو2012، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى ، 2013.
[10] –
رواه البخاري في صحيحه، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان، حديث رقم
: 6788. رواه مسلم في صحيحه، باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في
الحدود، حديث رقم : 1688.
[11] –
أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، رقم
الحديث: 6026.
