الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وإماما للمتقين، وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
إخواني الأئمة الفضلاء؛
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ساداتي الأكارم؛ أنتم أهل الآيات القرآنية التي تحث على التذكير والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وتجعلون سورة العصر مرآتكم، فمنها تبصرون، ومن آياتها تسترشدون.
لذلك فكلمتي إليكم في هذا اللقاء المبارك بإذن الله تعالى، من باب التذكير نظرا لما تقومون به في الجماعة سواء في الحواضر أوفي غيرها من دور مهم في مساجدكم، التي تتولون فيها مهمة الخطابة أو الإمامة أو هما معا. ولعلي لا أحتاج تذكيركم بأن لكم تأثيرا كبيرا على الرواد والمصلين، ولكم تأثير إيجابي في توطيد العلاقات الاجتماعية بين هؤلاء الرواد، وتقوية الروابط القلبية بينهم بجميع طبقاتهم ومستوياتهم.
إذا حضرتم نظر إليكم الناس بإجلال وتقدير واحترام، وإذا غبتم سأل الناس عنكم ولا يطمئنون إلى غيركم، وما ذلك إلا ببركة خدمتكم لبيوت الله تعالى وتفرغكم لكتابه العزيز. وعلى هذا الأساس أريد توجيه عناية إخواني الفضلاء إلى مزيد من الاهتمام بموضوع “هموم جماعة المسجد“، لأن الإمام -كما هو معهود فيه- يخالط الناس، ويستمع إلى همومهم، وينصت لقضاياهم، ويفتح صدره لمشاكلهم، فهو القريب من قلوبهم لثقتهم فيه، لكونه محل أسرارهم، التي لا يبوحون بها لأي كان، حتى لأقاربهم.
ونظرا لتفاقم القضايا الأسرية في هذا العصر لأسباب مختلفة ومتعددة يرجع معظمها لتضخم “الكلفة المادية للمجتمع”، وكثرة المتطلبات اليومية التي أضحى معظمها من قبيل الضروري، في الوقت الذي كانت إلى عهد قريب عند عدد كثير من الأسر في غنى عن تلك المتطلبات. التي تسببت في أصناف من المشكلات الأسرية ومن تداعياتها:
كثرة طلبات الطلاق بمحاكم الأسرة، وتفاقَم هذا الوضع، وانعكس ذلك على العش الأسري، فأضحى الأطفال في غالب الأحوال عرضة للضياع، إذ فقدوا الاستقرار النفسي بالدرجة الأولى الذي ينعكس سلبا على التحصيل الدراسي، والتأمين المستقبلي لهم.
إخواني الفضلاء؛
إن استيعاب الإمام لمثل هذه القضايا وتداعياتها كالتطاول على الأصول “الوالدين”، والتفريط فيهما، بدل البر بهما، والعناية بهما، خاصة عند الكبر. وهذه معضلة تستفحل في زماننا هذا بشكل تصاعدي، فتسمع –أخي– من حين لآخر أن دُور الإيواء قد امتلأت بالعجَزة. فلم يجد طالبوا الإقامة مكانا. وهذه الظاهرة النشاز وليدة اليوم ولم تكن من قبل، وما كنا نسمع أن أحدا ترك والديه عرضة للشارع، أو بحث لهما في الإقامة بإحدى دور الرعاية. وإن كانت هذه الدور لها دور كبير في بلادنا، لكن ليست هي الأصل بل الأصل والواجب أن يخفض الأولاد جناح الذل والرحمة للوالدين عملا بما جاء في كتاب الله جل جلاله: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ اَ۬لذُّلِّ مِنَ اَ۬لرَّحْمَةِۖ} [الإسراء: 24].
لذلك وجب تذكير الناس بأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال التفريط في الوالدين. وأصبح لازما ومن أوكد المهمات أن يجعل الإمام نصب عينيه – لتعزيز ثقافته لنفع مجتمعه- كبرى القضايا التي تشغل بال أهل حيه وجماعته مثل:
– كيفية التعامل مع الأسرة والأهل: (حينما نقول: الأسرة تشمل الزوجين والأولاد والوالدين وكل من تجب في حقهم النفقة). فيبين الإمام للناس أن هذا من أهم الحقوق. ويذكرهم بالنصوص الشرعية المؤطرة لهذا الموضوع، سواء منها القرآنية أوالحديثية، فالقرآنية مثل قوله تعالى: {وَقَض۪ىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۖ وَبِالْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰناًۖ} [الإسراء: 23]، فيما يتعلق بالوالدين، وقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِۖ} [النساء: 19]، فيما يتعلق بمعاملة الزوجة، وأما النصوص الحديثية فمثل قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي[1]“. فيقوم سيدي الإمام بشرحه وتبليغه بأسلوب مبسط وميسر لا تكَلفَ فيه ولا تعقيد، وربما تستعمل الدارجة، وغيرُها من لهجات ناحيتك لأن الهدف هو البيان والبلاغ الأمثل.
– وقد ذكرنا غير ما مرة أن الإمام الناجح هو الذي يتقن مهارة التواصل مع حيه وجماعته ويحمل همها، يمسي عليه ويصبح.
– الإمام يجتهد في أن يترك بصمته في حياة الناس ويسعدَهم بنصحه وتوجيهه ورأيه السديد، فيكون بذلك مسهما حق الإسهام في تسديد التبليغ، حيث إن الإمام الذي لا يستهان بدوره في هذا البرنامج العظيم الهادف ليصلح سلوكيات وتصرفات الناس.
– ومما ينبغي كذلك للإمام العناية به والحرص عليه الحديث مع الناس عن مقاصد الشارع الحكيم في بناء الأسرة من خلال مؤسسة الزواج. ويذكرهم بحديث: “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع منكم فعليه بالصوم فإنه له وجاء[2]“.
– كما يركز الإمام على تذكير الناس بأهداف إنشاء الأسرة وهو بث روح المودة والرحمة، فهذا الجانب إذا فقد في العلاقة بين الزوجين محقت البركة وزالت السعادة، وحل محلها النزاع والشقاء.
أيها الفضلاء:
إن معالجة القضايا الأسرية المتقدم ذكرها من لدن الإمام المبلغ الواعظ والمصلح، المربي، الذي يبني النفوس، وينضج العقول، لتجعل منه (الإمام) ليس مؤديا للمهام فقط، بل يرتقي بعمله لأنه اعتبر صاحب رسالة وحامل لواء خطة تسديد التبليغ، كيف لا؟ والإمام أهم حلقة في هذا البرنامج المبارك السديد، وعليه المعول بعد الله تعالى إلى جانب فريق من الأئمة المرشدين والعلماء في القيام بالنصح والتوجيه والمواكبة، حتى يتحقق المبتغى من رسالة المسجد.
هذا خير ما يختم به المقام ويجعل مسك الختام الصلاة والسلام على خير من دعا إلى الله بالقول والحال.
والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل.
