انطلاقا من قوله تعالى:
{قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ اَ۬لذِينَ هُمْ فِے صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَ} إلى قوله تعالى: {اَ۬لذِينَ يَرِثُونَ اَ۬لْفِرْدَوْسَۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ} [المؤمنون: 1-11].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي المصطفى الأمين، وعلى آله وصحابته والتابعين.
أما بعد فيأيها السادة الأئمة الفضلاء؛
سيتواصل الكلام معكم عن صفات المؤمنين وذلك انطلاقا من قول ربنا سبحانه وتعالى في أوائل سورة المؤمنين:
{قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ ١ اَ۬لذِينَ هُمْ فِے صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَۖ ٢ وَالذِينَ هُمْ عَنِ اِ۬للَّغْوِ مُعْرِضُونَۖ ٣ وَالذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَۖ ٤ وَالذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمُۥٓ أَوْ مَا مَلَكَتَ اَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَۖ ٦ فَمَنِ اِ۪بْتَغ۪ىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْعَادُونَۖ ٧ وَالذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَۖ ٨ وَالذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ ٩ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْوَٰرِثُونَ ١٠ اَ۬لذِينَ يَرِثُونَ اَ۬لْفِرْدَوْسَۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَۖ ١١} [المؤمنون: 1-11].
وسنواصل الحديث عن تلك الصفات، في هذه الآيات الكريمات، من خلال عدة وقفات:
الوقفة الأولى: مع الصفة الثانية: {وَالذِينَ هُمْ عَنِ اِ۬للَّغْوِ مُعْرِضُونَۖ}
قال ابن كثير: “وقوله تعالى: {وَالذِينَ هُمْ عَنِ اِ۬للَّغْوِ مُعْرِضُونَۖ} أي عن الباطل، وهو يشمل الشرك كما قاله بعضهم، والمعاصي كما قاله آخرون، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال”[1].
وقد ورد الأمر بالإعراض عن اللغو في نصوص قرآنية عديدة منها:
قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ اُ۬للَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمُۥٓ أَعْمَٰلُكُمْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِے اِ۬لْجَٰهِلِينَۖ} [القصص: 55].
وقوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرَاماٗۖ} [الفرقان: 72].
“والقول في تركيب جملة {هُمْ عَنِ اِ۬للَّغْوِ مُعْرِضُونَۖ} كالقول في {هُمْ فِے صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَۖ}، وكذلك تقديم {عَنِ اِ۬للَّغْوِ} على متعلقه.
وإعَادَةُ اسم الموصول دون اكتفاء بعطف صلة على صلة للإشارة إلى أن كل صفة من الصفات موجبة للفلاح، فلا يتوهم أنهم لا يفلحون حتى يجمعوا بين مضامين الصفات كلها، ولما في الإظهار في مقام الإضمار من زيادة تقرير للخبر في ذهن السامع.
واللغو: الكلام الباطل، كقوله تعالى: {لَا يُوَ۬اخِذُكُمُ اُ۬للَّهُ بِاللَّغْوِ فِےٓ أَيْمَٰنِكُمْۖ} [البقرة: 223]، وقوله: {لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواًۖ} [مريم: 62].
والإعراض: الصد أي عدم الإقبال على الشيء، من العُرض بضم العين وهو الجانب، لأن من يترك الشيء يوليه جانبه ولا يقبل عليه فيشمل الإعراضُ إعْرَاضَ السمع عن اللغو”[2].
الوقفة الثانية: مع قوله تعالى: {وَالذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَۖ}.
قال الإمام ابن كثير: “قوله: ﴿وَالذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَۖ﴾ الأكثرون على أن المراد بالزكاة ها هنا زكاة الأموال مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن أصل الزكاة كان واجباً بمكة، قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: {وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوْمَ حِصَادِهِۦۖ} [الأنعام: 142]، وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا زكاةَ النفس من الشرك والدنس، كقوله: {قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّيٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّيٰهَاۖ} [الشمس: 9-10]، وقد يحتمل أن يكون كِلا الأمرين مراداً، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا والله أعلم”[3].
فالمراد بالزكاة إذن في قوله تعالى: ﴿وَالذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَۖ﴾ وجهان من التفسير معروفان عند أهل العلم:
أحدهما: أن المراد بها زكاة الأموال، وعزاه ابن كثير للأكثرين.
الثاني: أن المراد بالزكاة هنا: زكاة النفس أي تطهيرها من الشرك، والمعاصي بالإيمان بالله، وطاعته وطاعة رسله عليهم الصلاة والسلام، وعلى هذا فالمراد بالزكاة كالمراد بها في قوله: {قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّيٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّيٰهَاۖ} [الشمس: 9-10]، وقوله: {قَدَ اَفْلَحَ مَن تَزَكّ۪ىٰ} [الأعلى: 14]، وقوله: {وَلَوْلَا فَضْلُ اُ۬للَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنَ اَحَدٍ اَبَداٗۖ} [النور: 21].[4]
لكن ذلك لا يمنع أن يكون المعنيان معا مقصودين.
الوقفة الثالثة: مع قوله تعالى: ﴿وَالذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمُ ۥٓأَوْ مَا مَلَكَتَ اَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَۖ فَمَنِ اِ۪بْتَغ۪ىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْعَادُونَۖ﴾
“أي والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا ولواط، لا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، أو ما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَۖ فَمَنِ اِ۪بْتَغ۪ىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ﴾ أي غير الأزواج والإماء ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْعَادُونَۖ﴾ أي المعتدون”[5]، فهذه صفة تتعلق بالعفة.
الوقفة الرابعة: مع قوله تعالى: ﴿وَالذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَۖ﴾
“وقوله تعالى: ﴿وَالذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَۖ﴾ أي إذا أؤتمنوا لم يخونوا، بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك، لا كصفات المنافقين الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”[6].
فذكر – جل وعلا – في هذه الآية الكريمة أن من صفات المؤمنين أنهم راعون لأماناتهم وعهدهم “أي محافظون على الأمانات، والعهود.
والأمانة تشمل: كل ما استودعك الله، وأمرك بحفظه، فيدخل فيها حفظ جوارحك من كل ما لا يرضي الله، وحفظ ما ائتمنت عليه من حقوق الناس، والعهود أيضا تشمل: كل ما أخذ عليك العهد بحفظه، من حقوق الله، وحقوق الناس.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من حفظ الأمانات والعهود جاء مبينا في آيات كثيرة: كقوله تعالى: {اِنَّ اَ۬للَّهَ يَامُرُكُمُۥٓ أَن تُوَ۬دُّواْ اُ۬لَامَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا} [النساء: 57]، وقوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ اُ۬للَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَۖ} [الأنفال: 27]، وقوله تعالى في (سال سائل): {وَالذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَۖ} [المعارج: 32]، وقوله في العهد: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِۖ إِنَّ اَ۬لْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولاٗۖ} [الإسراء: 34]، وقوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِۖ} [المائدة: 1][7].
“والجمع بين رعْي الأمانات ورعْي العهد لأن العهد كالأمانة لأن الذي عاهدك قد ائتمنك على الوفاء بما يقتضيه ذلك العهد.
وذِكْرُهما عقب أداء الزكاة لأن الزكاة أمانة الله عند الذين أنعم عليهم بالمال، ولذلك سميت بحقّ الله، وحق المال، وحق المسكين”[8].
الوقفة الخامسة: مع قوله تعالى: ﴿وَالذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾
“أي يواظبون عليها في مواقيتها كما قال ابن مسعود: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، وفي مستدرك الحاكم قال: الصلاة في أول وقتها، وقال ابن مسعود ومسروق في قوله: ﴿وَالذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يعني مواقيت الصلاة، وقال قتادة: على مواقيتها وركوعها وسجودها، وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة واختتمها بالصلاة”[9].
فالصلاة هي المفتتح وهي المنتهى، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.
الوقفة السادسة: مع قوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْوَٰرِثُونَ اَ۬لذِينَ يَرِثُونَ اَ۬لْفِرْدَوْسَۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَۖ﴾
“جيء لهم باسم الإشارة بعد أن أجريت عليهم الصفات المتقدمة ليفيد اسمُ الإشارة أن جدارتهم بما سيذكر بعد اسم الإشارة حصلتْ من اتصافهم بتلك الصفات على نحو قوله تعالى: {أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدىٗ مِّن رَّبِّهِمْۖ} بعد قوله: {هُدىٗ لِّلْمُتَّقِينَ} إلى آخره في سورة البقرة.
والمعنى: أولئك هم الأحقاء بأن يكونوا الوارثين بذلك.
فبين بقوله: ﴿اَ۬لذِينَ يَرِثُونَ اَ۬لْفِرْدَوْسَۖ﴾ قصداً لتفخيم هذه الوراثة.
والإتيان في البيان باسم الموصول الذي شأنه أن يكون معلوماً للسامع بمضمون صلته إشارة إلى أن تعريف ﴿اُ۬لْوَٰرِثُونَ﴾ تعريف العهد كأنه قيل: هم أصحاب هذا الوصف المعروفون به.
واستعيرت الوراثة للاستحقاق الثابت؛ لأن الإرث أقوى الأسباب لاستحقاق المال، قال تعالى: {وَتِلْكَ اَ۬لْجَنَّةُ اُ۬لتِےٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَۖ} [الزخرف: 72].[10]
فهذا جزاء المتصفين بتلكم الصفات الجليلة – أيها الأئمة الكرام -، وفقني الله وإياكم للاتصاف بها، والسعي لتحصيلها، وجعلني وإياكم من الذين يرثون الفردوس برحمته سبحانه.
آمين، والحمد رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[1] تفسير ابن كثير، ج: 4، ص: 634.
[2] التحرير والتنوير لابن عاشور، ج: 18، ص: 11.
[3] تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ج: 5، ص: 462.
[4] أضواء البيان، ج: 5، ص: 307.
[5] تفسير القرآن العظيم، ج: 5، ص: 462.
[6] المصدر نفسه، ص: 363.
[7] أضواء البيان، ج: 5، ص: 320.
[8] التحرير والتنوير، ج: 18، ص: 17.
[9] تفسير القرآن العظيم، ج: 5، ص: 464.
[10] التحرير والتنوير،ج: 18، ص: 20.
