بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وصحبه وآله أجمعين.
السادة الأئمة الكرام؛
نعيش في زمن تعالت فيه حدة الجدل والخلاف في جل الفضاءات، قد تجده في البيت وأماكن العمل، وفي الفضاء الرقمي، وتجده في النافع وغير النافع، في الأمور الكبيرة والصغيرة، فيما يستحق وما لا يستحق.
وحين عرض القرآن الكريم مادة “ج د ل”، وأعاد كلمة الجدل 29 مرة ماضيا ومضارعا وأمرا ومصدرا، أكد أن هذه الظاهرة لازمة حيث يوجد الناس {وَكَانَ
اَ۬لِانسَٰنُ أَكْثَرَ شَےْءٖ جَدَلاٗۖ} [الكهف: 53]، ولم يعتبرها أمرا سيئا في كل الحالات.
لما تحدث القرآن عن الجدل النافع استعمل الأحسن فقال تعالى: {وَجَٰدِلْهُم بِالتِے هِيَ أَحْسَنُۖ} [النحل: 125]، ولما تحدث عن الموعظة تكلم عن الحسن {بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ اِ۬لْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، فالجدل يوجه للعقل والإقناع، أما الموعظة فيقصد بها القلب والروح، ولما كان من أدوار الإمام جمع كلمة الجماعة وتوحيد مشاعرها وصفها، وجرها إلى التفاهم والتعاون ودعوتها إلى الوفاق والوئام، كان لابد أن ينفرهم من الخلاف والجدل المذموم، ويدعوهم بالمنهج الأحسن والموعظة الحسنة.
إن الإمام الفطن الذي وفقه الله وأكرمه بالنباهة والعلم والعقل الرشيد لا يحب الخلاف بقدر ما يحب تأليف القلوب، لا يسعى وراءه ولا يسعى لمخالفة جماعته حتى لا يفتنهم ويشوش عليهم ويدخل عليهم الحيرة في أمرهم، وهذا لا يناسب مقام الإمام ومكانته الشريفة التي وضعه الله فيها، ثم إن فتح هذه الأبواب لا تدل على سعة وتمكن الإمام بقدر ما تدل على عدم سداد في الفهم.
إن تأليف الإمام لقلوب الجماعة وفق ما يوافق شرع الله ومقصوده يوثق ثقة الناس بعلمائهم فيحسنوا الظن ويحتسبوا العمل، وتأليف القلوب يدل على العلم والدين ورجاحة العقل خاصة حين يلتمس الأعذار ويحمل الناس على المحامل الحسنة، لأن أولوية تآلف الجماعة معدود في مقصد بعثة النبي الأمين صلى الله عليه وسلم الذي قام في الزمن الأول على يديه وتحت رعايته أداء للحق وتحققا بالإنصاف من النفس.
كان هرم بن حيان يقول وكأنه يحدث الأئمة: “ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم[1]“.
جمع الجماعة على الصواب والحكمة يكون بالموعظة الحسنة واللباقة والذكاء، أما الخصام والتسفيه والتبديع فإنه لا يأتي بخير، ولا يسلك بالناس مسالك النجاة.
الإمام يثق بالحقيقة التي هو عليها ولا يخشى الجدل بالأحسن فيمن يشوشون عليه مبادئه وقيمه وثوابته، وجدله هذا يفتح عليه باب الرحمة والتحصين دون صخب ولا ضوضاء، وفق {وَجَٰدِلْهُم بِالتِے هِيَ أَحْسَنُۖ} [النحل: 125]، فحين يحرص الإمام على حماية الجماعة من الفرقة يقتدي بالصالحين وعلماء بلده، وهو في هذا يقوم على مصلحة الناس لا على الانتصار للنفس.
قال الإمام الغزالي: “اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق والتفرق ثمرة سوء الخلق فحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر[2]“.
وما أجمل وأرق قول الأنبياء حين كانوا يقولون لقومهم: {وَيَٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيَ أَنْ يُّصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ اَوْ قَوْمَ هُودٍ اَوْ قَوْمَ صَٰلِحٖۖ} [هود: 89] خطاب يتجاوز النفس وحظوظها إلى الحرص على مصلحة الناس، ومهمته ليس إجبار الآخرين بقدر ما هي بلاغ يصحبه إلحاح.
لقد أعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم صياغة النفوس وبناء الأفكار حين نقل مجتمعه من حال الفرقة إلى حال الألفة في زمن أبهر العالمين إذ ألف بين قلوب تناحرت قرنا (الأوس والخزرج) وجمع بين المهاجرين والأنصار وعدها ربنا نعمة {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَ۬للَّهِ عَلَيْكُمُۥٓ إِذْ كُنتُمُۥٓ أَعْدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰناٗۖ} [آل عمران: 103]، فرجوع الإمام لسيرة النبي الأمين يعلمه كيف يتعامل مع التباين البشري والفكري.
مكانة الإمام تقتضي منه أن لا يكون ذا فقه ضيق يسرع إلى الإنكار ويجد اللذة في تجهيل الناس حتى يوقع الجماعة في العنت والضيق والخلاف.
إن اتصاف الإمام بخلق التأليف بين القلوب يجعله وسط الجماعة غير منفصل عنها، قال ابن عقيل: “لا يسعني الخروج عن عادات الناس مراعاة لهم وتأليفا لقلوبهم إلا في الحرام إذا جرت عاداتهم بفعله أو عدم المبالاة به فيجب مخالفتهم[3]“.
لقد نبه القاضي أبو يعلى رجلا قصده بمثل هذا لما جاءه ليقرأ عليه مذهب أحمد فسأله عن بلده فأخبره، فقال له: إن أهل بلدك كلهم على مذهب الشافعي، فلماذا أنت عدلت عنه؟ قال له: إنما عدلت رغبة فيك، فقال له: إن هذا لا يصلح وكنت خليقا أن تثير خصومة وتوقع نزاعا[4]“.
إن التلطف مع الناس في بيان أوجه الحق من أسباب تأليف القلوب، وغير ذلك يقابله الناس بالاستخفاف والعناد.
إن تأليف القلوب بين يدي الإمام يمنع تقسيم جماعة المسجد إلى طائفتين؛ طائفة تطاوعه وتقلده وتترسم خطاه، وطائفة ترفضه وتنازعه وتشوش عليه، وكل قسم من هاذين يلوم الآخر ويجهله ويبدعه وينظر إليه أنه على غير هدى. تأليف القلوب هو منهج الإمامة في تأطير الناس، والبحث عن الخلاف لا يناسب مقام الإمامة.
التأليف يعني عمليا عدة تجليات:
ü تعظيم الثقة بين الإمام والجماعة، وبين الجماعة فيما بينهم، ولا ثقة مع الغل، وهو الذي يقرأ في كل مناسبة قوله عز وجل: {وَلَا تَجْعَلْ فِے قُلُوبِنَا غِلّاٗ لِّلذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌۖ} [الحشر: 10].
ü قبول النصيحة من الإمام وتصديقها؛
ü الاشتراك في الهموم والألم عندما تتعلق بأمور الجماعة؛
ü ذكر الله جماعة عقب الصلوات المكتوبة؛
ü قراءة الحزب أو الحضور وسماعه؛
ü حسن الظن بالناس والرغبة في الإحسان إليهم؛
ü سعي الإمام إلى الإصلاح بين الناس والجماعة.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما لقي عداس قال له: من أي البلاد أنت؟ قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي، فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه[5].
لقد وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخلا إلى قلب عداس فتألفه.
وحين يجد الإمام قلوب جماعته قد ألفته وركنت إليه يجب أن يشكر ربه وأن يحافظ عليها لأنه بحسب تعبير الآية {لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِے اِ۬لَارْضِ جَمِيعاٗ مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْۖ} [الأنفال: 64]، إذ يفوق ذلك كنوزا عظيمة، وليحذر أن يسلب هذه الألفة فتخطف قلوب الناس من بين يديه، وعندها تصبح قراءته جوفاء، وموعظته جوفاء، ونصيحته قشرا دون حياة.
حتى مقررات الفقه ترد على كل ما يمزق ويفرق، وتجلب كل ما يقوي جماعة الناس، فاستحضر الفقهاء ذلك في فقههم، والمفتون في فتواهم، فاستحبوا ترك بعض المستحبات حفاظا على الألفة، لأن الألفة في الدين أعظم من مصلحة فعل المستحب، بل إذا فعل الإمام المفضول يرى فيه ألفة وتوددا ورصا للصف ورجح فعله كان مصيبا.
ولقد كان التأليف بين القلوب أصلا عند رسول الله رجع إليه في تعليل الأحكام حين أفاء من أموال هوازن، ووصف الإمام النووي التأليف بأحد قواعد الإسلام حين شرح حديث: “إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم» قيل: وقال، «وإضاعة المال، وكثرة السؤال[6]“.
إن تأليف الإمام لقلوب الناس مقصد كلي، ولأجله كان بالإمكان أن يتحول المرجوح راجحا، وأن يترك من أجل جمع الناس مستحبا.
وبوب الإمام ابن الملقن باب حديث عائشة رضي الله عنها: “لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا، فإنهم عجزوا عن بنائه، فبلغت به أساس إبراهيم عليه السلام[7]“، وعنون الباب بقوله: “باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه”.
وقد ذكر الشنقيطي في كتابه كوثر المعاني من فوائد حديث عائشة رضي الله عنها أنه يستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خوف الوقوع في أنكر منه، وإن الإمام يسوق رعيته لما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولا ما لم يكن محرما[8].
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، وفي حديث وسيرة سيد الأولين والآخرين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[1] الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 11/161.
[2] إحياء علوم الدين، الغزالي، 2/157.
[3] مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، مصطفى بن سعد الرحيباني، 1/351.
[4] المسودة في أصول الفقه، مجد الدين بن تيمية، ص 541.
[5] الروض الأنف، السهيلي، 4/35.
[6] الموطأ رقم الحديث: 20.
[7] مسند أحمد بن حنبل: رقم الحديث: 26029.
[8] كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري، محمد الخضر الشنقيطي، 4/126.
