الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه،
أيها السادة الأئمة الفضلاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سعيد بالتواصل معكم مرة أخرى في رحاب آي الذكر الحكيم، لنتناول اليوم الحديث عن موضوع هام: معنون بـ: الوفاء بالبيعة للسلطان يجلب لصاحبه الرضوان.
انطلاقا من قول الله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ اَ۬للَّهُ عَنِ اِ۬لْمُومِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ اَ۬لشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِے قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ اَ۬لسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَٰبَهُمْ فَتْحاٗ قَرِيباٗ} [الفتح: 18].
وتشتمل هذه الآية الكريمة على مجموعة من الهدايات:
الهداية الأولى: سياق الآية
وردت هذه الآية الكريمة في سورة الفتح في أثناء الحديث عن الحديبية وما جرى فيها من صد المشركين للنبي ﷺ وأصحابه عن المسجد الحرام، ومبايعة الصحابة للرسول ﷺ، على كلمة سواء في جميع الأحوال، ثم ما عقب ذلك من الصلح وتحلل النبي ﷺ والصحابة من عمرتهم، عائدين إلى المدينة، فنزلت السورة ففرح بها النبي ﷺ فرحا كبيرا؛ لأنها أيدته في ما ذهب إليه من الصلح مع قريش، مع ما أحس به الصحابة من جور بعض بنود الصلح، في ظاهر الأمر، ولكن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أمرا هيأ له أسبابه. فقال لسيدنا عمر الذي حاول أن يقنع النبي ﷺ، بالدخول على المشركين في مكة وقتالهم عنوة، انتزاعا لحقهم من الطواف بالبيت والاعتمار ككل القبائل العربية، قال له النبي ﷺ: “أنزلت عليّ سورة هي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس”[1].
وسمى ﷺ ما وقع من الصلح في الحديبية فتحا.
الهداية الثانية: أهمية بيعة الرضوان
مما ترشد إليه الآية الكريمة، أن بيعة الصحابة للرسول ﷺ بيعة خاصة لظروف خاصة، وذلك لأنهم كانوا أصلا مبايعين له على الإسلام وآمنوا به وصدقوه ونصروه في المواطن السابقة؛ من بدر وأحد والأحزاب وغيرها من المشاهد والمواطن، فكانت البيعة في الحديبية خاصة، ويستفاد من ذلك أن السلطان له أن تجدد له البيعة كلما دعت الضرورة والحاجة إلى ذلك لتأكيدها والتذكير بها وتقوية أواصر الوحدة وجمع الكلمة وتوحيد الصف، وجمع الناس على الأمر الجامع للأمة، خصوصا في الظروف الصعبة كواقعة الحديبية.
ولذلك كان لهذه البيعة معنى خاص عند الصحابة يتفاخرون بالحضور والمشاركة فيها، ولأهلها مقام خاص عند الأمة إلى يوم الدين، فأهل الحديبية طبقة من طبقات الصحابة انفردوا بهذه المزية، وفضلوا بها غيرهم. واستحقوا بها الرضوانَ من الله تعالى وخلودَ ذكرهم في القرآن.
الهداية الثالثة: وجوب الوفاء بالبيعة
ومما تهدي إليه كذلك الآية الكريمة وجوب الوفاء بالبيعة، انطلاقا من هذه الآية والآيةِ قبلها: {اِنَّ اَ۬لذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اَ۬للَّهَۖ يَدُ اُ۬للَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْۖ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦۖ وَمَنَ اَوْف۪ىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيْهِ اِ۬للَّهَ فَسَنُوتِيهِ أَجْراً عَظِيماٗۖ} [الفتح: 10].
فالآية صريحة في وجوب الوفاء بالبيعة للرسول ﷺ ولمن بعده من خلفائه إلى يوم الدين، وأن من نكث العهد بنقض البيعة فقد نكث على نفسه، أي يتحمل مسؤولية ذلك أمام الله تعالى وأمام السلطان وأمام الناس الذين شذ عنهم وفرق جماعتهم.
وفي الآية تفخيم لأمر البيعة وبيان لخطورتها في كونها مبايعة لله تعالى، وأن المبايعَ للرسول ﷺ مبايع لله عز وجل، موعود بالأجر العظيم عند الوفاء.
ومن زعم أن الآية خاصة بالرسول ﷺ فقد جانب الصواب، وشذ عن الإجماع، إلا من لا يعتد به، وأعوزه الدليل، مع توافر الأدلة على أن من بايع الرسول فقد بايع الله تعالى ومن بايع الأمير فقد بايع الرسول ﷺ، وهكذا تتسلسل النيابة في خلافة الله في الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
يقول النبي ﷺ: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني»[2].
ففي هذا الحديث يبين النبي ﷺ أن من أطاع أميره فقد أطاعه، ومن عصى أميره فقد عصاه، وأميرُه ﷺ هو نائبه في أمته في حراسة الدين وسياسة الدنيا في كل زمان ومكان، كما أجمع عليه المسلمون منذ وفاة النبي ﷺ إلى يوم الناس هذا.
الهداية الرابعة: تكريم الحق جل وعلا للموفين بالعهد بالرضوان وزيادة
وذلك ما ترشد إليه الآية الكريمة في قسمه سبحانه على رضوانه عنهم، إذ قال: {لَّقَدْ رَضِيَ اَ۬للَّهُ عَنِ اِ۬لْمُومِنِينَ}. فهذه الجملة فيها قسم مؤكد بلام القسم: لقد ومؤكد بقد المفيدة لتحقيق الفعل، إذ اللام في هذه العبارة، كما يحفظ الأئمة الفضلاء، للقسم:
واللام في لأفعلن أو لقد *** أو لئن القسم قبل يعتقد
فكل من اللام وقد لتوكيد الفعل وهو الرضوان، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج للقسم، ولكنه يقسم طمأنة لعباده وتأكيدا لرضاه عنهم؛ إذ أجمعوا على نصرة نبيه وحراسة دينه.
الهداية الخامسة: وصف الموفين بالعهد بالإيمان
إن وصف المبايعين تحت الشجرة بالإيمان لجدير بالاهتمام؛ إذ ينبئ على ما مدى أهمية الفعل الذي قاموا به، إذ بايعوا النبي ﷺ على الحق والنصرة، ويستفاد منه أن الوفاء بالبيعة من أهم صفات المؤمنين، كما جاء في آيات أخرى عامة، كقوله تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمُۥٓ إِذَا عَٰهَدُواْۖ} [البقرة: 177]. وقوله عز وجل: {وَالذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَۖ} [المؤمنون:8 والمعارج: 32]، وقوله سبحانه: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِۖ إِنَّ اَ۬لْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولاٗۖ} [الإسراء: 34]. ومن الأحاديث قوله ﷺ: «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات مِيتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عُمِّيَّة- أي الأمر الأعمى الذي لا يستبين وجهه- يغضب لعَصَبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، – أي فئة وجهة لا للدين ونصرته- فقُتِل، فَقِتلةٌ جاهلية، ومن خرج على أمتي، يضرب بَرَّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهدَه، فليس مني ولست منه»[3].
فهذه الآيات والأحاديث تدل دلالة واضحة على وجوب الوفاء بالبيعة لولي الأمر، وأنها عقد يربط بين الراعي والرعية، وتترتب عنه حقوق وواجبات لكلا الطرفين يجب الوفاء بها.
وأن الاستهانة بها أو خلعَها يورث لمن فعل ذلك ميتة جاهلية، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، كما جاء في حديث آخر.
الهداية السادسة: السكينة من ثمار الوفاء بالعهد
ومما ترشد وتهدي إليه الآية الكريمة كذلك أن الله تعالى أنزل السكينة على المؤمنين بسبب بيعتهم للرسول ﷺ تحت الشجرة، إكراما لهم وتثمينا لفعلهم.
ومن تذوَّق بلاغة الآية يستفيد ذلك: لقد رضي الله عن المؤمنين، متى؟ إذ يبايعونك، أين؟ تحت الشجرة، النتيجة فعلم ما في قلوبهم من الإيمان والإخلاص؛ لأن الإيمان الواقر في القلب، لا يفترق مع العمل الصالح الذي تعتبر البيعة الشرعية جزءا مهما منه، فبسبب ذلك أنزل السكينة عليهم، والسكينة هنا تشمل السكينة النفسية التي استفادوها من رضوان الله عنهم، كما تشمل السكينة المعنوية والمادية التي هي الأمن والأمان، الذي تمتعوا به واستفادوا منه بسبب صلح الحديبية لمدة سنتين ثم أثابهم فتحا قريبا وغنائم كبيرة، كل ذلك من علامات الرضى المختلفة الماديةِ منها والمعنوية.
الهداية السابعة: من فقه الآية
ومما تهدي إليه الآية الكريمة ويستفاد من فقهها أن البيعة رابطة بين الراعي والرعية، تكون على أساس نصرة الحق والدين، وتوجب الوفاء على المبايعَين؛ السلطانِ وأمتِه، كما توجب القيام بالواجب واستحقاق الحق، لكلا الطرفين؛ من السمع والطاعة ولزوم الجماعة وعدم شق عصا الطاعة من حقوق السلطان، ومن السهر على حفظ الدين وسياسة الدنيا وإقامة العدل ورد العدوان من حقوق الرعية.
كما يستفاد منها كذلك أن الدين الحق لا يفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي كما قد يبدو للبعض، بل هو شامل للحياة كلها، وقائم بالتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تستقيم الحياة شرعا ولا عقلا ولا عادة بدون رابطة تضبط أمر الأمة، كما قال الشاعر:
لا يصلح الناسُ فوضى لا سراة لهم *** ولا سراة إذا جهالهم سادوا
والبيت لا يبتنى إلا له عَمَدٌ *** ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تَجَمَّعَ أوتاد وأعمدة *** لمعشر بلغوا الأمرَ الذي كادوا[4].
فالشاعر يرى أن أحوال الناس لا تستقر بالفوضى، وعدم الانضباط، بل بالتعاون بين الأعمدة والأوتاد الذين هم أولياء الأمور وأهل الحل والعقد بمصطلح الفقهاء.
الهداية الثامنة: القيام بواجب الشكر على نعمة إمارة المؤمنين
ومما تفيد الآية الكريمة، وتوجه إليه الرسالة الملكية السامية إلى العلماء القيامُ بواجب الشكر لنعمة إمارة المؤمنين التي أكرمنا الله تعالى بها دون سائر الناس، والتحدثُ بذلك علنا وفي كل مكان، على سبيل الاعتزاز والاعتراف لله تعالى بفضله ومنته.
ومن شكر هذه النعمة المحافظة عليها وتعليمُ أصولها ومبادئها للناشئة، وبيانُ ما مَنَّ الله تعالى به علينا من الأمن والسكينة في هذا الوطن الغالي بسبب هذه النعمة، والدعاءُ الخالص لأمير المؤمنين، بالصحة والعافية والنصر والتأييد في جميع الميادين، ونشرُ هذه المعاني في الناس، حتى يحفظوها ويعرفوا قيمتها، ويتعاملوا معها بالإيجابية.
وهذه من مهام الأئمة والخطباء وسائر القيمين الدينين وكلِّ المعنيين بتحمل مسئولية التبليغ للناس.
والموفق من وفقه الله تعالى.
وإلى لقاء آخر بحول الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
