
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة ليوم 26 ذي الحجة 1447هـ الموافق لـ 12 يونيو 2026م
«اَلْهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ دُرُوسٌ وَعِبَرٌ»
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي سنَّ في الكون سننا، وجعل هجرة أنبيائه وأصفيائه إليه طريقا وسننا، نحمده تعالى ونشكره على ما أولانا نِعَماً ومِنَناً، ونعوذ به سبحانه وتعالى وقانا فِتَناً ومِحَناً.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة صدق وإخلاص، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، المهاجر إلى ربه ظاهرا وباطنا، صلى الله وسلم عليه صلاة وسلاما تامين إلى يوم الدين، وعلى آله الطيبين، وصحبه الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان في كل مصر وحين.
أما بعد، معاشر المؤمنين والمؤمنات، فيقول الله تعالى في محكم التنزيل:
﴿اِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذَ اَخْرَجَهُ ا۬لذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اَ۪ثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِے اِ۬لْغ۪ارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنِ اِنَّ اَ۬للَّهَ مَعَنَا﴾[1].
عباد الله؛ في إطار تنزيل مضامين الرسالة الملكية السامية، بمناسبة مرور خمسة عشـر قرنا على ميلاد الرسول الأكرم ﷺ، وبيان النهج الصحيح في التدين السليم الذي تقتضيه خطة تسديد التبليغ، يأتي حديث اليوم عن هجرة النبي ﷺ، وما يستفاد منها من الدروس والعبر.
والحديث عن هجرته ﷺ، حديث عن ميلاد الأمة؛ إذ كان الرسول ﷺ، مبعوثا في مكة المكرمة داعيا إلى الله، سرا وجهارا، ليلا ونهارا، غير أن المشـركين بذلوا كل ما في وسعهم لصدِّه عن دعوته، وآذوا أصحابه بشتى أنواع الإذاية، فأذن له ربه جل وعلا بالهجرة تنفيذا لسنته في خلقه.
فكانت الهجرة بداية جديدة للدعوة، وتمكينا ربانيا لبناء الأمة والدولة، فحصل منها الأثر البالغ في حياة الإسلام والمسلمين، حيث انتقلوا من الضعف إلى القوة، ومن القلة إلى الكثرة، ومن الفقر إلى الغنى، ومن خلالها ظهر المكي والمدني في القرآن الكريم، وانقسمت مضامينه إلى أصول عقدية وشرائع عملية، وظهر فضل الصحابة مهاجرين وأنصارا، إلى غير ذلك من آثار الهجرة في كل مناحي الحياة.
وهذا ما دعا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لاتخاذ الهجرة بداية لتاريخ المسلمين، باعتبارها نقطة انطلاقة لبناء الدولة، وعلَّق على هذا الاختيار الإمام السهيلي، حيث اعتبر ذلك من جليل فقه الصحابة لمعنى قوله تعالى:
﴿لَّمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَي اَ۬لتَّقْو۪ىٰ مِنَ اَوَّلِ يَوْمٍ اَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾[2]،
فاستفاد من قوله تعالى:
﴿مِنَ اَوَّلِ يَوْمٍ﴾
موافقة الصحابة وتوفيقهم لاختيار الهجرة بداية لتاريخ المسلمين[3].
عباد الله؛ لم تكن الهجرة النبوية مجرد تجنب للضغط الذي كان يمارسه المعارضون على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، هروبا من الواقع المعيش، ولكن كانت انحيازا للحق وأهله، ولم تكن بحثا عن الدنيا والسعة فيها، ولكن كانت نصرة للدين الحنيف، كما قال الله تعالى في وصف المهاجرين:
﴿لِلْفُقَرَآءِ اِ۬لْمُهَٰجِرِينَ اَ۬لذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيٰ۪رِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اَ۬للَّهِ وَرِضْوَٰنـــــاً وَيَنصُرُونَ اَ۬للَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ا۬لصَّٰدِقُونَ﴾[4].
فالصحابة المهاجرون لم يكونوا طلاب الدنيا بهجرتهم، ولا كانوا متشوِّفين للحُظوات عند النبي ﷺ، إنما كانوا يبتغون بنصرتهم للدين فضلا من الله ورضوانا، فوسمهم الله تعالى عن استحقاق بالصدق، كما وصف إخوانهم الأنصار المتصفين بالسخاء والجود المتقين للشح والبخل بصفة الفلاح، فقال جل شأنه:
﴿وَالذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالِايمَٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِے صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُوثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُّوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[5].
عباد الله؛ إن الهجرة سنة من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتعني تغييرا للمنكر وتَحولاً نحو الأفضل، وأخذاً بالأسباب، واتباعاً للحق، وتركاً لأهواء النفس وشهواتها، وتجرداً من المألوف السيء، وبحثاً عن الخلق السني.
بارك الله لي ولكم في القرآن المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء وسيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
معاشر المؤمنين والمؤمنات، إن حديث القرآن الكريم عن الهجرة، وبيان السنة لمفهومها الصحيح يدل على أن الهجرة ليست مجرد تحول من بقعة جغرافية مُعيَّنة إلى أخرى، وإنما تَعني السير الدائم والمستمر إلى الله تعالى في الظاهر والباطن، في السِّر والعلن، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُّهَاجِرْ فِے سَبِيلِ اِ۬للَّهِ يَجِدْ فِے اِ۬لَارْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾[6].
ثم بين النبي ﷺ ذلك بقوله:
«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[7].
فهذا الحديث النبوي الشريف حاسم في معنى الهجرة، وأنها ليست مُجرد تَحول، وإنما ترتبط بالمقاصد والنيات، في كل الحركات والسكنات، فيكون المعنى العام للهجرة هجرة ما نهى الله عنه، كما قال النبي ﷺ:
«وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ»[8].
وبهذا يكون المؤمن دائم الهجرة إلى الله تعالى، في فكره وسمعه وبصـره، وقوله وفعله، وعبادته ومعاملته وسلوكه، فيصدق عليه قول النبي ﷺ:
«فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ»
حيث اتحد فعل الشـرط والجزاء، والمعنى: فمن كانت أعماله خالصة لله تعالى، كان جزاؤه عند الله جل وعلا ثوابا وأجرا عظيما.
ألا فاتقوا الله -عباد الله-، وأخلصوا له في أعمالكم تكونوا من الفائزين، وأكثروا من الصلاة والسلام على ملاذ الورى في الموقف العظيم، فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد في الأولين، وصل وسلم على سيدنا محمد في الآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وعن باقي الصحب أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وعنا معهم بمحض فضلك وجميل عفوك يا رب العالمين.
وانصـر اللهم من وليته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المومنين، جلالة الملك محمدا السادس، نصـرا عزيزا تعز به الدين، وترفع به راية الإسلام والمسلمين، اللهم احفظه في جنبك الذي لا يضام، واحرسه بعينك التي لا تنام، وبارك له في الصحة والعافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب، صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، مشدود الأزر بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.
وتغمد اللهم بواسع رحمتك، وعظيم جودك وإحسانك الملكين المجاهدين؛ مولانا محمدا الخامس ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما وأكرم مثواهما، واجزهما خير ما جزيت محسنا عن إحسانه.
اللهم ارحمنا وارحم آباءنا وأمهاتنا، وسائر موتانا وموتى المسلمين، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة والنجاة من النار.
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
- [1] . التوبة 40.
- [2] . التوبة 109.
- [3] . يراجع الروض الأنف بناء مسجد قباء، 4/155.
- [4] . الحشر 8.
- [5] . الحشر 9.
- [6] . النساء 99.
- [7] . صحيح البخاري 1/10، وفي مواطن متعددة بألفاظ مختلفة، هذا أتمها، رقم الحديث في منصة محمد السادس للحديث الشريف 9543.
- [8] . صحيح البخاري كتاب الإيمان باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، 1/11.
