
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة الجمعة ليوم 19 ذي الحجة 1447هـ موافق 05 يونيو 2026م
«أَهَمِّيَّةُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَهَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ»
اَلْخُطْبَةُ الْأُولَى
الحمد لله الذي جعل الحمد عنوان ذكره، ومفتاح عبادته وثمرة شكره، نحمده تعالى ونشكره، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في محكم التنزيل:
﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْراً كَثِـيـراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾[1]
ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، إمام الحامدين وأسوة الذاكرين، صلى الله وسلم عليه كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وعلى آله الطيبين الخيرة، وصحابته الميامين البررة، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، معاشر المؤمنين والمؤمنات، فيقول النبي ﷺ:
«سِيرُواْ هَذَا جُمْدَانُ -جَبَلٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ- سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ، قَالُواْ: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «اَلذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً، وَالذَّاكِرَاتُ»[2].
في هذا الحديث يأمر النبي ﷺ أصحابه بالسير وهم في طريقهم إلى مكة، ويحثهم على ملازمة ذكر الله في جميع الأحوال، مبينا أن الذكر أفضل ما يشتغل به المؤمن، وهو معنى قوله ﷺ:
«سَبَقَ الْمُفَرِّدونَ»
أي: المُولَعون بذكر الله المشتغلون به في سائر الأحيان والأحوال.
عباد الله؛ انطلاقا من هذا الحديث النبوي وغيره من الأحاديث الأخرى المنوِّهة بشأن الذكر وفضله وفضل أهله، ندرك أهمية الذكر والدعاء، وأنهما الغاية التي شرعت من أجلها الأركانُ الخمسةُ وغيرُها، فكلمة التوحيد هي رأس الذكر، وأفضل الدعاء، كما قال النبي ﷺ:
«أَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيئُونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ»[3].
فهي مفتاح الجنة، والعروة الوثقى التي لا انفصام لها، أما الصلوات الخمس فهي كلها ذكر ودعاء، قال الله تعالى:
﴿وَأَقِمِ اِ۬لصَّلَوٰةَ لِذِكْرِيَ﴾[4]
ومناسك الحج إنما شرعت لإقامة ذكر الله، قال تعالى:
﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ اَ۬لْمَشْعَرِ اِ۬لْحَرَام﴾[5].
وغيرها من الآيات، وحين تحدث القرآن الكريم عن الصيام ذكر الدعاء فقال:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِے عَنِّے فَإِنِّے قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعْوَةَ اَ۬لدَّاعِۦٓ إِذَا دَعَانِۦ﴾[6]
وفي الجمعة، قال تعالى:
﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِنْ يَّوْمِ اِ۬لْجُمُعَةِ فَاسْعَوِاْ اِلَيٰ ذِكْرِ اِ۬للَّهِ﴾[7].
وفي الزكاة: قال سبحانه:
﴿خُذْ مِنَ اَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمُۥٓ إِنَّ صَلَوَٰتِكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[8]
ومعنى «صَلِّ عَلَيْهِمْ»: ادع لهم.
فهذا كله يدل على أن الذكر له شأن عظيم، وأنه هو لب العبادة وخلاصتها.
والذكر والدعاء صنوان لا يفترقان، فمن ذكر الله تعالى بجميل أسمائه وجليل صفاته فقد سأله، ومن دعاه ولجأ إليه في حاجاته، فقد ذكره، قال تعالى:
﴿أَمَّنْ يُّجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوٓءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ اَ۬لَارْضِ أَ۟لَٰهٞ مَّعَ اَ۬للَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَّكَّرُونَ﴾[9].
ولذلك كان من هدي رسول الله ﷺ في الدعاء أنه يجمع بين الذكر والدعاء في دعواته، فيثني على الله تعالى بما هو أهله ثم يسأل حاجته، وربَّى على ذلك أصحابه، فقد مر ذات يوم برجل يدعو، ولم يمجد الله تعالى، ولم يصل على نبيه ﷺ في دعائه، فقال ﷺ:
«عَجِلَ هَذَا»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ -أَوْ لِغَيْرِهِ-: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَزَّ- وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ»[10].
ومن هنا أخذ العلماء أن من أدب الدعاء أن تُثْنِي على الله عز وجل بما هو أهله، وتصلي على النبي ﷺ، ثم تسأل حاجتك، فذلك أدعى وأولى أن يُستجاب لك، كما يُستحب أن تَختم دعاءك بالثناء على الله والصلاة والسلام على رسوله ﷺ.
ومن نماذج دعاء النبي ﷺ أنه كان ﷺ إذا تهجد من الليل قال:
«اَللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيئُونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، اَللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ»[11].
نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين، وجعلنا على سنة سيد المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
اَلْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله؛ ورد في فضل الذكر والدعاء آيات كريمة كثيرة، وأحاديث نبوية عديدة.
منها ما رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله؛ ذهب أهل الدثور بالأجور، -أي أهل الأموال- يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم -أي بما زاد عن حاجتهم-، قال:
«أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٍ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةً، وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةً، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةً، -والبضع هو جماع الزوجين- قَالُواْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[12].
فهذا الحديث النبوي جامع لأبواب الخير في حياة المسلم، من كل فعل حسن، وكلمة طيبة يسديها للغير، ويكمل فضلها وأجرها حين يضعها في إطار العبادة وتقوم مقام الصدقات.
وفضائل الذكر والدعاء عديدة، منها ذكر الله للعبد الذاكر، ومنها سكينة قلبه، وتهذيب نفسه، وسمو روحه، ورقة مشاعره، وتنوير وجهه، وثقل ميزانه، والبركة في رزقه، وحفظ ذريته، والسلامة من عدوه، وحفظُه من الشيطان، وغيرها من الفوائد التي قد تبلغ المئات.
ألا فاتقوا الله -عباد الله-، وأكثروا من شكره وذكره، والتضرع إليه في الدعاء جهره وسره، فإنه سميع مجيب. وأكثروا من الصلاة والسلام على ملاذ الورى في الموقف العظيم، فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الذاكرين، وإمام المستغفرين، كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون.
وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، وجعلته ظلك الوارف على بلادك، مولانا أمير المؤمنين، جلالة الملك محمدا السادس، نصرا تعز به أهل طاعتك، وتذل به أهل معصيتك، اللهم كن له وليا ونصيرا، ومعينا وظهيرا، واحفظه اللهم في صحته وعافيته، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب، صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولانا الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولانا رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.
وتغمد اللهم بواسع رحمتك، وبعظيم كرمك وجودك الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك، مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.
اللهم اجعلنا لك من الشاكرين، لك من الذاكرين، لك من القانتين، واجعل اللهم ذكرك دأبنا، وشكرك زادنا، ودعاءك بابنا.
اللهم أنت الحق وقولك الحق ولقاؤك حق، فأكرمنا بنور معرفتك، وزودنا التقوى، وجملنا بجميل الأخلاق، وارحمنا وارحم والدينا وسائر موتانا وموتى المسلمين.
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
- [1] . الأحزاب 41-42.
- [2] . صحيح مسلم كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب الحث على ذكر الله، 4/2062. رقم الحديث على المنصة 4566.
- [3] . الموطأ 1/564 كتاب القرآن باب ما جاء في الدعاء.
- [4] . طه 13.
- [5] . البقرة 197.
- [6] . البقرة 185.
- [7] . الجمعة 9.
- [8] . التوبة 104.
- [9] . النمل 64.
- [10] . سنن أبي داود أبواب فضائل القرآن باب الدعاء 1/551.
- [11] . صحيح البخاري كِتَابُ الدَّعَوَاتِ باب الدعاء إذا انتبه بالليل، 8/70.
- [12] . صحيح مسلم، كتاب الزكاة بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْمَعْرُوفِ رقم الحديث في المنصة 1494.
