جارٍ تحميل التاريخ...

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأكملان الأتمان على أشرف خلق الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فيعد فقه السيرة النبوية من أهم الفنون المعرفية التي تقربنا من حياة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم لفهم سياقات الأحداث، ودرك أسرارها وما فيها من دروس ومستفادات، وما أحوج الأمة اليوم إلى هذا النوع من الفقه لتجلية الحقائق واستمداد الفوائد التي تكون للأمة عونا على الوعي بواقعها، وما يعج به من مشكلات وأزمات.

ومن الأحداث العظيمة في حياة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، حدث صلح الحديبية، فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة لأداء العمرة، وساق معه الهدي ليشعر الناس أنه لا يريد حربا، كما ذكر رب العزة سبحانه :{ لَّقَدْ صَدَقَ اَ۬للَّهُ رَسُولَهُ اُ۬لرُّءْي۪ا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ اَ۬لْمَسْجِدَ اَ۬لْحَرَامَ إِن شَآءَ اَ۬للَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ
لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحاٗ قَرِيباًۖ
} [الفتح: 27]، غير أن قريشا أساءها ما رأت من المسلمين، فهرعوا يحشدون جمعهم لملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، فكان من نتائج ذلك التقاء الطرفين بالمكان المسمى الحديبية، والتفاوض في شأن إبرام صلح يوقف الحرب بينهما، ويؤسس لمرحلة جديدة في التعامل، فتم من أجل ذلك عقد صلح الحديبية الذي تضمن بنودا من أهمها:

·       التزام الهدنة لمدة عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض؛

·       رد المسلمين من جاءهم من قريش مسلما دون علم أهله، وعدم رد قريش من يأتيها مرتدا؛

·       دخول من شاء من القبائل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده، ودخول من شاء في عقد قريش وعهدهم؛

·       رجوع النبي صلى الله عليه وسلم عن مكة عامه ذاك وعدم دخولها، على أن يعود العام القابل فيعتمر، وعلى قريش أن تخرج من الحرم ليدخله النبي صلى الله عليه وأصحابه دون سلاح إلا سلاح الراكب، ويمكث في مكة ثلاثة أيام؛

·       ترك المؤاخذة بما سبق بين الفريقين من أسباب الحرب وغيرها، والتزام الصلح بتفادي كل ما من شأنه أن يسبب في الحرب من جديد.

ويبدو من ظاهر هذه البنود أنها خادمة لقريش، وليست لصالح المسلمين، غير أن الواقع أكد أن سياسة النبي الكريم كانت ناجعة بما تبدى من نتائج معززة للوجود الإسلامي، كما يظهر من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “فأتيت النبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى. قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا قال: إني رسول الله. ولست أعصيه وهو ناصري، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام. قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا قال: أيها الرجل إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنه سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام. قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. [1]

والناظر في حيثيات صلح الحديبية وما نجم عن ذلك، يخلص إلى جملة مستفادات نذكر في هذه الحصة اثنين منها، وهما: أهمية الصلح، والتربية بالقدوة.

المستفاد الأول: أهمية الصلح.

إن من أهم أوصاف الصلح التي وردت في آي الذكر الحكيم قول الله عز من قائل في شأنه: {وَالصُّلْحُ خَيْرٞۖ} [النساء: 127]، ولا سيما إذا كان مؤديا إلى السلم، وإحقاق الحق، وإقامة العدل، كما قال تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اَ۬للَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ اَ۬لسَّمِيعُ اُ۬لْعَلِيمُۖ} [الأنفال: 61]، وهو المعنى ذاته الذي أشار إليه النبي الكريم بقوله صلى الله عليه وسلم: “أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية “.[2]

وإنما أكد الشرع على هذا النوع من الصلح بالاعتبارات المذكورة، لما في ذلك من مصالح مرجوة ومنافع مقصودة، لعل أبرزها فتح مكة وإسلام أهلها ودخول الناس في دين الله أفواجا.

قال  الإمام النووي رحمه الله: “قال العلماء: والمصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة، التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها كلها، ودخول الناس في دين الله أفواجا، وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبي صلى الله عليه وسلم كما هي، ولا يحلون بمن يعلمهم بها مفصلة، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين وجاؤوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة، وحلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مفصلة بجزئياتها، ومعجزاته الظاهرة وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، فمالت نفوسهم إلى الإيمان حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازداد الآخرون ميلا إلى الإسلام، فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم لما كان قد تمهد لهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي. قال تعالى:  {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اُ۬للَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ اَ۬لنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِے دِينِ اِ۬للَّهِ أَفْوَاجاٗ} [النصر: 1-2]” .[3]

المستفاد الثاني: التربية بالقدوة الحسنة

إن من أهم الأساليب التربوية الفعالة التي تؤثر في العقول وتأسر القلوب، أسلوب التربية بالقدوة الحسنة، حيث يكون المستهدف أسرع قابلية للاستجابة، وأكثر تأثرا بالمعنى الذي يراد له أن يتمثله ويستلهمه.

وقد سلك النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب في هذا الحدث عندما تردد بعض أصحابه في التحلل، بسبب تأثرهم العميق بظاهر بنود صلح الحديبية، التي رأوا فيها تنازلا منهم، وإجحافا في حقهم، حيث أشارت عليه زوجه أم سلمة بأن يتحلل هو أولا، ففعل، وهو ما جعلهم يقبلون على التحلل اقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم.

قال الزهري قال عمر: لما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال. فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك، اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك، فيلحقك، فخرج، فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل غما.[4]

إن هذا المسلك التربوي الذي سار عليه النبي الكريم في صلح الحديبية، هو الذي تحتاجه الأمة اليوم في جميع الميادين، لأنه أجدى وأنفع، حيث يجد الناس أمامهم قدوات شاخصة، وقد تحقق فيها ما تدعو إليه من قيم وأخلاق ومبادئ، مما ييسر عليهم التأسي بها، والسعي في الارتقاء إلى مقاماتها العلية ودرجاتها السنية، ومن أجل ذلك دعا الشرع الحنيف إلى مطابقة الأفعال للأقوال تجنبا لوعيد الله تعالى في حق من حاد عن هذه المطابقة بقوله عز وجل: {يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَۖ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اَ۬للَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَۖ} [الصف: 3].

ومما ذكر في هذا الصدد من حياة سلفنا الصالح أن الشافعي أدخل يوما إلى بعض حجر هارون الرشيد ليستأذن على أمير المؤمنين، ومعه سراج الخادم، فأقعده عند أبي عبدالصمد، مؤدب أولاد الرشيد، فقال سراج للشافعي: يا أبا عبدالله، هؤلاء أولاد أمير المؤمنين، وهو مؤدبهم، فلو أوصيته بهم، فأقبل الشافعي على أبي عبد الصمد، فقال له: “ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تركته، علمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روهم من الشعر أعفه، ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجنهم من علم إلى غيره حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم”[5]، وهذا ما انتبه عليه علماء التربية الحديثة بإيلائهم لأهمية قصوى في التربية بالقدوة الحسنة بتسميات متنوعة كالتربية بالنظير وغيرها.

إن مما يتعين على المبلغين القيام به في هذا الصدد، اهتبال موضوع التربية بالقدوة الحسنة في دروسهم وخطبهم ومواعظهم، ببيان أهميته ونتائجه على الفرد والجماعة، وإبراز وظيفة الأسرة والمسجد والمدرسة والإعلام، وغيرها من مختلف المؤسسات، في تضافر جهودها للقيام بالتبليغ المنشود، وإنجاز الإصلاح المقصود.

نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يهدينا للتي هي أقوم.

أقول ما تسمعون، والحمد لله رب العالمين.

 



[1] _ صحيح البخاري، كتاب التاريخ والسير، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط.

[2] _ صحيح البخاري، كتاب التمني، باب كراهية تمني لقاء العدو، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب باب كراهة تمنى لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء.

[3] _ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ج12/ 140، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة الثانية 1392هـ.

[4] _ صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط.

[5] _ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم 9/147، دار الكتاب العربي – بيروت ، الطبعة الرابعة 1405.