الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ومن اتبع سنته وهداه.
وبعد،
فأُحِبُّ اليوم أن أُحَدِّثَ السادةَ الأئمة الفضلاء بحديث يهم الاهتمام بالصحة العامة؛ كما أوصى مشروع خطة تسديد التبليغ التي يعمل على تنزيلها علماء الأمة الآن، والحديث يتناول موضوع الاعتدال في الأكل، وهو ما يعكس اهتمام الإسلام بالتغذية العامة، والحديث يحث على الاقتصاد في الطعام والاعتدال فيه، وتجنب الإسراف الذي يسبب أضرارًا بدنية ونفسية واجتماعية شتى، وذلك وفق منهج الإسلام الوسطي العام الذي يدعو الأمة إلى الاعتدال والوسطية في كل شيء، وكذلك جعلناكم أمة وسطا.
نص الحديث وتخريجه:
فعن مِقْدَام بنِ مَعْدِي كَرِب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ، بحسبِ ابنِ آدمَ أُكْلَاتٌ يُقِمْنَ صُلبَهُ، فإن كان لا محالةَ: فثلُث لطعامِه، وثُلُثٌ لشرابِه وثُلُثٌ لنفَسِه”.
أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزهد، باب ما جاء في كراهيةِ كثرة الأكل، حديث رقم 2380، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه كذلك أحمد في المسند، والنسائي وابن ماجة في السنن.
ترجمة الصحابي راوي الحديث:
المِقْدَامُ بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ بن عمرو بن يزيد بن معد يكرب بن سَيَّار بن عبد اللّه بن وهب بن ربيعة بن الحارث بن معاوية بن ثور بن عُفَير الكندي.
اختلف في كنيته: فقيل: أَبُو كَرِيمَةَ، وقيل: أَبُو يحيى، ويقال: أَبُو يَزِيد، ويقال: أَبُو صَالِحٍ، وَيُقَالُ: أَبُو بِشْرٍ.
وهو صحابي جليل، نزل حمص في الشام، وهو أَحد الوَفْد الذين وفدوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من كِنْدة، له عدة أحاديث عن النبي ﷺ، روى عنه ابنه يحيى، وحفيده صالح، وخالد بن مَعْدان، وحبيب بن عبيد، والشعبي، وشريح بن عبيد، وغيرهم، توفي رضي الله عنه سنة سبع وثمانين (87 هـ)، وهو ابن إحدى وتسعين سنة[1].
شرح الحديث:
الشرح اللغوي:
· الوعاء: المراد به البطن أو المعدة.
· شرًّا: أي ضررًا أو فسادًا.
· أُكْلات أو لُقَيْمات يُقمن صلبه: أي كميات قليلة تكفي لدوام الصحة والقدرة على العمل.
· ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه: قاعدة واضحة للوسطية والاعتدال.
الشرح الشرعي:
هذا الحديث الشريف من جوامع كَلِمِه صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خُصَّ بجوامعِ الكلِم وبدائعِ الحِكَم؛ كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بُعِثْتُ بجوامع الكَلِم”[2]، ومعنى ذلك أن الله تعالى جمع له أشتات العلوم والحِكَم، وما يُمْكِنُ أن يُكْتبُ ويُبْسَطُ في كُتُبٍ ومجلدات كثيرة؛ في كلمة أو شطر كلمة يَنْطِقُ بها، ولهذا أورد هذا الحديث المؤلفون في جوامع كلِمه صلى الله عليه وسلم في تصانيفهم؛ وعلى رأسهم الإمام ابن رَجَب في كتابه: “جوامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جَوَامِعِ الكَلِم” حيث قال في شرح هذا الحديث: “وهذا الحديث أصلٌ جامعٌ لأصول الطب كلها، وقد رُوِيَ أن ابن ماسويه[3] الطبيب لَمّا قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة[4] قال: لو اسْتَعْمَلَ الناس هذه الكلمات لَسَلِمُوا من الأمراض والأسقام، ولَتَعَطَّلَت المارستانات ودكاكين الصيادلة، وإنما قال هذا لأن أصل كل داء التُّخَم… وقال الحارثُ بنُ كَلَدَة طبيبُ العرب: الحِمْيَةُ رأس الدواء، والبِطْنِةُ رأسُ الدَّاء… وأمَّا مَنَافِعُهُ بالنسبة إلى القلبِ وصَلاَحِه فإن قِلَّةَ الغذاء تُوجِبُ رِقَّةَ القلب، وقُوةَ الفهم، وانكسارَ النفس، وضعفَ الهوى والغضب”[5].
والحديث يحث على الاعتدال في الطعام، ويُعتبر من قواعد الزهد التي جاءت لتقويم النفس البشرية من التبذير والإسراف، ويبين الحديث أن الاقتصاد في الأكل يحفظ الصحة ويزيد البركة، ويُوَافِق قوله تعالى: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْۖ وَلَا تُسْرِفُوٓاْۖ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ اُ۬لْمُسْرِفِينَۖ} [الأعراف: 29].
الفوائد الشرعية:
1. الحث على الاعتدال والوسطية في كل الأمور؛
2. توجيه الإنسان نحو الحفاظ على صحته البدنية؛
3. حماية النفس من الكسل والخمول الناتج عن الإفراط في الطعام.
الفوائد والحكم:
الفوائد الصحية:
· تقليل الإفراط في الطعام يمنع السمنة والأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم؛
· الاعتدال يحافظ على نشاط الجسم وقدرته على العمل؛
· تنظيم الطعام وفق الحديث يؤدي إلى راحة المعدة والأمعاء وتحسين الهضم.
الفوائد الروحية:
· الاعتدال في الطعام يعزز التقوى والسيطرة والتحكم في الشهوات؛
· يحفظ الإنسان من الانغماس في الملذات الدنيوية؛
· يقوي الجانب النفسي والأخلاقي، إذ يرتبط بالاعتدال في جميع شؤون الحياة.
الفوائد الاجتماعية:
· الحد من الإسراف في الطعام يساهم في ترشيد الموارد وحماية البيئة؛
· تحفيز المجتمع على المشاركة والكرم والإيثار.
الأحكام المستنبطة:
الأكل من حيث الحكم على أقسام:
واجب: وهو ما به تُحفظ الحياة ويؤدي تركه إلى ضرر،
وجائز: وهو ما زاد على القدر الواجب ولا يُخشى ضرره،
ومكروه: وهو ما يُخشى ضرره،
ومحرم: وهو ما يُعلم ضرره،
ومستحب: وهو ما يُستعان به على عبادة الله وطاعته.
وقد أجمل ذلك في الحديث في ثلاث مراتب: أولها: ملء البطن. ثانيها: أكلات أو لقيمات يقمن صلبه. ثالثها: قوله: «ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» وهذا كله إذا كان جنس المأكول حلالًا.
وجوب الاعتدال في الأكل وترك الإفراط؛
مراعاة صحة الإنسان، فهي من مقاصد الشريعة، ولهذا قال بعض الأصوليين في قواعد الرُّخَص الاستثنائية: صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان؛
الأخذ بالنصائح النبوية في الغذاء كأساس للتربية الفردية والاجتماعية.
من فوائد الحديث:
لملء البطن من الطعام أضرار بدنية ودينية، قال عمر رضي الله عنه: “إياكم والبطنة، فإنها مفسدة للجسم ومكسلة عن الصلاة “.
الحديث قاعدة من قواعد الطب، وحيث إن علم الطب مداره على ثلاثة أصول: حفظ القوة والحمية والاستفراغ، فقد اشتمل الحديث على الأوَّلَيْن منها.
كمال هذه الشريعة حيث اشتملت على مصالح الإنسان في دينه ودنياه.
من علوم الشريعة أصولُ الطب وأنواع منه، كما جاء في العسل والحبة السوداء، والحجامة، والكيّ، وغير ذلك.
اشتمال أحكام الشريعة على الحكمة، وأنها مبنية على درء المفاسد وجلب المصالح.
الخلاصة:
يُعد حديث المقدام بن معدي كرب: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه» مثالاً واضحًا على الوسطية في الإسلام، وعلى أن الاعتدال في الطعام ليس مجرد قاعدة صحية، بل نهج حياتي متكامل يجمع بين الصحة البدنية، والنفسية، والروحانية، والاجتماعية، والعناية بهذا الحديث يساهم في إصلاح الفرد والمجتمع، ويجعل الإنسان أكثر وعيًا بما يفعل، وأكثر قدرة على تنظيم حياته وفق مبادئ الإسلام السمحة
[1] – انظر ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، ج6/ص 249، رقم الترجمة (8065)، طبعة دار الكتب العلمية – بيروت، (تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض)، سنة 1995م.
[2] – أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: نُصرتُ بالرعب مسيرة شهر، ومسلم أول كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
[3] – يوحنا بن ماسويه (ابن ماسويه) (توفي بسامراء 243 هـ / 857 م)، أبو زكريا يوحنا بن ماسويه الخوزي، طبيب نصراني سرياني، عربي المنشأ، يعد من أشهر أطباء العصر العباسي، وأحد مؤسسي الطب العربي – الإسلامي، وتولى رئاسة بيت الحكمة، خدم عدداً من الخلفاء العباسيين، بدءاً من هارون الرشيد، ثم الأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، عهد إليه هارون الرشيد بترجمة الكتب الطبية القديمة التي جُلبت من بلاد الروم، وكان أول من وصف مرض الجذام، وتفوق في طب العيون، وأسس كلية للطب في بغداد، انظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان، الجزء الثاني، ص: 138-140 ، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، 1978م، بيروت – لبنان.
[4] – زهير بن حرب بن شداد النسائي البغدادي، أبو خيثمة، محدث بغداد، صاحب كتاب العلم، وكتاب التاريخ الكبير الذي يُعد موسوعة في الحديث النبوي وتراجم الرواة، إمام حافظ ثقة، حجة، ثبْت، من أكابر شيوخ الإمام مسلم، ومن تلاميذه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابنه أبو بكر بن أبي خيثمة، وأبو يعلى الموصلي، وبقي بن مخلد القرطبي، توفي سنة 234 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء – الطبقة الثانية عشرة، لشمس الدين الذهبي، مؤسسة الرسالة، ج 11، ص 508-510 (ترجمة رقم: 2091)، وتهذيب الكمال في أسماء الرجال، للمزي، ج 9، ص: 418-421، (الطبعة الأولى)، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1400هـ-1980م.
[5] – جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، لابن رجب الحنبلي البغدادي، ج3/ص1238-1239، تحقيق: الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، دار السلام، القاهرة، ط2، 1424هـ-2004م.
