جارٍ تحميل التاريخ...

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

السادة الأئمة الأفاضل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لا يخفى على شريف علمكم ما تضطلع به التربية من وظيفة أساسية في بناء الإنسان، وتشكيل شخصية الأفراد، وترسيخ القيم والمعرفة في الوجدان والعقول، وتحقيق التوازن النفسي والتأهيل للحياة، والإسهام في نهضة المجتمعات وازدهارها.

وإذا كانت التربية لا حصر لقضاياها، ولا منتهى لمشكلاتها، فما نريد أن نقاربه في هذا اللقاء يتعلق بأمر يهمله بعض المربين ولا يولونه ما يستحق من العناية والاهتمام.

الحديث هنا عن تربية الأبناء على التوازن بين الحقوق والواجبات.

أولا: المقصود بالتوازن بين الحقوق والواجبات في التربية

الأصل في الحق والواجب أنهما يرجعان إلى معنى واحد وهو الثبوت، فكلاهما في اللغة ثبوت وإلزام. وبناء عليه، فإن الحق والواجب يؤديان معنى واحدا:[1] هو ثبوت أمر لجهة، والتزامه من جهة أخرى.

ومما عرف به الحق أنه: “ما ثبت بإقرار الشارع، وأضفى عليـه حمايته”.[2] أي أنه مصلحة مستحقة بالشرع ومحمية به، وأما الواجب: فهو العبء الواقع على الملتزم أو الملزَم به عملا كان أو امتناعا عن عمل يلازم الذي عليه، بحيث لا يخرج عن عهدته إلا بإسقاطه عن نفسه، ويكون كالساقط عليه، فيحتاج إلى تفريغ نفسه عنه.”[3]

فالحق والواجب متلازمان، فما كان لك فهو حق لك، وما كان عليك فهو واجب عليك. فتكون النتيجة توقف أحدهما على الآخر.

وأما التوازن فيقصد به هنا تحقيق مستوى من التوسط والاعتدال في عملية التربية، تنأى عن الإهمال والتقصير وعن التشدد والتعسف من خلال ترسيخ وعي يجعل الفرد مدركا أن الحقوق ليست امتيازات مطلقة يتمتع بها بمعزل عن أداء الواجبات، كما أن الواجبات ليست تكاليف قهرية تُفرَض دون ضمان الحقوق. بمعنى أن التربية المتوازنة تُنشّئ الإنسان على أن حقوقه التي يتمتع بها تقابلها واجبات تَشغَل ذمته، وأن قيامه بواجباته هو السبيل الطبيعي لصيانة حقوقه وحقوق غيره.

إذن، ينبغي أن يُعلم أن الحق مقترن بالواجب، فالحقوق لا ينبغي فصلها عن فكرة التلازم مع الواجب، فمن طالب بحقه لا ينبغي أن يُهمل واجباته، ومن أدى ما عليه من واجبات فلا ينبغي له أن يهمل حقه. والإسلام قد استعمل كلمة الحق ليفيد معنى الحق والواجب معا.[4] 

ثانيا: التأصيل الشرعي للتوازن بين الحقوق والواجبات

ينبني التوازن بين الحقوق والواجبات على تصور شمولي لحقيقة لإنسان تجمع بين التكريم الإلهي والتكليف الشرعي، فلا يُختزل الإنسان في كونه مستحِقا للحقوق فحسب، ولا يُحمَّل الواجبات بمعزل عن ضمان كرامته وحقوقه الأساسية. ومن ثم فإن التربية القويمة يجب أن تتماهى مع هذا التصور، فلا تنظر إلى الحقوق والواجبات بوصفهما مجالين منفصلين، بل تعتبرهما عنصرين متلازمين في بناء الشخصية الإنسانية المتوازنة.

1- التأسيس القرآني للتوازن بين الحقوق والواجبات

يؤسس القرآن الكريم للتوازن بين الحقوق والواجبات من خلال ربطه بين الكرامة الإنسانية والمسؤولية. فقد أقر حق الإنسان في التكريم الإلهي في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِےٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]، غير أن هذا التكريم لم يكن مطلقا من كل قيد، بل جاء مقرونا بالمسؤولية والمحاسبة، وبالاستخلاف والابتلاء في آيات أخرى.

فالكرامة الإنسانية لا تُفهم في المنظور القرآني بوصفها إعفاء من الواجب، بل باعتبارها تكليفا مشرِّفا يُحمِّل الإنسان مسؤولية العمل والاختيار. ومن تتبع آيات القرآن تَكوَّن لديه بما يشبه الاستقراء أن التكريم والتكليف توأمان، وهذا هو مبدأ العدل القائم على التوازن بين الاستحقاق والمساءلة في قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْۖ وَعَلَيْهَا مَا اَ۪كْتَسَبَتْۖ﴾ [البقرة: 286]، قال البغوي: قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْۖ﴾ أي للنفس ما عملت من الخير، لها أجره وثوابه، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اَ۪كْتَسَبَتْۖ﴾ من الشر، وعليها وزره.[5]

ومن تطبيقات مبدأ التوازن في الحقوق والواجبات في القرآن الكريم ترتيبُ العلاقة بين حقوق الزوجة على زوجها، والزوجِ على زوجته في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ اُ۬لذِے عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِۖ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٞۖ﴾ [البقرة: 228].

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ولهن على الرجال من الحق مثلُ ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف.[6]

2- المنهج النبوي في ترسيخ التوازن بين الحقوق والواجبات

تزخر السنة والسيرة النبويتان بأحاديثَ ونماذج ومواقف تجسد ربط الحق بالواجب، ويمكن اعتبار حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه الذي أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلا تربويا بالغ الدلالة في هذا الصدد “إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه”.[7]

لقد تعلّم الصحابة رضوان الله عليهم من المدرسة النبوية أن الحق يقابله الواجب، وأن التلازم بينهما يقتضي أن ما يجب على طرف هو حق للطرف الآخر، ورسّخ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في نفوسهم، ونمّاه في قلوبهم، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا.[8] لقد بين صلى الله عليه وسلم أن العبادة التي يؤديها العبد بمقتضى عبوديته، والجزاءَ الإلهي للعباد بمنّه وكرمه تعد حقوقا متبادلة، مع أنه سبحانه لا يجب عليه شيء، فهو المُنعم بلا استحقاق.

3- التوازن بين الحقوق والواجبات في النظر الفقهي والأصولي

إذا نظرنا في نسق الفقه ومقاصد الشريعة نجد أن التوازن بين الحقوق والواجبات مؤسس على أن الإنسان مكلف ومكرم، فالتكريم الإلهي يثبت له الحقوق، والتكليف الشرعي يُحمّله الواجبات. فلا فصل بينهما من حيث كونُ الحقوقِ مقاصدَ محفوظة، والواجباتِ وسائلَ لتحقيقها. ومن حيث كونُ الحقِ لا يتصور شرعا إلا مقرونا بمسؤولية، وأن التكليف في جوهره ليس إلغاء للحرية، بل تنظيما لها وترشيدا بما يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة.

وقد تقرر في شريعتنا أن الحقوق في الشريعة ليست مطلقة، بل هي مقيدة بمقاصدها ومآلاتها. واستعمال الحق إذا آل إلى الإضرار أو الفساد خرج عن دائرة المشروعية. وهذا مستفاد من قواعد مثل: (لا ضرر ولا ضرار) و(الغنم بالغرم) و(درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) و(التصرف على الرعية منوط بالمصلحة).

وقد بين الإمام الشاطبي أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، وأن التكليف إنما وُضع لإخراج المكلف من داعية هواه إلى مقتضى العبودية الاختيارية.[9] وخروج المكلف من داعية هواه هو تحرير له من احتمال رعونته وتعسفه واعتدائه على حقوق الناس.

وحاصل الكلام أن التوازن بين الحقوق والواجبات في التربية ليس مجرد اختيار عقلاني، بل هو مقصد شرعي كلي مؤسس على القرآن والسنة وأصول الفقه ومقاصد الشريعة كما أسلفنا. وتكمن قيمة هذا التوازن في كونه يصنع إنسانا سويا متكاملا، واعيا بكرامته، ملتزما بمسؤوليته، مؤهلا للحياة وقادرا على الإسهام في بناء المجتمع والوطن.

ثالثا: وسائل وأساليب التربية على التوازن بين الحق والواجب

تتحقق التربية على التوازن بين الحق والواجب بجملة من الوسائل والأساليب التي تتغيى بناء التصور القيمي للمتعلمين عبر الربط العضوي بين الحقوق والواجبات في الخطاب التربوي والمناهج التعليمية، بحيث يُفهم الحق مقرونا بواجب يقابله، ويدرك الفرد أن التمتع بالحقوق مشروط بالمشاركة في تحمل الأعباء.

وسنقترح هاهنا بعض الأساليب المعينة على تربية الناشئة على استيعاب التوازن في الحقوق والواجبات:

     الربط العضوي بين الحق والواجب في الوعي الأخلاقي من خلال تقديم الحقوق مقرونة بواجباتها دائمًا. قال مالك بن نبي: “إن الحق ليس هديةً تُعطى ولا غنيمةً تُغتصب، وإنما هو نتيجةٌ حتميةٌ للقيام بالواجب، فهما متلازمان”؛ [10]

    التربية بالقدوة الحسنة لأن التوازن لا يتحقق عبر القول فقط، بل لا بد من أحوال يُرى فيها المربي يؤدي واجبه قبل أن يطالب بحقه، كما يمارس سلطته التربوية بوصفها أمانة لا امتيازا؛

    بناء ثقافة الواجب داخل الأسرة، وتفادي نيابة الآباء والأمهات عن أبنائهم وبناتهم عما يسند لهم من واجبات؛

    تعويد الأبناء والمتعلمين على تحمل نتائج أفعالهم، بمعنى المحاسبة التربوية لا العقابية ضمانا للانتقال من عقلية المطالبة التي تربي الإنسان السلبي المُحجِم، إلى عقلية المشاركة التي تربي الإنسان الإيجابي المقدام؛

    تنمية حسّ المسؤولية: عبر إشراك المتعلم في اتخاذ القرار وتحمل نتائجه؛ ويكون ذلك بالتشاور وبيان مآل كل قرار مع حسن التوجيه؛

    تعزيز إدماج هذه القيمة في المناهج والأنشطة التربوية والتعليمية.

السادة الأئمة الأفاضل:

إن التربية القائمة على التوازن بين الحقوق والواجبات تجعل من الإنسان فاعلا حرا ومسؤولا، وليس مجرد منتهز يستفيد من منظومة حقوقية يأخذ ولا يعطي.

فالتربية التي تُغالي في خطاب الحقوق دون الواجبات تُنتج فردا كسولا متكلا، عديم الإحساس بالمسؤولية. بينما التربية التي تُحمّل الواجبات دون تمكين للحقوق تُنتج إنسانا مقهورا أو متمردا. أما التربية المتوازنة فتصنع شخصية مسؤولة، واعية بحدودها، قادرة على التفاعل الإيجابي في المجتمع.

هذا ما تيسر عرضه في هذا اللقاء.

أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 


[1] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ص: 244. أساس البلاغة، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، تحقيق عبد الرحيم محمود، دار المعرفة، ص: 90

[2] الملكية في الشريعة الإسلامية مع المقارنة بالشرائع الوضعية، علي الخفيف، دار الفكر العربي، مصر. 1996. ص:6.

[3] ميزان الأصول في نتائج العقول، علاء الدين أبو بكر محمد بن أحمد السمرقندي. تحقيق: محمد زكي عبد البر، مطابع الدوحة الحديثة، قطر. الطبعة الأولى، 1984. ص: 26.

[4]   موسوعة حقوق الإنسان في الإسلام، خديجة النبرواي. دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع · الطبعة الأولى 2006 ص 289.

[5] معالم التنزيل، عبد الله بن أحمد البغوي الناشر: دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض. الطبعة: الأولى، 1416هـ. ص 112

[6] تفسير القرآن العظيم، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن كثير. تحقيق: حكمت بن بشير بن ياسين. دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع – السعودية، الطبعة: الأولى، 1431ه. 2/176

[7]  صحيح البخاري كتاب الأدب باب صنع الطعام والتكلف للضيف

[8] صحيح البخاري كتاب التوحيد باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى.

[9]– ينظر نصه في: الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق: عبد الله دراز – محمد عبد الله دراز. دار الكتب العلمية – بيروت لبنان. 2004. ص 318

[10]  شروط النهضة، لمالك بن نبي، ترجمة عمر مسقاوي وعبد الصبور شاهين، نشر دار الفكر، الطبعة الأولى 2013م، ص 35.