
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة الجمة ليوم: 1 أو 2 صفر 1448هـ الموافق لـ 17/7/2026م
«إِمَارَةُ الْمُؤْمِنِينَ وَدَوْرُهَا فِي حِمَايَةِ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ»
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أنعم علينا بدين الإسلام، وأكرمنا بالإمامة العظمى لحفظ مصالح الأنام، المبنية على البيعة الشرعية نيابة عن الرسول الأكرم بدر التمام ومسك الختام، نحمده تعالى ونشكره حمد الشاكرين لجليـل الإنعام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من قال: «ربي الله ثم استقام»، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطيبين الأطهار، وصحابتـه الأخيار، وعـلى التابعين لهـم ما تتابع الليل والنهار، صلاة وسلاما دائمين بالعشي والإبكار.
أما بعد، معاشر المؤمنين والمؤمنات-؛ فيقول البارئ جل وعلا في كتابه العزيز:
﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ا۬للَّهَ وَأَطِيعُواْ ا۬لرَّسُولَ وَأُوْلِے اِ۬لَامْرِ مِنكُمْ﴾[1].
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ… الحديث»[2].
عباد الله؛ تقدم في الخطبة الماضية الحديث عن كون الإسلام دين الجماعة، وأنه لا يستقيم أمر الأمة إلا بنظام ينظم شأنها ويحمي حوزتها، ويحقق العدل بين جميع مكونات مجتمعها، وإليه يكون الرجوع عند المنازعة والاختلاف.
ذلك النظام هو إمارة المؤمنين المنبثقة من القرآن والسنة وإجماع الأمة، أصلها الطاعة والوفاء، وبها يكون الأمن والاستقرار، وفي حالات التنازع والاختلاف يكون الرجوع إليها أمرا ملزما؛ قال الله تعالى:
﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ا۬للَّهَ وَأَطِيعُواْ ا۬لرَّسُولَ وَأُوْلِے اِ۬لَامْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِے شَےْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَي اَ۬للَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اِ۬لَاخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾[3].
والرد إلى الله ورسوله هو الرد إلى الكتاب والسنة، والرد إلى أولي الأمر هو الرد إلى أولياء الأمر من الأمراء والعلماء، وليس إلى الأهواء والتأويلات الفاسدة؛ لقول الله تعالى مبينا لهذا المعنى:
﴿وَإِذَا جَآءَهُمُۥٓ أَمْرٌ مِّنَ اَ۬لَامْنِ أَوِ اِ۬لْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِۦ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَ۬لرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِے اِ۬لَامْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ا۬لذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ ا۬للَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَاتَّبَعْتُمُ ا۬لشَّيْطَٰنَ إِلَّا قَلِيلاً﴾[4].
ويستفاد من الآية الكريمة أنه لا يجوز إشاعة الخبر قبل التثبت فيه، سواء تعلق الأمر بالأمن أو الخوف، كما يستفاد منها رد الأمور إلى أهلها من أهل العلم والرأي والخبرة والتدبير، وليس إلى كل أحد، كما يحدث اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي، من الإشاعات الكاذبة والفاتنة للناس في جميع شؤونهم، وختمت الآية بقوله تعالى:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ ا۬للَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَاتَّبَعْتُمُ ا۬لشَّيْطَٰنَ إِلَّا قَلِيلاً﴾.
ورحمة الله تعالى هي هداه وتوفيقه لجمع الكلمة وتوحيد الصف، على يد إمارة المؤمنين، وهي التي تسد باب فتنة الإشاعات على الناس، فتسلم قلوبهم من الأحقاد، ودينهم من التشويش بتحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
فبالإمامة العظمى تستمر خلافة النبوة في الأرض إلى يوم الدين، فتجب طاعة ولي الأمر من هذا المنطلق، امتثالا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: في الحديث النبوي الشريف:
«مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي»[5].
وأميره صلى الله عليه وسلم: هو كل من ينوب عنه في القيام بمصالح العباد جلبا وبالمفاسد دفعا إلى يوم الدين بشرطه المعتبر، وهو حراسة الدين وسياسة الدنيا.
يقول الماوردي في الأحكام السلطانية:
«اَلْإِمَامَةُ مَوْضُوعَةٌ لِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا، وَعَقْدُهَا لِمَنْ يَقُومُ بِهَا فِي الْأُمَّةِ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ»[6].
عباد الله؛ انطلاقا مما تقدم، ندرك حقيقة ما مَنَّ الله تعالى به علينا من الإمامة العظمى التي اختارها الله تعالى لنا منذ قرون لتكون ظلا وارفا على هذه المملكة الشريفة، حامية لدينها من الفتن، محصنة لوطنها من أطماع الطامعين. مما يوجب شكر الله تعالى على نعمته، وشُكرَ من أجرى الله تلك النعمة على يديه بفضله ومنته.
نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله الكريم المنان، المتفضل علينا بالسلم والإسلام، والأمن والإيمان، والصلاة والسلام على من كانت بعثته رحمة ورسالته إحسانا، فكان للإنسانية إنسانا، وعلى آله وصحبه المجمعين، بعد التحاق النبي صلى الله عليه وسلم: بالرفيق الأعلى، على نصب الخليفة لحفظ ميراث النبوة في كل مكان وزمان.
عباد الله؛ من باب التحدث بالنعمة الموجبة لشكر المنعم جل وعلا، الحديث عن تجليات ومظاهر فضل إمارة المؤمنين على هذا البلد الأمين بإذن الله تعالى، من خلال ركنيْ: حراسة الدين وسياسة الدنيا، وسيكون الحديث اليوم عن ركن حراسة الدين، وفي الخطبة المقبلة بحوله عن ركن سياسة الدنيا.
فمما أجمع عليه المغاربة وقدموا فيه تضحيات جُلَّى عبر التاريخ، من أجل حراسة دينهم وأخلاقهم، الوفاء بالبيعة لأولياء الأمر لحفظ بيضة الأمة، ومن أعظم صور هذه الحراسة التزامهم بثوابتهم الدينية الجامعة المتمثلة في: «العقيدة الأشعرية»؛ المبنية على الكتاب والسنة، و«المذهب المالـكي»؛ الذي هـو مـذهب أهـل المدينة، ولا ينازعهم فـي مكانته ومقامه أحد، و«التصوف السني الجنيدي»؛ المبني عـلى مقــام الإحسان، ومكارم الأخــلاق، والمربي على تزكية النفس، وتطهيــرها من أمـراضها المختلفة.
وتتجلى هذه العناية أكثر في عهد مولانا أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، من خلال العناية بأمانات الرسول صلى الله عليه وسلم: ووظائفه الجليلة، من تلاوة القرآن، وتزكية الأنفس، وتعليم الكتاب والحكمة، حيث أنشأ، أعز الله أمره، قناة وإذاعة محمد السادس القرآنيتين المباركتين اللتين أشاعتا نور القرآن في القلوب والبيوت، وأسس معهد محمد السادس للقرآن الكريم، وجدد مؤسسة دار الحديث الحسنية العريقة، وأنشأ منصة محمد السادس للحديث الشريف، وفي هذا العام دعا العلماء من خلال رسالته السامية إلى الاحتفاء بالسيرة والسنة النبوية بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد جده الأكرم صلى الله عليه وسلم:، وذلك من أجل استلهام السيرة العطرة، وشمائلها الزكية، لتحقيق الحياة الطيبة للناس، كما حققها الرعيل الأول المتمسك بالهدي النبوي عقيدة وعبادة ومعاملة وسلوكا.
ويأتي في الخطبة المقبلة بحول الله الحديث عن تجليات حفظ ركن سياسة الدنيا المبني على الرأي السديد، والسعي الرشيد، والتدبير المفيد، لتحقيق مقاصد الشرع الحميد.
حفظ الله مولانا الإمام بما حفظ به الذكر الحكيم، وبلغه فيما يرضيه آماله في صالح الدنيا والدين.
هذا، ولنجعل مسك الختام؛ أفضل الصلاة وأزكى السلام، على نبي الهدى ومصباح الظلام، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، كلما ذكرك وذكره الذاكرون وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون.
وارض اللهم عن خلفائه الراشدين المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان في النصح للأمة إلى يوم الدين.
وانصـر اللهم من اخترته لخلافة النبوة في حفظ أمانات الرسول صلى الله عليه وسلم:، مولانا أمير المؤمنين، جلالة الملك محمدا السادس، اللهم أدم عليه نعمة العناية بكتابك وبسنة نبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:، وأسبغ عليه بذلك أردية الصحة والعافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب، صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزر جلالته بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.
وتغمد اللهم بواسع رحمتك، وكريم جودك وجليل إحسانك الملكين الجليلين المجاهدين، مولانا محمدا الخامس ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك.
اللهم أدم علينا نعمك التي لا تعد ولا تحصى، واجعلنا لك من الشاكرين بالمحافظة على ما مننت به علينا من إمارة المؤمنين الحامية للملة والدين، واجمع بها شملنا، ووحد بها صفنا، وأدم علينا العزة والكرامة، في الأنفس والأموال والأعراض والوطن.
واحفظ فينا ميراث النبوة قرآنا وسنة وهديا وسلوكا وأخلاقا.
اللهم ارحمنا وارحم والدينا وجميع موتانا وموتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين.
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين
والحمد لله رب العالمين.
[1] – النساء 58.
[2] – صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به 4/50، وكتاب الأحكام باب قول الله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) 9/61.
[3] – النساء 58.
[4] – النساء 82.
[5] – صحيح مسلم كتاب الإمارة بَاب وُجُوبِ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَتَحْرِيمِهَا فِي الْمَعْصِيَةِ
[6] – الأحكام السلطانية باب عقد الإمامة1/15.
