
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة ليوم 17 محرم 1448هـ الموافق لـ 3/7/2026م
«اَلتَّكَافُلُ الِاجْتِمَاعِيُّ فِي الْإِسْلَامِ وَدَوْرُهُ فِي تَقْوِيَةِ أَوَاصِرِ الْمَحَبَّةِ وَالْإِيثَارِ»
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل التكافل دعامة المجتمعات، وأثاب عليها بجزيل الإحسان وغفران السيئات، نحمده تعالى على ما أنعم، ونشكره على ما أولى وأكرم، ونشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين القائل في محكم التنزيل:
﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى اَ۬لْبِرِّ وَالتَّقْو۪ىٰ﴾[1].
ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، القائم بحق الله في قرى الضيف، وكسب المعدوم، وكفالة اليتيم، وإغاثة اللهفان، والإعانة على نوائب الحق، صلى الله وسلم عليه صلاة وسلاما يَفِيان ببعض حقِّه ومقدارِه العظيم، وعلى آله الشرفاء، وصحابته الأوفياء، المتضامنين على نصرة الحق ومساعدة الخلق، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فيقول النبي ﷺ:
«مَثَلُ الْمُؤْمِنينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»[2].
ويقول ﷺ:
«اَلْمُؤمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ؛ يَشُدُّ بَعْضَهُ بَعضًا، وشَبَّكَ ﷺ بَيْنَ أَصَابِعِهِ»[3].
عباد الله؛ في هذين الحديثين يبين الرسول ﷺ بضرب المثل أهمية علاقة المؤمن بأخيه، وأن المؤمنين كالجسد الواحد تترابط أعضاؤه وتتكامل، وعند نزول النوائب تتداعى وتتعاون، كما شبه حاجة المؤمن لأخيه بالبنيان الذي لا يستقيم ولا يصمد إلا بتشابك أجزائه، وزاد ﷺ بيانا تمثيليا بتشبيك بين أصابعه.
وهذا يجلي معنى التكافل في الإسلام، وأنه التعاون على البر والتقوى، وأنه لا ينحصر في العطاء المادي، كما سبقت الإشارة إليه في الخطبة الماضية، ولا في حدود إخراج الزكاة المفروضة على أهميتها ومنزلتها العظيمة في الإسلام، وإنما يتجاوز ذلك إلى المواساة المعنوية، والشعور بأحاسيس الآخرين، وإشعارِهم بأن المجتمع بجانبهم.
وهذا يتجلى في سيرة الرسول ﷺ، التي أكدت الرسالة الملكية إلى المجلس العلمي الأعلى على الاقتباس منها، والتحلي بجميل شمائلها في كل المواقف، إذ لم يكن النبي ﷺ يدع مناسبة إلا ويُنَبِّه فيها على أهمية التعاون والرفق بالآخرين، ويُشِيد بمَنْ كانت هذه أخلاقهم في مثل قوله ﷺ:
«اَلْمُؤمِنُ الْقَوِيُّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، اِحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ»[4].
إذ في قوة المؤمن نفع له ولغيره، وبراءة من الكسل والعجز الذي يثبط الإنسان ويجعله كَلاًّ على غيره.
ويقول ﷺ مرغبا في التكافل والتضامن، مبينا ثوابه يوم لقاء الله:
«اَلمُسلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَومِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ الْقِيَامَةِ»[5].
كما أثنى ﷺ على قوم يسمون الأشعريين بخُلُق التضامن فقال ﷺ:
«إنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُواْ فِي الْغَزْوِ -أي أصابهم العَوَزُ والحاجة في السفر- أَوْ قَلَّ طَعامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُواْ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ»[6].
فالإيمان يقتضي المحبة، والمحبة تفضي إلى التعاون والتكافل، ولا يقف التكافل في الإسلام عند آصرة الدين، بل يتجاوزها إلى بني الإنسان كلهم، مهما اختلفت مِلَلُهم ونِحَلُهم، لقول الله تعالى:
﴿لَا يَنْه۪يٰكُمُ ا۬للَّهُ عَنِ اِ۬لذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِے اِ۬لدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيٰ۪رِكُمُۥٓ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓاْ إِلَيْهِمُۥٓ إِنَّ اَ۬للَّهَ يُحِبُّ ا۬لْمُقْسِطِينَ﴾[7].
فالبرور والقسط من أعلى درجات الإحسان، وأبرز عناوين الإيمان. وكفى المقسطين فخرا أن الله تعالى يحبهم.
وهكذا -معاشر المؤمنين- ندرك تمام الإدراك حاجتنا إلى التكافل والتضامن فيما بيننا، وفي دوائر علاقاتنا؛ من الأسرة إلى القرية فالمدينة فالدولة، فالمجتمع الإنساني كله. فتكون صفة التعاون ثمرة من ثمار الإيمان.
والمملكة المغربية الشريفة المتشبثة بثوابتها الدينية والوطنية، والمنتظمة في سلك إمارة المؤمنين أنموذج فريد في التكافل الاجتماعي، ومثل يحتذى على مستوى الدول والشعوب، ومظاهره المختلفة في السراء والضراء لا تخطئها العين.
فما زال المغاربة بحمد الله، يتعاهد بعضهم بعضا، ويتراحمون في الشدائد، ويتناصرون في الملمات، حتى غدا التكافل فيهم خلقا متوارثا، وسجيَّةً راسخةً، ومظهرًا من مظاهر التمسك بالدين والوفاء للوطن.
ألا فاتقوا الله، عباد الله؛ والهجوا بحمده وشكره على ما مَنَّ به عليكم من مزايا جليلة، وخصال حميدة، في التكافل الاجتماعي المتجذر في نفوس المغاربة في المجالات المختلفة وعبر ربوع الوطن.
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من البيان والحكمة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الملك الحق المبين، الرزاق ذي القوة المتين، والصلاة والسلام على عين الرحمة، ومنبع الحكمة، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وجميع الأمة.
معاشر المؤمنين؛ إن من غايات العلماء من خلال «خطة تسديد التبليغ» إثارةَ موضوع التكافل الاجتماعي وبيانَ عظمة هذا الخلق النبيل وآثاره الممتدة في نشر المحبة والأمن المجتمعي، وتعزيز السلم بكل معانيه؛ إذ من آثار التكافل الاجتماعي محاربة الشح والأنانية وحب الذات الذي هو الحجاب عن حاجات الآخرين وقضاياهم.
ومنها محاربة الظواهر السلبية في المجتمع خصوصا لدى الشباب، كالمخدرات وأنواع الإدمان المختلفة التي تتولد عن التهميش والإحساس بالإقصاء وعدم الاكتراث بهم، والغفلة عن همومهم واهتماماتهم. مما يسهل للشيطان الاستحواذ عليهم، كما قال النبي ﷺ:
«مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاةُ إِلَّا قَدِ اِسْتَحْوذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ»[8].
والقاصية هي الشاة البعيدة عن القطيع، مما يسهل الانقضاض عليها.
إن أبرز ثمرات التعاون والتآزر بين الناس تقليل الكلف المادية المثقلة لكواهل الأفراد والأسر؛ إذ بالتكافل تسد الحاجات، وتسود المحبة وينتشر الحياء، ويقل الحقد والحسد وإضمار الشر للآخرين. وبذلك تصان الأنفس والأعراض والأموال.
وقوام هذا كله -عباد الله- رهين بنسبة حضور الإيمان في القلوب، ومراقبة علام الغيوب، ومحاسبة النفس حتى تعف عن الآثام والذنوب.
هذا؛ وصلوا وسلموا على نبي الختام، وشفيع الأنام، سيدنا محمد بدر التمام ﷺ، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن خلفائه الراشدين المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب أجمعين، وعن التابعين وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.
وأدم اللهم نصرَك المبين وتأييدَك المتين، على من استرعيته أمرَ عبادِك، وجعلته ظلا وارفا على بلادِك، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، اللهم احفظه بما حفظت به الذكر الحكيم، وأسبغ عليه أرديةَ الصحة وجميلَ العافية، اللهم اكلأه بعينك التي لا تنام، واحفظه في جنبك الذي لا يضام، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب، صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب. واحفظه اللهم في شعبه الوفي، ووطنه الهَنِيِّ، حتى يحقق لهما كل ما يصبو إليه من ازدهار ورقي.
وارحم اللهم برحمتك الواسعة، الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في أعلى عليين.
اللهم ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واجعلنا متكافلين متراحمين متحابين، وعلى الحق متضامنين متعاونين. برءاء من الشقاق وفساد ذات البين، اللهم أصلح شِيبَنا وشبابنا، ورجالنا ونساءنا، وخذ بنواصينا إلى ما يرضيك وترضى به عنا.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[1] . سورة المائدة 3.
[2] . صحيح مسلم كتاب البر والصلة باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم 4/1999. رقم الحديث:2586 رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث النبوي الشريف 4443.
[3] . صحيح البخاري، كتاب الأدب باب تَعَاوُنِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وصحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم 4/1999. رقم الحديث بالمنصة 4442.
[4] . صحيح مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله 4 /2052. رقم الحديث بالمنصة 4545.
[5] . صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم وَلَا يُسْلِمُهُ 3/128. رقم الحديث بالمنصة 4433.
[6] . المصدر نفسه، كتاب الشركة باب الشركة في الطعام والنهد والعروض3/138. رقم الحديث بالمنصة 4318.
[7] . سورة الممتحنة 8.
[8] . سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب التشديد في ترك الجماعة 1/214.
