
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة 10 محرم 1448هـ الموافق لـ 26/6/2026م
«اَلتَّرْغِيبُ فِي وُجُوهِ الْإِنْفَاقِ سِوَى الزَّكَاةِ»
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل الجُودَ والعطاءَ من صفاتِه، ورغَّبَ فيه أولياءَه مِن خلال ما أنزلَ من كريم آياتِهِ، نحمدُه تعالى حمدَ الشاكرين لِنَعْمَائِهِ، المُقِرِّينَ بجليل جودِه وعظيمِ عطائِه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، المُعطي عَطاءَ من لا يخشى الفقرَ، الجوادُ بكل ما يملكُ من نفسٍ ومالٍ، وجاهٍ وشفاعةٍ وكلمةٍ طيبةٍ أو حالٍ. يصدقُ عليه قولُ القائلِ:
ما قال «لا» قطُّ إلاَّ في تَشَهُّدِهِ ۔ لَوْلا التَّشَهُّدُ كَانَتْ لاءَهُ «نَعَمُ»
عَمَّ الْبَرِيَّةَ بالإِحسَانِ فَانْقَشَعَتْ ۔ عَنْها الغَيَاهِبُ والإِمْلاقُ والعَدَمُ[1].
صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطيبين الكرماء، وصحابتِهِ المُؤْثِرِين على أنفسِهم في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، وعلى التابعينَ لهم بإحسانٍ في القولِ والفعلِ والمقاصدِ والنياتِ.
أمَّا بعدُ؛ معاشرَ المؤمنينَ والمؤمناتِ، فيقولُ البارئُ جلَّ وعلا:
﴿مَّثَلُ الذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ اِللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَنْ يَّشَآءُ وَاللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾[2].
عبادَ اللهِ؛ في هذه الآيةِ الكريمةِ ضربَ اللهُ تعالى مثلاً للمُنْفِقينَ أموالَهم في سبيلِ اللهِ بحبَّةٍ غرسَها صاحبُها، فأنبتتْ سبعَ سنابلَ، وفي كلِّ سُنْبُلَةٍ مائةُ حبَّةٍ، فيكونُ المجموعُ سبعمائةِ حبَّةٍ، ولم يقتصرْ جودُ اللهِ تعالى وكرمُه وعطاؤُه عندَ السبعمائةِ، وإنَّما يُضاعفُ لِمَنْ يشاءُ، واللهُ واسعُ العطاءِ والمِنَّةِ، عليمٌ بِمَنْ أخلصَ له النيَّةَ.
إخوةَ الإيمانِ؛ ليستِ الزكاةُ التي تناولتْها الخطبةُ الماضيةُ نهايةَ البذلِ والعطاءِ، بل هي بدايةُ الإنفاقِ وأساسُه وركنُه، وهي واجبةٌ، ثم تتَّسعُ أبوابُ الإنفاقِ والإحسانِ في سبيلِ اللهِ، وقد وردَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ»[3].
وعن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ يقول:
«كَانُواْ -يَعْنِي الصَّحَابَةَ-
يَرَوْنَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ»[4].
يُؤَوِّلونَ في ذلك قولَ اللهِ تعالى:
﴿وَفِے أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾[5].
ودلَّتْ على هذا المعنى آياتٌ قرآنيةٌ كثيرةٌ، وأحاديثُ نبويةٌ عديدةٌ.
وهذا الحقُّ متنوِّعٌ بين الحقوقِ الواجبةِ؛ كحقِّ الوالدينِ والزوجةِ والأولادِ، وكلِّ مَنِ التزمَ المسلمُ بالنفقةِ عليهم، وبين الحقوقِ المندوبةِ والتطوعيةِ؛ كحقِّ الفقراءِ والمساكينِ واليتامى والمحتاجينَ، وغيرِهم ممَّن يُندَبُ العطاءُ لهم، أو يجبُ إذا تعيَّنَ في حقِّ المسلمِ، ولم يجدِ المُعْوِزُ مَنْ يَسُدُّ حاجتَه؛ لذلك قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:
«لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ»[6].
فنفى النبيُّ صلى الله عليه وسلم كمالَ الإيمانِ عمَّن نُزِعَتْ مِن قلبِهِ الرحمةُ، فلا يُحِسُّ بحاجةِ جارِهِ، ولا يَسُدُّها.
والإنفاقُ التطوعيُّ بابٌ مِن أبوابِ محبَّةِ اللهِ تعالى لعبدِهِ، ودليلٌ على حُبِّ العبدِ لربِّهِ، يقولُ اللهُ تعالى في الحديثِ القدسيِّ:
«وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اِسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»[7].
فيكونُ المؤمنُ بالنوافلِ محبوباً عند اللهِ، محفوظاً في جوارحِهِ، مستجابَ الدعوةِ.
والمرادُ بالنوافلِ في هذا الحديثِ كلُّ عبادةٍ غيرِ الفريضةِ مِن صلاةٍ وذِكْرٍ وصيامٍ وصدقةٍ وحجِّ تَطَوُّعٍ وعُمْرَةٍ، وغيرِها مِن أنواعِ البرِّ المُرَغَّبِ فيه. ويدخلُ في معناها كلُّ أوجهِ الإنفاقِ التطوعيِّ.
معاشرَ المؤمنينَ؛ لقد تعدَّدتْ أوجهُ البرِّ والمعروفِ، نذكرُ منها: الصدقةَ، والهبةَ، والوقفَ، والعاريةَ، والهديةَ، والمِنْحَةَ، وغيرَها مِن أبوابِ التطوُّعاتِ المعروفةِ في كتبِ الفقهِ، لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:
«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»[8].
فما على المؤمنِ إلا أن يستحضرَ أنَّ المالَ مالُ اللهِ، وأنَّ الإنسانَ يأتي إلى هذه الدنيا عارياً، ويخرجُ منها عارياً إلا مِن ثوبِ الكفنِ، وغايةُ ما يصيرُ إليه مالُه هو ما بيَّنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قوله:
«يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ -يَا ابْنَ آدَمَ- مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟»[9].
ألا فاتقوا الله -عباد الله-، واشكروه على نعمه يزدكم، واستغفروه يغفر لكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ غافرِ الذنبِ، وقابلِ التوبِ، شديدِ العقابِ، ذي الطَّوْلِ، لا إلهَ إلا هو، إليه المصيرُ، والصلاةُ والسلامُ على أكرمِ خلقِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ وكلِّ مَنْ والاه.
عبادَ اللهِ؛ ليس الإنفاقُ مقتصراً على المادةِ والمالِ، ولكنَّ هناك أنواعاً كثيرةً مِن الإنفاقِ المعنويِّ، فمن وجوهِ الإنفاقِ التي رغَّبَ فيها الشرعُ تعليمُ العلمِ للناسِ، فمعلِّمُ الناسِ الخيرَ ومربِّيهم على الأدبِ وحسنِ الخُلُقِ مِن أكثرِهم إنفاقاً، وأحسنِهم عطاءً، يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم
: «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَداً مِنْ نُحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ»[10].
فسمَّى الأدبَ والتزكيةَ والتربيةَ نِحْلَةً وعطاءً.
والتطبيبُ والعلاجُ إنفاقٌ، وذلك بالتخفيفِ مِن آلامِ المرضى، والوساطةُ في إصلاحِ ذاتِ البينِ إنفاقٌ، والشفاعةُ الحسنةُ إنفاقٌ، وهي التوسُّطُ بين اثنينِ لجلبِ مصلحةٍ أو دفعِ مضرَّةٍ، يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم:
«اِشْفَعُواْ تُؤْجَرُواْ»[11].
ومنها بذلُ السلامِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكرِ، وحسنُ الجوارِ، والاعترافُ بالجميلِ، والكلمةُ الطيبةُ، وتفريجُ الكرباتِ، وإدخالُ السرورِ على المسلمِ، وغيرُها مِن كلِّ قولٍ أو فعلٍ أو حسنِ نيَّةٍ تجاهَ الآخرينَ. وكلُّ هذا مِن ضروبِ الإنفاقِ المعنويِّ.
ومن وجوهِ الإحسانِ، عبادَ اللهِ، كفُّ الأذى عن الناسِ، لما صحَّ عن أبي ذرٍّ رضي اللهُ عنه قال:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟
-يَعْنِي لِإِعْتَاقِهَا-
قَالَ: «أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَغْلَاهَا ثَمَناً». قَالَ: فَإِنْ لَّمْ أَجِدْ؟ قَالَ: «تُعِينُ صَانِعاً، أو تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ».
-وَالْأَخْرَقُ مَنْ لَّا يُحْسِنُ صُنْعاً-
قَالَ: فَإِنْ لَّمْ أَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «تَكُفُّ أَذَاكَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ نَفْسِكَ»[12].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ». قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[13].
أي شرَّه وظلمَه.
فتلخَّصَ -عبادَ اللهِ- مِن كلِّ ما ذُكِرَ أنَّ الإنفاقَ في سبيلِ اللهِ هو بذلُ المعروفِ وكفُّ الأذى عن الناسِ.
ألا فاتقوا الله -عباد الله-، وصلوا وسلموا على الهادي الأمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فاللهم صل وسلم وبارك وأنعم على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، أجود الناس بالخير، وأكثرهم عطاء، وأحسنهم عِشْـرة، وألينِهم عريكة سيدنا محمد، صلاة وسلاما يناسبان قدره العظيم عند الله تعالى.
وارض اللهم عن خلفائه الراشدين المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من الأنصار والمهاجرين، وعلى التابعين لهم وعنا معهم بمحض فضلك يا رب العالمين.
وانصر اللهم بنصرك المبين، وتأييدك المتين، من اصطفيته لخلافة النبوة، في حراسة الدين وسياسة الدنيا، مولانا أمير المؤمنين، جلالة الملك محمداً السادسَ، اللهم احفظه بحفظ كتابك، واشمله بخَفِيِّ ألطافك، واحرسه بعينك التي لا تنام، في جنبك الذي لا يضام، موفور الصحة والعافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب، صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، مشدود الأزر بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.
وتغمد اللهم بواسع رحمتك، وسابغ جود وإحسانك، الملكين المجاهدين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في أعلى عليين مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.
اللهم يا واسع الجود والكرم، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا. وارحمنا وارحم والدينا وارحم من سبقنا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين
والحمد لله رب العالمين.
[1] – البيتان للفرزدق في زين العابدين بن علي وجده صلى الله عليه وسلم.
[2] – البقرة 260.
[3] – سنن الترمذي، أبواب الزكاة باب ما جاء أن في المال حقا سوى الزكاة2/40.
[4] – مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الزكاة، باب من قال: في المال حق سوى الزكاة 2/411.
[5] – الذاريات 19.
[6] – الأدب المفرد للبخاري، باب لا يشبع دون جاره 1/60.
[7] – صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع 8/105. رقم الحديث بالمنصة 4996.
[8] – صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب كل معروف صدقة 8/11. رقم الحديث بالمنصة 9172.
[9] – صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق 4/2273. رقم الحديث بالمنصة 4977.
[10] – سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في أدب الولد 4/298.
[11] – صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة2/113. رقم الحديث بالمنصة 9490.
[12] – مسند أحمد 5/150.
[13] – صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه 8/10. رقم الحديث بالمنصة 60.
