جارٍ تحميل التاريخ...

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

خطبة 24 محرم 1448هـ الموافق لـ 10/7/2026م

«اَلْإِسْلَامُ دِينُ الْجَمَاعَةِ»

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أكرمنا بدين الإسلام، وحقق به جميع مصالح الأنام، وجعل حقوق الأفراد والجماعات على وفاق ووئام، نحمده تعالى ونشكره، ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين فضلا ومنة، وعلى آله وصحبه المعتصمين جميعا بالكتاب والسنة، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد -معاشر المؤمنين والمؤمنات-؛

فيقول الحق جل وعلا في محكم التنزيل:

﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ ا۪تَّقُواْ ا۬للَّهَ حَقَّ تُق۪اتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اِ۬للَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾[1].

عباد الله؛ في هذه الآية الكريمة ينادي الحق سبحانه عباده المؤمنين، ويوصيهم بالتقوى والتزام منهج الإسلام، والاعتصام بحبل الله الذي هو القرآن الكريم، كما نهاهم عن التفرق والاختلاف، مما يجلي لنا أن الإسلام دين الجماعة، وأن ممارسته والعمل بمقتضاه يجب أن يكون في هذا الإطار الجماعي، ليكون تدينا صحيحا ملازما لصاحبه في كل الأحوال والأوقات.

ويشهد لهذا المعنى ما جاء في أصل التكليف والاستخلاف، المبني على التكريم والتفضيل لبني الإنسان، ويتجلى فيما يلي:

أولا: حمل الإنسان للأمانة من دون سائر الخلق؛ يقول الله تعالى:

﴿اِنَّا عَرَضْنَا اَ۬لَامَانَةَ عَلَي اَ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَّحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا اَ۬لِانسَٰنُ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُوماٗ جَهُولاً﴾[2].

فتحمل الإنسان للأمانة بعد إشفاق الكائنات كلها منها، اختبار من الله تعالى لحكمة يعلمها سبحانه، ومن مظاهر ظلم الإنسان للأمانة إضاعتها، ومن آثار جهله التقصير في حقها وأهميتها وقيمتها.

ثانيا: أنه على أساس تحمل الأمانة كُلِّف الإنسان بالاستخلاف في الأرض وعمارتها، أداء للأمانة وتحملا للمسؤولية، كل في موقعه ومقامه، وتعظم بعظم المقام، لقول النبي ﷺ:

«أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»[3].

ثالثا: أن الله تعالى واحد أحد، ودعا إلى توحيده، وإلى وحدة الأمة واتحادها للقيام بمصالحها وقضاء حوائجها، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:

﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمُۥٓ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾[4].

فدين التوحيد سبيل إلى توحيد الكلمة، وذلك بمجاهدة الأهواء، ومحاربة الأنانية وحب الذات الذي هو أصل كل داء وآفة.

رابعا: أن الله تعالى بعث الأنبياء والرسل على التوحيد، والذي من آثاره توحيد الكلمة، وأنزل من أجل تحقيق ذلك الصحف والكتب، وتواردت نصائح الرسل لأقوامهم بالتمسك بالمبادئ والأصول، والوصايا الخالدة التي منها: إخلاص العبادة لله تعالى، واحترام الأنفس، وصيانة الدماء، وحفظ الأعراض والأموال، والوفاء بالعهد والوعد، والتزام العدل في جميع الأحوال، وإيفاء الكيل والميزان، كما نهاهم عن أضدادها من المناكر والفواحش المخلة بالإخلاص واتقاء الحرمات في الأنفس والأعراض والأموال.

وأمر الحق سبحانه نبيه محمدا ﷺ أن يقدم هذه المبادئ والوصايا على أنها طريقه ومنهجه الذي جاء به؛ فقال جل وعلا بعد ذكر تلك الوصايا في سورة الأنعام:

﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِے مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ا۬لسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ذَٰلِكُمْ وَصّ۪يٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[5].

ومن خلال ما تقدم -معاشر المؤمنين-، ندرك أن دين الإسلام الذي رضي الله تعالى لنا، فبعث به الرسل، وأنزل على منهاجه الكتب، هو الدين الذي ارتضاه الله جل وعلا لنا، وهو دين الجماعة المبني على التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وأداء حق الله تعالى بإخلاص، وحقوق عباده بحسن معاملة ومعاشرة بالمعروف.

نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله ولي الصالحين، وناصر المؤمنين، والصلاة والسلام على الناصح الأمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة المؤمنون والأخوات المؤمنات؛ إذا كان الإسلام -منذ أن بعث الله به أنبياءه ورسله- دينَ الجماعة، المحافظَ على توازنها وتراحمها وتكافلها وحفظ مصالحها، فإن شريعة سيدنا محمد ﷺ الخاتمةَ لشرائع الإسلام، والأمينةَ على ما تنزل من المبادئ والقيم، تحث على التزام الجماعة والسير في ركابها، ويتجلى ذلك فيما يلي:

أولا: دعوة المسلمين لحفظ دين الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر الخير في الناس، يقول الله تعالى:

﴿وَلْتَكُن مِّنكُمُۥٓ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَ۬لْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ا۬لْمُفْلِحُونَ وَلَا تَكُونُواْ كَالذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ا۬لْبَيِّنَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[6].

فقارن سبحانه فلاح المتحدين على الخير بعذاب المختلفين، كما قال النبي ﷺ:

«اَلْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ»[7].

ثانيا: حمل أركان الإسلام الخمسة في تشريعاتها مقاصد جماعية؛ فالصلاة جماعية بوقتها وأذانها وصلاتها، والزكاة جماعية بأدائها من أغنياء المسلمين لفقرائهم، والصوم جماعي بوقته وبدايته ونهايته وآثاره، لقول النبي ﷺ:

«صُومُواْ لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُواْ لِرُؤْيَتِهِ»[8].

وكذلك الحج يكون في الجماعة زمانا ومكانا وحالا، وكذلك سائر شرائع الإسلام المتعلقة بالعبادات والمعاملات والأخلاق.

كما أن ثمار تلك العبادات تتجلى في علاقات الجماعة بعضِهم مع بعض؛ من ملازمة الصدق والأمانة والمحبة والإيثار، وترك الجدال والرفث والفسوق وقول الزور، وأكل أموال الناس بالباطل، كما دلت على ذلك نصوص كثيرة قرآنا وسنة.

ومن ثم اقتضت حكمة الشريعة قيام نظام يحفظ الجماعة في قيمها ومبادئها، ويصون وحدتها، ويحمي اختياراتها وثوابتها، لأن الأمة لا تقوى بكثرة عددها، وإنما تقوى باجتماع كلمتها، وتراحم أفرادها وتعاون أبنائها، فإذا دب -لا قدر الله- بينهم التنازع ضعفت، وإذا اعتصمت بحبل ربها علت، وأكرمها بالعزة والتمكين، وذلك ما سيكون موضوع الخطبة المقبلة بإذن الله تعالى.

ألا فاتقوا الله -عباد الله-، وأكثروا من الصلاة والسلام على مسك ختام النبوات، مرفوع الذكر في الأرض والسماوات، سيدنا محمد ﷺ، فاللهم صل وسلم وبارك وأنعم على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت وباركت وأنعمت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن خلفائه الراشدين المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحابة من المهاجرين والأنصار الجامعين لأمر الأمة، والناصحين لها في السر والعلانية، وعن التابعين لهم، وعنا معهم بمحض فضلك وكرمك يا رب العالمين.

وانصر اللهم من استرعيته أمر عبادك، وجعلته ظلا وارفا على بلادك، وجمعت به أمر الأمة على الخير، لصالح الدنيا والدين، ناصحا لشعبه في المحافظة على دينه ووحدته وقيمه وثوابته، مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، اللهم بارك له في الصحة والعافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب، صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.

وتغمد اللهم برحمتك الواسعة، ومنتك السابغة، الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجزهما خير ما جزيت محسنا عن إحسانه، وناصحا لأمته وشعبه.

اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واجعلنا متناصحين، متعاونين على البر والتقوى، متحابين فيك في السر والنجوى.

اللهم ارحمنا وارحم والدينا، وارحم موتانا وموتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وعاف مبتلانا ومبتلى المسلمين، وتوفنا غير خزايا ولا مفتونين.

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

[1] . آل عمران 102-103.

[2] . الأحزاب 72.

[3] . صحيح البخاري، كتاب الأحكام باب قول الله تعالى: “وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي  الأمر منكم” 9/62. رقم الحديث بالمنصة 9162.

[4] . الأنبياء 91.

[5] . الأنعام 154.

[6] . آل عمران 104-105

[7] . مسند الإمام أحمد 30/392.

[8] . صحيح البخاري، كتاب الصوم باب قول النبي ﷺ: “إذا رأيتم الهلال فصوموا” 3/27. رقم الحديث بالمنصة 1619.