جارٍ تحميل التاريخ...

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

خطبة ليوم الجمعة 12 ذي الحجة 1447هـ الموافق لـ 29 ماي 2026م

«مقام الذكر والشكر»

الحمد لله الذاكر لمن ذكره، الشكور لصنيع من شكره، نحمده تعالى على نعمة الإيمان والإسلام، ونشكره على مزيد الفضل والإنعام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة المقرين بربوبيته الواقفين على بابه، المفتقرين إليه في كل نفس وحين، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، البالغ في العبودية مقام الذكر والشكر، فقال صلى الله عليه وسلم :

«أَفَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً»[1].

صلى الله وسلم عليه صلاة وسلاما متلازمين إلى يوم القيامة، وعلى آله الطيبين الأبرار، وصحابته الغر الميامين الأخيار، وعلى التابعين لهم ما تتابع الليل والنهار.

أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فيقول الله تعالى في محكم التنزيل:

﴿فَاذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِى وَلاَ تَكْفُرُونِؐ﴾[2].

عباد الله؛ إن من فضل الله تعالى على عباده أن جعل لهم مواسم للخيرات يتقلبون فيها، ومواعيد للطاعات يرتقون بها، وإن من تلك المواسم هذه الأيامَ المباركات، التي توَّج الله تعالى بها عيد الأضحى المبارك، وجعلها أيام ذكر وشكر لله تعالى، فقال جل من قائل:

﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِيٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍؐ[3]

. كما قال الله تعالى:

﴿فَاذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِؐ[4].

إذ جاءت هذه الآية بعد قوله جل شأنه:

﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمُ ءَايَـٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَــٰــبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعلَمُونَ[5].

ففيها امتنان من الحق جل وعلا على عباده ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وبوظائفه التبليغية الكبرى: من التلاوة والتزكية والتعليم للكتاب والسنة، وإخراج الناس من ظلمات الجهل والنكران، إلى نور الإيمان والعرفان؛ مما يوجب ذكرَه والثناء عليه بالغدو والآصال، وإدمانَ شكره على جزيل إحسانه وكريم إنعامه بما تقتضيه صفات الجمال والإجلال.

وهو المعنى الذي تجلى في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حين قال:

«أَفَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً»[6].

والذكر، عباد الله؛ هو الغاية الكبرى والمنزلة العظمى التي يبلغها العبد حين يكون من السابقين، ومن خلالها يتجلى له المنعم من خلال النعم فيشكره بشكرها.

ومن معاني الشكر الظهور؛ وظهور النعمة على العبد يكون بالثناء الجميل على المنعم، وبصرف النعمة فيما خلقت من أجله.

ويبعث الشكر على الإحساس بعناية المنعِم ورعايته، وطلب المزيد من رفده وعنايته، ومن ثم قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:

«قَيِّدُواْ النِّعَمَ بِالشُّكْرِ»[7].

وتأملوا، عباد الله؛ معنى ذلك في قوله تعالى:

﴿رَبِّ أَوْزِعْنِيَ أَنَ اَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِيٓ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنَ اَعْمَــلَ صَـٰلِحاً تَرْضيٰهُؐ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓؐ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْــكَ وَإِنِّي مِــنَ الْمُسْلِمِينَؐ[8].

فقد جمع الله جل جلاله معاني الشكر في هذه الآية، والفضلُ بحسبها يعود إلى الله تعالى أولا وأخيرا بإلهام العبد وإعانته على الشكر، وتوفيقه للقيام بواجبه، الذي يظهر في العمل الصالح الذي ينفعه في الدنيا والآخرة، ومن أعظم أوجه الإنعام صرف النعمة في الطاعة والامتثال.

نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على إمام الذاكرين، وأسوة الشاكرين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

معاشر المؤمنين والمؤمنات؛ فإن من نعم الله الجليلة على العباد بعد الإيمان والإسلام، نعمةَ الأولاد الذين هم فلذاتُ أكبادنا، وبشرى مستقبلنا، وزهرةُ آمالنا، وزينةُ حياتنا، وهم هبةٌ من مِنَح الوهاب الجواد، ورحمةٌ للأسرة من الكريم بالعباد.

ونعمة الأولاد من أجلِّ النعم، كما جاء في القرآن والسنة، تستوجب شكر المنعم، جل جلاله، وشكرها يكون بأمور نذكر منها:

  • أولا: الشكر بالقلب، وذلك بالرضى بما قسم الله لك من نعمة الولد، وانشراح الصدر بذلك.
  • ثانيا: حسن اختيار شريك الحياة، الذي سيكون أَباً أو أمّاً لأولادك، وذلك باختيار صاحب الدِّين والخُلق من أجل تكوين أسرة طيبة مباركة ناشئة على القيم النبيلة والخلق الحسن، فهذا الاختيار له دور كبير في تنشئة الأولاد على حب الخير وإيثار الغير.
  • ثالثا: حرص الوالدين على تربية أولادهما بالقدوة وإظهارِ فعل الخير أمامهم، وإطعامهم الحلال، وتعويدِهم على حب القرآن وحب النبي

وأنجع طريقة في ذلك ربطهم بكلام الله تعالى واتخاذ الوسائل الناجعة في ذلك، من غير إكراه أو استعمال عنف.

 وذلك حتى يتسلموا رسالة خلافة الله في الأرض تدينا وإيمانا، ويسهموا في بناء حضارة الوطن أخلاقا وعمرانا.

عباد الله؛ انطلاقا مما تقدم من وجوب شكر نعمة الأولاد، ورغبةً في الخير الموعود لمن أوصل الخير إلى قلوب الناشئة، وتنفيذا لأول أمرٍ إلهي ربط الأرض بالسماء:

﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّــكَ الَّذِي خَلَقَؐ[9]

، وإسهاما في التحسيس بأهمية التربية والتعليم في حياة الفرد والجماعة، نهيب بالآباء والأمهات أن يبادروا بتسجيل أبنائهم وبناتهم المولودين قبل 31 مارس 2023م في التعليم الأولي للموسم الدراسي الجديد: 2026-2027م.

سائلين الله تعالى أن يوفق الجميع لما فيه مصلحة البلاد والعباد، وأن يرزقنا الفوز في الدنيا والفلاح في المعاد. فعليه سبحانه في جميع الأمور الاعتماد.

اللهم اجعلنا لأنعمك من الشاكرين، ولجميل صفاتك من الذاكرين، اللهم أدم علينا نعمة الأمن والاستقرار، وأرنا في وطننا ما تقَرُّ به العين من الرقي والازدهار، وأدم علينا نعمة إمارة المؤمنين، في سلالة نبيك الأمين، ومتع مولانا أمير المؤمنين بتمام الصحة وجميل العافية. آمين.

ألا فعطِّروا، عباد الله؛ مجالسكم بذكر الله، والصلاة والسلام على رسول الله، سيدنا محمد بن عبد الله، فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.

وانصر اللهم بنصرك المبين، وتأييدك المتين، من وليته أمر عبادك، وجعلته ظلا وارفا على بلادك، مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمدا السادس، اللهم احفظه بحفظ كتابك، وألبسه أردية الصحة والعافية، اللهم أتمم عليه نعمتك، وأنزل عليه سكينتك، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، مشدود الأزر بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.

وتغمد اللهم بواسع رحمتك وعظيم جودك وكرمك، الملكين الجليلين المجاهدين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك، مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونخنع لك ونخلع ونترك من يكفرك، ونشكرك على نعمك ولا نكفرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين محلق.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا، ولسائر موتانا وموتى المسلمين، واغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

[1] – صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم 2/50. رقم الحديث بالمنصة 4769.

[2] – البقرة 151.

[3] – البقرة 201.

[4] – البقرة 151.

[5] – البقرة 150.

[6] – صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم 2/50. رقم الحديث بالمنصة 4769.

[7] – حلية الأولياء، ترجمة عمر بن عبد العزيز5/340.

[8] – الأحقاف 14.

[9] – العلق 1.