بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
السادةُ الأئمةُ الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في هذا اليوم سأتابع الحديث عن أحداث السيرةِ العطرةِ تنزيلا وتنفيدا للرسالة الملكية الشريفة إلى المجلس العلمي الأعلى ومن خلاله إلى كافة العلماء بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم⸲ وقد اخترت بعض الوقائع وبعض الأحداث التي يخالف باطنُها ظاهرَها لما فيها من العبرة لنستفيد منها⸲ وحصة اليوم بحول الله ستكون حولَ صلحِ الحديبية⸲ فأقول وبالله التوفيق إنني سأسرد بعض الأحداث التي نقلتها كتبُ السيرةِ بتصرف يسير خشية الطول⸲ وسأقسم الكلام إلى محورين وخاتمة⸲ أتناول في المحور الأول رؤيا رسول صلى الله عليه وسلم وما تبعها من إهلاله بالعمرة⸲ وأتناول في المحور الثاني بعض بنود الصلح⸲ وبعض شروطه⸲ وأخصص الخاتمة للحديث كما جرت العادة عن بعض الفوائد المستخلصة مما تقدم.
أما المحور الأول السادة الأئمة الكرام؛
فأقول فيه: جاء عن الخضري رحمه الله في كتابه نور اليقين: رأى عليه الصلاة والسلام في نومه أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فأخبر المسلمين أنه يريد العمرة⸲ واستنفر الأعراب الذين حول المدينة ليكونوا معه، حذرا من أن تردهم قريش عن عمرتهم⸲ ولكن هؤلاء الأعراب أبطؤوا عليه لأنهم ظنوا ألا ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، وتخلصوا بأن قالوا: شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا، فخرج عليه الصلاة والسلام بمن معه من المهاجرين والأنصار تبلغ عِدتهم ألفا وخمسمائة …. وأخرج معه زوجه أمَّ سلمةَ، وأخرج الهدي ليعلم الناس أنه لم يأت محاربا، ولم يكن مع أصحابه شيء من السلاح إلا السيوف في القراب، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرض أن يحملوا السيوف مجردة وهم معتمرون[1].
وجاء في البخاري رحمه الله قوله: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمةَ، ومروانَ، يُصَدِّق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين» فوالله ما شعُر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل»، ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» ثم زجرها فوثبت، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، يتبرضه الناس تبرضا[2].
أما المحور الثاني السادة الأئمة الكرام؛
فأقول فيه: قد أرسل صلى الله عليه وسلم عيونا لاستطلاع رأي قريش لما كان في الطريق، وأرسلت قريش رسلا لاستطلاع رأيه، وانتهى الأمر بصلح مرٍّ من حيث مذاقه⸲ مجحفٍ من حيث ظاهره⸲ لكنه حلو من حيث عواقبه⸲ فتحٌ من حيث نتائجه⸲ أنقل عن الإمام مسلم رحمه الله نص وثيقته قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفانُ، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «اكتب، بسم الله الرحمن الرحيم»، قال سهيل: أما باسم الله، فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم، فقال: «اكتب من محمد رسول الله»، قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب من محمد بن عبد الله»، فاشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا؟ قال: «نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا[3]» ومن جملة ما نصت عليه الوثيقة أن يرجع النبي من غير عمرة هذا العام، ثم يأتي العام المقبل.
ومن جملة ما فيها أن من أراد أن يدخل في عهد محمد من غير قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، فقبل عليه الصلاة والسلام كل هذه الشروط.
فالوثيقة من حيث ظاهرها مجحفة مرة⸲ لكن العبرة بالمآل والنتائج.
ولما انتهى الأمر أمر عليه الصلاة والسلام أصحابه أن يحلقوا رؤوسهم، وينحروا الهدي، ليتحللوا من عمرتهم، فاحتمل المسلمون من ذلك هما عظيما، حتى إنهم لم يبادروا بالامتثال، فدخل عليه الصلاة والسلام على أم المؤمنين أم سلمة، وقال لها: هلك المسلمون أمرتهم فلم يمتثلوا، فقالت: يا رسول الله اعذرهم، فقد حملت نفسك أمرا عظيما في الصلح، ورجع المسلمون من غير فتح فهم لذلك مكروبون، ولكن اخرج يا رسول، وابدأهم بما تريد، فإذا رأوك فعلت تبعوك، فتقدم عليه الصلاة والسلام إلى هديه فنحره ودعا بالحلاق فحلق رأسه ، فلما راه المسلمون تواثبوا على الهدي فنحروه وحلقوا، ثم رجع المسلمون إلى المدينة، وقد أمن كل فريق الآخر[4]⸲ فكان هذا فرصة لانتشار الإسلام.
قال ابن إسحاقَ في قوله تعالى: {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحاٗ قَرِيباًۖ} [الفتح: 27]: صلح الحديبية.
قال الزهري: فما فُتِح في الإسلام فتحٌ قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس كَلَّم بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يُكَلَّم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثلُ من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.
قال ابن هشام: والدليل على ما قاله الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مائة رجل في قول جابر، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف[5].
خاتمة: السادة الأئمة الكرام أما الفوائد فأقول:
انطلاقا من مادة العنوان: إن الله أراد بالمسلمين ومشركي مكة خيرا بهذا الصلح الذي حقن دماءهم وقد استبشر النبي صلى الله عليه وسلم خيرا لما أرسلوا سهيل بن عمرو ليفاوض عنهم لأنه كان صلى عليه وسلم يتفاءل بالأسماء الحسنة ولا يحب الأسماء القبيحة، بل كان يغيرها، وليس هذا من الطيرة في شيء.
والأطراف البارزة في عقد الصلح كلها يتفاءل بها وهم محمد بن عبد الله وعلي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو؛ فمحمد من الحمد مع التضعيف المفيد للتكثير فأمره محمود، وابن عبد الله انتصار لدين الله ليعبد عوض عبادة الأصنام، وعلي من العلو، وابن أبي طالب الطالب إذا وجد أباه فقمين أن ينال مطلوبه، وفي كل هذا عزة للمسلمين، وسهيل بن عمرو من السهل والعمارة، وقد جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح، والفأل الصالح: الكلمة الحسنة” أي أنه كان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يُسَر بالكلام الجميل وبالاسم الحسن. ولما جاء سهيل بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: سهل أمرنا أي: أنه أخذ ذلك من اسم سهيل[6].
ومن توفيق الله أنهم لم يرسلوا زعيمهم أبا سفيان ليفاوض لما في اسمه من الشدة وهي غالبة على أسماء الأشراف فاسمه صخر بن حرب فصرفهم الله عن أن يرسلوه فأرسلوا سهيلا. والعرب قديما كانوا يختارون لأسماء أولادهم أسماء ثقيلة ولأسماء الموالي أسماء ناعمة حتى قالوا: “نسمي مواليَنا لنا ونسمي أولادنا لأعدائنا”.
أن رؤيا الأنبياء وحي فما رآه في الرؤيا أنزل الله تصديقها في اليقظة قال تعالى: {لَّقَدْ صَدَقَ اَ۬للَّهُ رَسُولَهُ اُ۬لرُّءْي۪ا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ اَ۬لْمَسْجِدَ اَ۬لْحَرَامَ إِن شَآءَ اَ۬للَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحاٗ قَرِيباًۖ} [الفتح: 27].
ومادة الصلح من الصلاح، صلح الشيء صلوحا من باب قعد، وصلاحا أيضا، وصلح بالضم لغة وهو خلاف فسد، وصلح يصلح بفتحتين لغة ثالثة فهو صالح، وأصلحته فصلح وأصلح أتى بالصلاح وهو الخير والصواب، وفي الأمر مصلحة أي خير والجمع المصالح وصالحه صلاحا من باب قاتل، والصلح اسم منه وهو التوفيق، ومنه صلح الحديبية، وأصلحت بين القوم وفقت وتصالح القوم واصطلحوا وهو صالح للولاية أي له أهلية القيام بها[7]. والصلح مصدر الخير قال تعالى: {لَّا خَيْرَ فِے كَثِيرٖ مِّن نَّجْو۪يٰهُمُۥٓ إِلَّا مَنَ اَمَرَ بِصَدَقَةٍ اَوْ مَعْرُوفٍ اَوِ اِصْلَٰحِۢ بَيْنَ اَ۬لنَّاسِۖ} [النساء: 113]، وقال تعالى: {وَإِنِ اِ۪مْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزاً اَوِ اِعْرَاضاٗ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَنْ يَّصَّٰلَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاٗۖ وَالصُّلْحُ خَيْرٞۖ} [النساء: 127].
ومنها أن من لم يتدبر الأمور قد يحمله الغضب على استقباح ما ليس قبيحا، فمن لم يمعن النظر يرى أن حذف كلمة الرحمن الرحيم والاقتصار على باسمك اللهم ينفي ذلك عن الله، ومحو رسول الله والاقتصار على محمد بن عبد الله ينفي عنه الرسالة، وليس الأمر كذلك فقال العلماء: وافقهم -صلى الله عليه وسلم- في ترك كتابة بسم الله الرحمن الرحيم وكتب: باسمك اللهم، وكذا وافقهم في محمد بن عبد الله، وترك كتابة رسول الله للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح. مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور: أما البسملة وباسمك اللهم فمعناهما واحد، وكذا قوله: محمد بن عبد الله، هو أيضا رسوله، وليس في ترك وصف الله تعالى في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفى ذلك، ولا في ترك وصفه -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة ما ينفيها، فلا مفسدة فيما طلبوه، وإنما كانت المفسدة تكون لو طلبوا أن يكتب ما لا يحل من تعظيم آلهتهم ونحو ذلك[8]. أي كما لو قالوا اكتب باسم هبل أو باسم اللات أو العزى⸲ وفي مثل هذا نقول لمن يضللون وينتقدون الأشاعرة حين يحاجون غير المؤمنين بالعقل ويقولون ينبغي الاحتجاج بالنقل كيف تحاج بالنقل من لم يومن به أصلا ما لم يكن يتضمن معجزة تعجز الخصم لأنه لو كان يسلم النقل انتهى الأمر، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لم يسلم له سهيل أن يكتب من محمد رسول الله حين قال لعلي «اكتب من محمد رسول الله»، قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك، قبل أن يمحوها.
السادة الأئمة الكرام، أكتفي بهذا القدر إن شاء الله،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[1] بور اليقين في سيرة سيد المرسلين 166 بتصرف⸲
[2] صحيح البخاري 3/193.
[3] صحيح مسلم 3/1411.
[4] نور اليقين في سيرة سيد المرسلين 171.
[5] السيرة النبوية لابن كثير 3/324.
[6] شرح سنن أبي داوود
[7] المصباح المنير
[8] المواهب اللذنية 1/325
