بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ومن اتبع سنته وهداه،
وبعد،
فنسأل الله تعالى للسادة الأئمة الفضلاء التوفيق والسداد، والعون والرشاد، ونحب أن نُقَدِّمَ إليهم هذا الحديثَ النبوي الشريف لِما يَتَضَمَّنُهُ من دروسٍ وفوائدَ وحكمٍ تَهُمُّ شأنَ الأمةِ كُلِّهَا، واستشرافَ مستقبلِها، وهُو من جوامع الكلم، ومن الأخبار الغيبية التي رسمت خارطة الطريق للأمة في فهم سنن الله الكونية والشرعية.
فعن سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَقْبَلَ ذَاتَ يَومٍ مِنَ العَالِيَةِ، حتَّى إذَا مَرَّ بمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فيه رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْنَا معهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَيْنَا، فَقالَ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: “سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فأعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً؛ سَأَلْتُ رَبِّي: أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتي بالسَّنَةِ فأعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتي بالغَرَقِ فأعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا”.
تخريج الحديث:
أخرج الإمام مسلم في “صحيحه” هذا الحديث من طريق عثمان بن حكيم الأنصاري، قال: أخبرني عامر بن سعد، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ أقبل ذات يوم من العالية… الحديث[1]، وأخرجه كذلك أبو بكر بن خزيمة في صحيحه[2].
ومدار الحديث عند مسلم على: عثمان بن حكيم الأنصاري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد رضي الله عنه.
عثمان بن حكيم: ثقة من رجال مسلم.
عامر بن سعد: تابعي ثقة، وأبوه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه هو أحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ ويكفي أنه من رواية مسلم، كما تابع سعدَ بنَ أبي وقاص عليه عددٌ وافرٌ من الصحابة كَثَوْبَان وعبد الله بن عباس وغيرهما في روايات أخرى عند أحمد والترمذي وابن حبان، مما يجعل متن الحديث متواتراً من حيث المعنى، وهو الذي يُسَمَّى في الاصطلاح بالتواتر المعنوي.
شرح غريب الحديث:
تضمن الحديث ألفاظاً تحتاج إلى بيان:
1. العالية: قال القاضي عياض اليحصُبي السبتي: “هي قُرى بظاهر المدينة، وأدناها على ثلاثة أميال من المدينة، وأبعدها ثمانية”[3].
2. مسجد بني معاوية: مسجد قديم بالمدينة النبوية يُنسب لبني معاوية بن مالك بن عوف من الأوس، وهُم جَماعةٌ منَ الأَنصارِ كانوا قد بَنَوْه لهم، ويقَعُ المسجدُ في شَمالَي البقيعِ، وهذا المسجدُ هو المعروفُ بمَسجدِ الإجابةِ؛ لِما وَقَع مِن إجابةِ اللهِ لدُعاءِ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
3. بالسَّنَة: المراد بها القَحْط والجدْب العامّ. قال النووي: “المراد بالسَّنَة هنا الجدْب العام الذي يَعُمُّ جميعَ الأمة، أما الجدب في ناحية مُعينة فقد وقع”[4].
4. بأسهم بينهم: أي فتنتهم واقتتالهم، أي الفتن والقتال الداخلي والحروب بين المسلمين.
الفوائد التربوية والدروس الفقهية المستفادة من الحديث[5]:
يستفاد من الحديث جملة من الأحكام، منها:
· استحباب الصلاة في المساجد العتيقة ومواضع البركة: فَصلاةُ النبي ﷺ في مسجد بني معاوية (مسجد الإجابة)؛ يدل على مشروعية الصلاة في المساجد التاريخية العتيقة والتماس البركة وإجابة الدعاء عندها.
· مشروعية إطالة الدعاء وأن الصلاة قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم: قوله “ودعا ربه طويلاً” يؤصل لسنة عبادة التضرع والإلحاح في المسائل العظيمة التي تهم الأمة والشأن العام والأمر الجامع.
· شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ورأفته ورحمته بالأمة: يُظهر الحديثُ عمقَ الرابطة الوجدانية بين الرسول ﷺ وأمته، حيث استغرق في الدعاء طلباً لأمانهم من الفناء، فقد كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حَريصًا على أُمَّتِه مُشفقًا عَليهم، فكثيرًا ما يَسألُ اللهَ لَهم ما يَنفعُهم في دُنياهُم ويُصلِحُ لَهم أمرَ آخرَتِهم، وقد وصفه الله تعالى في كتابه بذلك فقال: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُول مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيم} [التوبة: 129].
الحكم الإلهية والدلالات العقدية في الحديث:
لماذا مُنع النبي ﷺ من الدعوة الثالثة؟ يقرر العلماء أن في ذلك حكماً بالغة[6]:
1. تحقيق سنة الابتلاء: لو مُنع القتال بين المسلمين لانتفى التمحيص والامتحان، ولما تميز الصابر والمصلح من المفسد، والصادق من الكاذب.
2. عصمة الأمة كلية لا جزئية: الأمة معصومة من الاجتماع على ضلالة، لكن أفرادها وطوائفها غير معصومين من التظالم، فإذا تركوا العمل بالكتاب والسنة والاعتصام بحبل الله جميعا، ولزوم الجماعة؛ سُلط بعضهم على بعض وتفرقوا عقوبةً وقدراً.
دلائل النبوة والسنن التاريخية في الحديث[7]:
يعتبر هذا الحديث من أقوى البراهين على صدق نبوته ﷺ من وجهين:
· الأول (إجابة الدعوتين): لم يقع للأمة الإسلامية استئصال كلي بجوع أو غرق رغم توالي النكبات، وهو ما يخالف سنن الأمم السابقة التي أُبيدت بجوائح سماوية.
· ولم يستأصلْ بَيْضَتَهُم عدوٌّ قط حتى يُفني الأمة الإسلامية جميعَها؛ رُغم الحملات المتواترة
عليها من أعدائها عبر تاريخها.
· الثاني (المنع من الثالثة): وقوع الاقتتال الداخلي منذ انتهاء زمن الخلافة الراشدة إلى يومنا هذا، وهو إخبار بظهور الفتن قبل وقوعها، وهو جوهر الإعجاز الغيبي.
الخلاصة:
هذا الحديث دستور في فقه الفتن، فهو يجمع بين “البشارة” ببقاء الأمة وعدم فنائها بجائحة سماوية أو استئصال عدو، وبين “النذارة” من مغبة الفرقة والنزاع الداخلي والخروج عن جماعة المسلمين؛ الذي هو مكمن الخطر الحقيقي على كيان الإسلام.
[1] – أخرجه مسلم في صحيحه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د.ت)، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، ج4، ص2216، حديث رقم (2890).
[2] – صحيح ابن خزيمة، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1412هـ – 1992م، ج2، ص224، حديث رقم (1217).
[3] – إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض، تحقيق: د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط1، 1419هـ – 1998م، ج8، ص474.
[4] – المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392هـ، ج18، ص13.
[5] – انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ، ج13، ص32.
[6]– راجع: إكمال إكمال المعلم، لمحمد بن خليفة الأُبِّي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1415هـ – 1994م، ج7، ص411.
[7] – انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، لأبي العباس القرطبي، دار ابن كثير، دمشق، ط1، 1417هـ، ج7، ص222.
