جارٍ تحميل التاريخ...

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، والصلاة على من لا نبي بعده، سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

أيها السادة الأئمة الكرام؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نتناول في حصة هذا اليوم بطريقة ميسرة إشارات يسيرة مختصرة – على قدر ما يسمح به الوقت – تتعلق ببيان:

بعض الفروق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية.

فمما يذكر عادة في المقدمات الممهدات لدراسة القواعد الفقهية الفرق بين القاعدة لأصولية والقاعدة الفقهية وهي فروع منهجية اعتبارية في الغالب، وإلا فهما وجهان المضمون متقارب وثيق الصلة من حيث المقصود العام؛ وذلك لما بينهما من التكامل في بناء الملكة الفقهية للمتفقه، فهذه من جهة التأصيل وتلك من جانب التقرير والتقريب والعلائق…

وللصلة الوطيدة بين الصنفين نجد بعض القواعد تذكر في الأصول كما تذكر في الفقه فصنفها الباحثون من القواعد المشتركة.

كما نجد بعض مباحث علم الأصول من اختصاص الفقهاء وإن اشتهر ذكرها في الأصول تتميما وبيانا.

ويرجع البحث في الفروق بين هذين الصنفين من القواعد إلى أسباب منها:

نص للإمام القرافي الذي يعد من عمدة هذا الفن والمجدد فيه.

فمنذ أن ألف الإمام القرافي كتاب الفروق وأشار في مقدمته إلى أن أصول الفقه قسمان بقوله:

أما بعد فإن الشريعة المعظمة المحمدية زاد الله تعالى منارها شرفا وعلوا اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان:

أحدهما المسمى بأصول الفقه وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك…

والقسم الثاني قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه، وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال فبقي تفصيله لم يتحصل…”

وقد سبق ذكر هذا النص في إحدى الحصص الماضية.

منذ أن كتب القرافي هذه المقدمة بحث الناس عن الفروق بين القواعد الأصولية والفقهية،

فمما يمكن تلخيصه من عدد من المصادر والمراجع من أوجه الاتفاق والاختلاف:

من مواقع الاتفاق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية:

1. جعل الإمام القرافي القسمين من أصول الشريعة لما بينهما من تكامل النظر الفقهي تأصيلا وتفريعا أي:

2. أن كل واحدة منهما خادمة للحكم الشرعي، هذه من جهة التأصيل ببيان كيفية استنباطه، وتلك من جانب التقرير والجمع والتقريب؛ لذا نذكر أيضا:

3. أن كل واحدة منهما قضية كلية فقهية بالمعنى الأعم للفقه.

4. أن كلا منهما في موقع المقدمة الكبرى من الجزئية المندرجة فيها.

5. أن كل واحدة منهما لا يستغني عنها الفقيه.

6. أن كلا منهما يوصل إلى إدراك الحكم الشرعي وإن اختلفت جهة الإدراك ومرتبته.

الفــــــــــــــروق:

نشير أولا إلى أن الفروق بين القواعد الأصولية والفقهية فروق منهجية في خدمة الحكم، وإلا فالغاية واحدة والمقصد واحد وهو إدراك الحكم الشرعي للمجتهد أو المقلد وتقوية الملكة الفقهية عموما للإقدار على استنباط الأحكام وضبطها. فلا فقه بلا أصول تعصم من الخطأ في الاستنباط، ولا أصول سالمة الإنتاج بلا قواعد فقهية تقي من الزلل في تحقيق المناط.

كما تطلب الإشارة إلى أن بعض القواعد الفقهية وهي القواعد الخمس الكبرى التي جعلت أربعا وجمعت في واحدة … الخ – تذكر بعد الأدلة في كتب الأصول لشبهها بالأدلة كما قرر أهل الحواشي، وهنا تأتي مسألة صلاحية القاعدة الفقهية للاستدلال وهي قضية تحتاج إلى حصة خاصة أو حصص.

كما ينبغي التذكير بأن القواعد الأصولية تنتمي لعلم أصول الفقه، فهي منه وإليه، كما أن القواعد الفقهية من الفقه وإليه، وإطلاق مصطلح ” علم ” على القواعد الفقهية تسامح؛ إذ الفقه هو العلم بالأحكام… الخ، فمنه الأحكام الجزئية والأحكام الكلية وهي القواعد الفقهية، وتفصيل هذا لا يحتمله هذا المختصر.

فمن الفروق:

1. أن القواعد الأصولية تستمد من علم الكلام أو اللغة أو الأحكام، وعملها متصل بالأدلة وهي مفاتيح أقفال الأدلة الإجمالية، وأما القواعد الفقهية فتستمد من الأدلة الشرعية التفصيلية.

2. أن القواعد الأصولية متقدمة وسابقة، والقواعد الفقهية متأخرة فهي على المثال الذي سبقت الإشارة إليه في تشبيه الحكم بالماء وتشبيه الدليل بالبئر والقاعدة الأصولية بالدلو أو مضخة الماء والقاعدة الفقهية بالسد الجامع للمياه المستخرجة.

3. أن القواعد الأصولية ناشئة في أكثرها عن الألفاظ العربية كما أشار إلى ذلك القرافي في مقدمة فروقه وذلك كالعموم والخصوص وكالمنطوق والمفهوم والأمر والنهي فهذه كلها من القواعد الأصولية اللغوية.

ذلك لأنها تتعلق بأصل الشريعة وهو القرآن الكريم وبيانه السنة وهما باللفظ العربي، ومنها قواعد متعلقة بباقي الأدلة الشرعية.

وأما القواعد الفقهية فإنها تتصل بأحكام أفعال المكلفين.

4. أن القواعد الأصولية أكثر اطرادا وانضباطا في مستثنياتها بخلاف الفقهية فهي أغلبية في غالبها.

5.  أن القواعد الأصولية يستخرج بها الحكم من الدليل الشرعي، فاستفادة الحكم من الدليل بواسطتها ودلالتها عليه من طريقه، وأما الفقهية فهي تصرح بالحكم غالبا وهو حكم جاهز كسلة جامعة لثمار.

6. أن القواعد الأصولية غالبها لا يشير إلى المقاصد الشرعية والحكم المرعية فهذا الغالب من قبيل مباحث الأقوال، وأما الفقهية فإن منها قواعد تتضمن الإشارة إلى مقصود الشرع وحكمته أو الإشارة إلى جهة المصلحة والمفسدة.

7. القاعدة الأصولية لها دلالة إجمالية تجريدية كقاعدة مطلق الأمر للوجوب فهي هنا إجمالية لم تربط بأمر معين ولها دلالة تفصيلية بربطها بآحاد الجزئيات، وأما القاعدة الفقهية فإن فيها دلالة تفصيلية في النوع إجمالية باعتبار عدم التشخيص وهو اعتبار العين.

هذه بعض الأمور التي تذكر في هذا المبحث، ومنها أمور أخرى نرى عدم ذكرها استغناء عنها بما سبق.

فاللهم اجمع الجوامع وامنع الموانع.

بارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.