جارٍ تحميل التاريخ...

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، وعلى رأسهم حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ اَ۬لْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحْمَةٞ لِّلْمُومِنِينَۖ} [الإسراء: 72].

السادة الأئمة الكرام؛

إن القرآن بين يدي الإمام شفاء من أسقام الكبر والنفاق والأنانية، وهو الذي يزيل أمراض القلوب ويجلب الهداية وصلاح الأحوال.

حين يقدم الأئمة القرآن للناس فهم يقدمون لهم الرحمة والهدى ويبعدونهم عن الغي والضلال، و “من” هنا للجنس، وليست للتبعيض. ومعناه ننزل من جنس القرآن، وننزل فعل مضارع يدل على التجديد والاستمرارية في تمكين المجتمع من الشفاء والرحمة، وأعظم باب لذلك باب الإمام.

لقد نزل القرآن الكريم في مجتمع مملوء بالأسقام والأمراض والعلل الظاهرة والباطنة، ووجد شرورا لم يعالجها إلا بوصفه شفاء، فإذا عم شفاؤه الناس وتمكن من قلوب الخلق فهما وحفظا وتدبرا وعملا جاءت رحمته بادية، فكأنه أزال المفسدة ليجلب المصلحة، فإذا عاد الناس للخطأ والزلل عاد بهم للشفاء ثم الرحمة.

إن الذي ينقل الناس من المرض إلى الشفاء والرحمة عبر القرآن الكريم هو الإمام وتأثير قراءته على الناس [كيف هي قراءته في الناس؟]، إذ هو أمر مطلوب ومرغوب تحقيقه، ولا يهتدي لهذه المكرمة إلا من أحسن اختيار المقروء في الصلاة والمناسبات بما يناسب مقتضى الأحوال الخاصة بالجماعة وغيرها. ولا يستقيم له الشفاء والرحمة، ولا يكون عونا للناس على ذلك إلا إذا أعانهم على فهم ما يقع من الحوادث فهما يستقيم ويتساوق مع القرآن الكريم حتى يتحقق {هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ} [آل عمران: 138]، أي أن يفهم الناس مجتمعهم وقضاياه بالقرآن الكريم مرشدهم في ذلك إمامهم.

إن الإمام حين يراعي هاته الأحوال ينزل القرآن بلسما على أرواح المستمعين، هو يعيش مع جماعته عبر مقامي الشفاء والرحمة، بهذا يبدد الإمام الحيرة في قلوب الحيارى، والشك في قلوب المرتابين.

حين يقدم الإمام القرآن للجماعة من أجل إصلاح النفوس يقرأ عليهم ما يصلح حالهم إن تخاصموا، ويقرأ عليهم ما يذكرهم بوجباتهم تجاه أنفسهم إن فرطوا، ويقرأ عليهم ما يذكرهم بمقومات الأخوة والمحبة إذا تباغضوا، ويقرأ عليهم ما يحفز أغنياءهم للعناية بفقرائهم إن بخلوا، ويقرأ عليهم ما يرطب قلوبهم عن قسوتها…

لمثل هذا نزل القرآن منجما يساير أغراض الناس وحاجاتهم، ويصلح حالهم حين يقرأ الآيات الواعظة بذلك، وهو يعلم أنه لا يوجد تجمع بشري يخلوا من النواقص الأخلاقية والفردية في مجال المال والسلوك والعلاقات الاجتماعية.

وهو يقر ويجسد هذه الحقيقة يضع بين يدي الناس من الشفاء والرحمة ما ينفعهم ويحرص على معالجة المرضى توددا وملاطفة وصبرا ومصابرة حتى يتم الشفاء وتتبعه الرحمة.

حين يشعر الناس بهذا يعلمون أن الإمام منخرط في هموم جماعته ومصلح لما استطاع منها وإليها سبيلا، وابتعاد الإمام عن جماعة المسجد بأي دعوى يجعله سلبيا أولا، وتبقى بهذا المفسدة فلا تُدفع، والمصلحة فلا تجلب.

إن لحظة توبة الفضيل بن عياض المعروفة والمؤثرة وهو يتسلق الجدار لفعل المعصية وسمع قارئا لم يصل أن يكون إماما يقرأ {أَلَمْ يَانِ لِلذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اِ۬للَّهِ} [الحديد: 15]، فجلبت هذه الآية معاني الشفاء له فقال: بلى قد آن. ثم تظهر معاني الرحمة حتى صار عابد الحرمين وزاهد زمانه. وما كانت هذه الآية لتفعل فيه ما فعلت لولا أن قارئها قرأها بهذه المعاني. فالذكر الحكيم لما يخرج من النفوس الطاهرة والقلوب الصادقة يهدي به الله سبل الرشاد.

عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: {أَلَمْ يَانِ لِلذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اِ۬للَّهِ} [الحديد: 15] إلا أربع سنين[1]. فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول ما أحدثنا[2].  قال الحسن: استبطأهم وهم أحب خلقه إليه[3].

ثم إن القراءة المنضبطة الخالية من اللحن من أعظم الأسباب الجالبة لهذه المعاني، إذ لا يتكلف تكلفا ولا يفرط تفريطا، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط[4]“.

من إجلال الله وتعظيمه أن يكرم الناس حامل القرآن، والعلة في ذلك أنه يحمل إليهم الشفاء والرحمة، وما كان أهل القرآن ليكونوا أهل الله وخاصتَه لولا أن الله يذهب على أيديهم الأمراض ويأتي على أيديهم بالخيور والبركات.

إن الذي ذكرناه من فضل أهل القرآن بقدر ما يجب أن يفهم أنه تشريف وتمييز وتمكين وتوقير ورفع في القدر وعلو في الشأن، فهذا لا يبوئهم هذه مكانة إلا إذا كانوا متواضعين مع جماعتهم حاملين همومها، سابقين لخدمتها، مواظبين على نصحها.

إن أي محاولة من الإمام لإصلاح أحوال الجماعة أو إبقائها على الخير الذي هي فيه تتجاوز الذكر الحكيم أو تتخطاه وتهجره لن تنتج خيرا أو بركة، إذ لولا القرآن العظيم لضاع خير كثير.

إن للاستجابة للإمام بابا عظيما، هو كتاب الله عز وجل، وتكون مؤثرة وناجحة بقدر استدعاء الإخلاص واليقين فيها.

إن الإمام وسيلة الناس لكسر الأقفال والتخلص من الحال التي استنكرها القرآن الكريم في قوله عز وجل: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ اَ۬لْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ اَقْفَالُهَآۖ} [محمد: 25].

مفخرة الإمام أنه يغترف من القرآن مباشرة مع وجود الأدوات والمؤهلات حتى لا يزيغ في فهم أو رأي.

ليس عليك أن تسأل نفسك عن فهم الناس للمعاني بقدر ما عليك أن تشعرهم بها، ولا يكون ذلك مع التلاوة السطحية الخالية من المعنى والقصد، فهي لا تصنع إنسانا شاهدا على الناس ولا قياديا في الخير، ويقع اللوم والعيب على من كان الشفاء والرحمة بين يديه فأبى أن ينتفع وينفع وأغلق حياته دونهما، فيحجب عن أنوار القرآن فيضر حياته ولا يضر القرآن في شيء.

إن الإمام وهو يقرأ القرآن الكريم يكلم الرجال ليعيد لحياتهم مددها ومعناها، ويكلم النساء لتتحقق استجابتهم لله ورسوله، ويكلم الغني ليعطي، والفقير ليعف، والمريض ليشفى، والصحيح ليشكر، والعاقل ليوجه وعيه، والفتى لينشأ على طاعة الله، يكلم الأجير ليخلص، والمستأجر ليفي.

ويكلم جماعة مسجده لتحمل رسالتها وتفهم المقصود من إنزال الكتاب ومن جعل هذا الإمام مبلغا لمعانيه.

سبق معنا في حصة ماضية حديث عن قول الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَ۬لْكِتَٰبَ اَ۬لذِينَ اَ۪صْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَاۖ} [فاطر: 32]، أقرب الناس إلى وصف الاصطفاء هم الأئمة، وهذه منزلة راقية، فلابد من الحذر والاحتياط حتى لا يسلب هذا الاصطفاء منا، ومن مظاهر سلبه أن يسمع الناس القرآن منا سنوات فلا يتحقق لهم الشفاء والرحمة، ومن مظاهره أيضا أن الله جمع خيرا كثيرا في قلب الإمام وبين جنبيه ثم لا يفيض ذلك على جماعة المسجد ومحيطه حزبا راتبا، وحلقة للتحفيظ وقراءة وترتيلا وإصلاحا لأحوال الناس، فيعطل الشفاء وتتعطل معها الرحمة.

إن هذا الإحكام في قوله تعالى: {كِتَٰبٌ ا۟حْكِمَتَ اٰيَٰتُهُۥ} [هود: 1]، وهذا التمسك في قوله عز وجل: {وَالذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَٰبِ} [الأعراف: 170]، فيه حظ كبير للأئمة.

إسماعيل بن أبي حكيم كان عاملا لعمر بن عبد العزيز، وكان قد بعثه لفداء الأسرى في أرض الروم بالضبط في القسطنطينية يقول سمعت أحدا يقول:

أرقت وغاب عني من يلوم ** ولكن لم أنم أنا والهموم

كأني من تذكر ما الأقي ** إذا ما أظلم الليل البهيم

سليم مل منه أقربوه ** وودعه المداوي والحميم

وكم من حرة بين المنقى ** إلى أحد إلى ما حاز ريم 

إلى آخر الأبيات، فقال إسماعيل بن أبي الحكيم حين دخلت عليه فقلت: من أنت؟ قال: أنا الوابصي الذي أخذت فعذبت ففزعت فدخلت في دينهم، فقلت إن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بعثنى في الفداء وأنت والله أحب من افتديته إن لم تكن بطنت في الكفر، قال والله قد بطنت في الكفر، قال: فقلت له أنشدك الله أسلم، فقال: أسلم وهذان ابناي وقد تزوجت امرأة منهم وهذان ابناها، وإذا دخلت المدينة فقال أحدهم يا نصراني وقيل لولدي وأمهم كذلك، لا والله لا أفعل، فقلت له: قد كنت قارئا للقرآن، فقال: إي والله قد كنت من أقرإ القراء للقرآن، فقلت: فما بقي معك من القرآن، قال لا شيء إلا هذه الآية {رُّبَمَا يَوَدُّ اُ۬لذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَۖ} [الحجر: 2][5].

ومن أهم ما يتفادى به الإمام هذا مواظبته على قراءة الحزب الراتب باعتبارها محضنا للمراجعة من جهة، ومحضنا لتعليم الناس وتصحيح قراءاتهم، وترجمة عملية لمنهج التلقي من الصدور إلى الصدور، وقبل هذا وبعده استنانا بالخيرة من الصالحين والعلماء، ثم بعد المواظبة على إقامة الحروف تأتي إقامة الحدود إحكاما وعملا وتعظيما وأسوة حسنة يهتدي إليه الناس عبر الإمام.

إن الشفاء والرحمة يقتضيان من الإمام تعظيم شأن القرآن الكريم وتقدير منزلته وحفظ مكانته من الامتهان، وهذا هو الذي يعظمه في قلوب جماعة المسجد، أما إذا انتهكت حرمته واستعمل في غير ما أنزل له فلن يتحقق به شفاء ولا رحمة.

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 



[1]  صحيح مسلم، رقم الحديث: 3027.

[2]  هذه زيادة في مسند أبي يعلى، رقم الحديث: 5256.

[3]  الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 17/249.

[4]  سنن أبي داوود، رقم الحديث: 4843.

[5]  تاريخ دمشق، ابن عساكر، 8/385-386.