جارٍ تحميل التاريخ...

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

السلام عليكم ورحمة الله أيها السادة الأئمة الكرام.

في هذه الحصة نتناول باختصار من غير تطويل ولا تفصيل مسألة من المسائل التي تعرض للباحث فيما يتعلق بالقواعد الفقهية، وهي قضية كون القاعدة الفقهية حجة أوْ لا.

حجية القواعد الفقهية:

معلوم أن الفقه مبني على أدلته، وأدلته معروفة هي الكتاب والسنة والإجماع من المتفق عليها، ثم الأدلة المختلف فيها على ما هو مبسوط في كتب الأصول…

يقابل هذه الأدلة ما نسميه بالفروع أو الفقه بالمعنى الإسمي لا المصدري، وهذا الفقه هو قسمان: أحكام جزئية مستنبطة من الأدلة التفصيلية، وأحكام كلية كذلك مستنبطة، وهذه الأخيرة هي القواعد الفقهية، فهل يكون قسم الشيء لا قسيمه أصلا للقسم الآخر منه؟

والنص السابق عن الإمام القرافي لا يستلزم كونها قسما من الأصول بمعنى الأدلة، بل بمعنى أنها تضم أحكاما وترشد إليها، نعم هناك قواعد فقهية تذكر ضمن الأصولية وإن اشتهرت بين الفقهاء، كما أن هناك مباحث في الأصول هي من اختصاص الفقهاء ولو أنها في كتب الأصول، فالإطلاق الخاص، غير الإطلاق العام، وذلك كمسألة النص والظاهر عند أهل العلم ففي الإطلاق العام يندرج الظاهر في النص وتعد الظواهر نصوصا، وفي الإطلاق الخاص لا يسمى الظاهر نصا.

وكذا ما ينقل عن السبكي من أن أصول مذهب إمامنا مالك تزيد على الخمسمائة سببه عبارة القرافي في مقدمة الفروق وعدد ما ذكره من القواعد فيه – ومنها الأصولية والفقهية – فأطلق الأصول على القواعد الفقهية مجازا وتغليبا.

فيناقش بعض الباحثين حجية القواعد الفقهية ويذكرون في الموضوع ما ينسبونه لبعض الفقهاء من المتأخرين ومن على شاكلتهم وهكذا نجد من بينهم من ينسب حجية القاعدة الفقهية للإمام القرافي وغيره، وهنا يمكن التسليم بأمور وهي:

1 – اتفقوا على أن القاعدة الفقهية حجة إذا كانت عين الدليل كالنص نحو قاعدة   لا ضرر ولا ضرار“. وهذا من التقعيد بالنص إذ جرت مجموعة من النصوص الشرعية مجرى القواعد فهي حين ذاك نصوص قبل أن تكون قواعد بالاعتبار، فحجية القاعدة هنا من كونها نصا – أي بمعناه العام – لا من كونها قاعدة.

2 – تكون كذلك أنها حجة تشبه الأدلة إذا كانت مشهورة الأصل الذي استندت إليه كالقواعد الخمس الكبرى، فلشهرة أصولها ذكروا أنها قواعد تشبه الأدلة في ألقاب للأدلة التي استنبطت منها، وقد أشار العلامة البناني في حاشيته على شرح الجلال المحلي إلى سبب ذكر ابن السبكي للقواعد الخمس الكبرى بعد الأدلة المختلف فيها فأشار في حاشيته إلى أنها تشبه الأدلة.

وذلك لشهرة أصولها وانعقاد الإجماع عليها وإن اختلف في منهج إعمال بعضها.

3 – يقال كذلك أيضا: إن القاعدة الفقهية التي أصلها استقراء تام حجة لقوة دليليها لأنه واقع لا يرتفع، وقد بنى الشاطبي كون الشرع قاصدا المحافظة على المراتب الثلاث من مراتب المقاصد على الاستقراء كما ذكر في المسألة التاسعة من النوع الأول في مبحث المقاصد. 

أما إذا بُنيت على استقراء ناقص ولم تكن عين الدليل ولم يشتهر أصلها ففيها الأقوال الآتية:

ــ أنها غير حجة وهو منسوب لابن دقيق العيد من أئمة الإفتاء بمذهبين؛

ــ أنها حجة وهو منسوب لابن عبد البر والقرافي وآخرين.

ويبدو أن الأظهر عدم حجيتها لما يلي:

أننا نشترط لصحة القاعدة الفقهية أن يكون لها أصل يشهد بصحتها، فهي إذا مستنبطة والمستنبط لا يستنبط منه، ومسألة التخريج والقياس على ما ثبت بالقياس شيء آخر. وكلام من نسب إليهم الاحتجاج بها جله يحتمل التأويل بإرادة القواعد بمعنى الأصول أو القواعد الأصولية.

فما نسب لابن فرحون مما ذكره في ترجمة ابن بشير – كما سبق ذكره في إحدى حصص الميثاق – غير صريح في حجية القواعد الفقهية، أو يقصد بذلك منها ما كان من التقعيد بالنص، أو الخمس الكبرى…  وكلامه في الدِّيباج المُذَهَّب، وكذلك كلام القرافي في الإحكام في المواضع التي ينقض فيها الحكم، وهو أنه ينقض إذا خالف الإجماع أو النص السالم من المعارض أو القياس الجلي أو القواعد العامة، لا يفهم منه القواعد الفقهية وإنما يعني القواعد التي يطلق عليها لفظ القياس في الشريعة الإسلامية كقاعدة درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، أو بعض القواعد ذات الشهرة الدالة على أصولها كقاعدة الخراج بالضمان أو قاعدة ليس لعرق ظالم حق

وكذا ما نسب لابن عرفة من حجية القواعد قد يقصد بها قواعد الأصول.

هذا وينبغي للفقيه تأمل سياق الكلام وسباقه لمعرفة مقصود كل متكلم وإطلاقه.

 

بارك الله فيكم وفي عملكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.