بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
السادة الأئمة الكرام؛
الحياة الطيبة مطلب كل إنسان، والباحثون عنها لا يحصون عددا، طلبها الناس وتطورت وسائلهم في طلبها وتعددت حين ظنوا أنها موصلة إليها، لكنها لم تفض بهم إلى مطلوبهم حين حادوا عن منهج القرآن الموصل إليها، فمنهم من زادت رغبته فيها ولو بغير وسائلها، ومنهم من يئس وتوقف إدراكا منه أنه أخطأ الطريق.
فمن الناس من يراها في المال أو في الزوجة والبنين، أو في الصحة، أو في المناصب، أو في المتعة، ومنهم من يراها في الكرامة والقناعة وطمأنينة القلب وانشراح الصدر، ومنهم من يرى أن السعادة رزق فإذا افتقر زالت سعادته، ومنهم من يراها صحة فإذا مرض زالت سعادته، لكن حقيقة الأمر أن الإنسان يسعد بالطاعات، وتقع له الوحشة بالمعاصي، ويسعد بالعمل الصالح ويقع له الغبن بالسيئات، ويسعد بمحبة المؤمنين ويشقى بالتنكر لحقوق المجتمع، إذ لا يتفطن الناس للوحشة التي تدفع السعادة وتمنعهم منها ويتوهمون أنها لفقدهم ما يحبون، فيسعون لطلب ما به يُشغلون عن الحياة الطيبة.
لقد استعملت الحياة الطيبة في لغة العرب بعدة معان؛ منها الرضا والفرح وجودة الحال وحسن المعيشة والراحة والارتياح، لكن أظهرَ مرادفاتها كلمة السعادة.
في حديث معاذ بن جبل كان النبي صلى الله عليه وسلم ينادي معاذا يا معاذ، فيقول معاذ لبيك رسول الله وسعديك[1]، وفي حديث يوم القيامة ينادي الله آدم يا آدم، فيقول: لبيك ربَّنا وسعديك[2].
قال الأزهري أخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى أنه قال: “سعديك أي مساعدة لك، ثم مساعدة وإسعادا لأمرك بعد إسعاد، وأصل الإسعاد والمساعدة متابعة العبد أمر ربه[3]“.
لكن السؤال الذي ستجيب عنه هذه الحلقة هو لماذا تفوت الحياة الطيبة كل الناس وكلهم في طلبها؟ ولماذا يعيشون ضدها والكل يهرب منه؟
أولا: الإيمان وتحقيق السعادة
هل للإيمان أثر في تحقيق السعادة أم لا يحققها إلا وجود المال؟ قال سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه قيل يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: “لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه[4]“.
هنا “أسعد” جاءت بصيغة التفضيل، يعني سعادة فوق السعادة العادية، وهي خاصة بالمؤمن، إذ إن عددا من الناس سيشفع فيهم النبي الكريم إما تخفيفا أو إخراجا من النار بعد دخولها، أو دخولا للجنة بغير حساب، لكن سعادة المؤمن خاصة به، فهو يشترك معهم في سعادتهم ويزيد ويتفوق عليهم، ولا يكون ذلك إلا لمن حقق الإيمان والعمل الصالح.
“كان رسول الله ﷺ في جنازة، فأخذ شيئا فجعل ينكت به الأرض، فقال: ما منكم من أحد، إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنَ اَعْط۪ىٰ وَاتَّق۪ىٰ وَصَدَّقَ بِالْحُسْن۪ىٰ﴾ [اليل: 5-6][5]“.
التسليمُ لأمر الله والرضا بقضاء الله والأخذُ بأسباب العطاء والتقوى والتصديق بالحسنى من أسس الحياة الطيبة، وهو ما يفضي بالمؤمن إلى اعتقاد أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، والمؤمن يجب أن يعلم علم اليقين أن الله سبحانه هو خالق الإنسان، وهو الذي يعلم ما يُسعده ويُفرحه، وليس أحدُُ أعلم من الله، فلا يمكن البحث عن السعادة إلا عن طريق الحق سبحانه.
السعادة وتزكية النفس:
لقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزكي الناس نفوسَهم ويربوها على الأخلاق الفاضلة، وأوصى بالحفاظ عليها ورعايتها تحقيقا للسعادة، لذلك قال: “ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس[6]“، وغنى النفس إيمانها بالله وعدم حرصها على المادة حرصا تقتل معه نفسها وروحها ومعالم الإيمان فيها.
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: “لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك[7]“، معناه لزوما لطاعتك بعد لزوم، وإسعادا لأمرك بعد إسعاد.
كان الفاربي يرى أن السعادة تتوقف على تحقيق الفضائل كلها وإن كان الناس متفاوتين في فضائلهم، فسعادتهم مرتبطة بأخلاقهم، وكان يرى أن الابتعاد عن الأعمال القبيحة أساس السعادة، إن ما دعا إليه الفارابي من العقل والحكمة ما هي إلا صحة الاعتقاد وتحقيق الإيمان وطهارة النفس.
ولم ترتبط سعادة المؤمن وحياته الطيبة يوما بالوصول إلى الماديات والاكتفاء منها، أو النجاحِ في الوضع الاجتماعي بقدر ما ترتبط بالانتقال من الغضب عن الدنيا إلى الرضا بالله، ولا يتحقق ذلك إلا بالإيمان قولا والعمل الصالح فعلا.
إنما تفوت الإنسان السعادة ويلحقه الشقاء من قبل أن الرئاسة للنفس الشهوانية نفسه الأمارة بالسوء، فمتى تأمرت عليه بطلت عنده أفعال الخير والجود، وكثر فيه الشر، فوجب عليه أن يسوسها ويروضها، وهو في ذلك محتاج للمعونة.
السعادة في الدنيا ثم الآخرة:
قال تعالى: (وَأَمَّا اَ۬لذِينَ سَعِدُواْ فَفِے اِ۬لْجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ اِ۬لسَّمَٰوَٰتُ وَالَارْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٖۖ) [هود: 108]، جنة أهل السعادة يمكن أن تكون في الدنيا قبل الآخرة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: “أربع من السعادة –وهي كلها في الدنيا “أسس الحياة الطيبة”- المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق[8]“، وإن سعادة الدنيا عند المؤمن هي أصل سعادة الدين، لأنه يستثمر سعادته في الدنيا من أجل الوصول إلى ربه سبحانه؛ سعادة في الدنيا وحياة طيبة في الآخرة.
بعد أن قسم أبو الحسن محمد بن يوسف العامري السعادة إلى أنواع؛ تحدث عن السعادة المطلقة والمقيدة، قال إن السعادة المطلقة هي التي ينال صاحبها الأفضل من الخيرات البدنية والنفسية ويفعل صاحبها الأفضل في جميع أوقاته وأن تكون جميع أفعاله على الفضيلة وفي جميع عمره، وفي جميع أوقاته وأحوالها، لا في وقت دون وقت، ولا في حال دون حال، والمقيدة هي التي يفعل فيها الأفضل على قدر حاله.
وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياة الطيبة في اجتناب الخطايا والبلايا وحسن التعامل مع الفتن والامتحانات والصبر عند وقوعها، فقال: “إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواها[9]“.
فالسعادة الحقيقة ليست بالمال، وإنما بتجنيب الله لك من الفتن والبلاء، فمن وقع فيها وصبر كان له أجر عظيم، وقوله صلى الله عليه وسلم “فواها” لها معنيان؛ إما ما أعظمه من صبر، أو إعجاب من فضله وقدرته على الصبر.
حلاوة الطاعة والسعادة:
كان الحسن البصري يقول: “تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء؛ في الصلاة، وفي الذكر وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق[10]“.
لا يذوق الحياة الطيبة إلا من أدرك حلاوة الإيمان ولذة الطاعة؛ إذا ذاقها وأحسها وعاش بها وآنس بوجودها.
الحياة الطيبة هي المقصود بقوله تعالى: {فَمَنْ يُّرِدِ اِ۬للَّهُ أَنْ يَّهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلِاسْلَٰمِۖ} [الأنعام: 26].
لقد كانت السعادة الكبرى عند المبلغين أن يشرح الله قلوب الناس على أيديهم وأن ينقلوهم من الغي إلى الرشاد.
حين سئل سيدنا بلال عن مرحلة تعذيبه من قِبَل قريش كيف صبرت يا بلال؟ قال: “مزجت حلاوة الإيمان بمرارة العذاب فطغت حلاوة الإيمان على مرارة العذاب فصبرت”.
هذه الحلاوة لابد لها من أصول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله، كما يكره أن يلقى في النار[11]“.
إن حلاوة الإيمان التي هي أصل سعادة الإنسان تختلف باختلاف حضور وقوة الإيمان، وتختلف باختلاف متعلقاتها وشروطها، وعلى رأسها مغالبة الهوى. عن مالك بن دينار قال: قال عبد الله الرازي: “إنْ سرك أن تجد حلاوة العبادة وتبلغ ذروة سنامها، فاجعل بينك وبين شهوات الدنيا حائطا من حديد[12]“.
إن من أكبر العقوبات وأعظم الحرمان أن يفقد الإنسان حلاوة الطاعة، قال ابن الجوزي: “ومن تأمل ذل إخوة يوسف عليه السلام يوم قالوا: (وتصدق علينا) [يوسف:88]، عرف شؤم الزلل، ومن تدبر أحوالهم، قاس ما بينهم وبين أخيهم من الفروق، وإن كانت توبتهم قبلت؛ لأنه ليس من رقع وخاط كمن ثوبه صحيح[13]“.
لقد كتب العلماء المسلمون عن السعادة ودققوا في أسبابها وأحوالها، فكتب “طاش كبري زاده” مفتاح السعادة ومصباح السيادة، وكتب ابن القيم مفتاح السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة، وكتب العز بن عبد السلام شجرة المعارف والأحوال، وكتب الغزالي كمياء السعادة، وكتب ابن المؤقت المراكشي السعادة الأبدية في التعريف بمشاهير الحضرة المراكشية، وكتب الراغب الأصفهاني تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، والناظر في مجموعها يجدها تحدد سبلا للحياة الطيبة توردها كما يلي:
السبيل الأول للحياة الطيبة صدق الإنسان فيما يفعل وإتقانه كل عمل بين يديه، وثاني السبل وأكبر مصدر للحياة الطيبة أمانة الإنسان فيما استحفظ عليه، لأن الله تعالى قال: (اِنَّا عَرَضْنَا اَ۬لَامَانَةَ) [الأحزاب: 72].
وثالث السبل أن يصلح الإنسان تدينه باعتبار أن الدين كامل وأن التدين اجتهاد في تطبيق تعاليم وقيم الدين.
ورابع السبل وهو أكبر مصدر للسعادة المحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف، فهي مصدر السعادة لأن شروط التمكين في النفس والواقع ارتبطت بها (اِ۬لذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمْ فِے اِ۬لَارْضِ أَقَامُواْ اُ۬لصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ اُ۬لزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِۖ وَلِلهِ عَٰقِبَةُ اُ۬لُامُورِۖ) [الحج: 39]، إن هذا التمكين في النفوس والقلوب ومع جماعة المسجد ليس أمرا ثانويا أو عبثيا، بل هو الأصل، ولا يكون إلا إذا أصلح الإنسان تدينه.
وخامسها الإيمان واليقين وحسن التوكل، قال ابن القيم رحمه الله: “في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه[14]“.
وسادسها التعاون والاعتدال، وذلك باتباع الأحكام التي أراد الله أن يستمد منها الإنسان فهمه لعلاقته مع غيره من المخلوقات في هذا العالم الكوني والحيوي والبشري؛
وسابعها التنظيم وفقه الأولويات، إذ بهما يستقيم السعي، ويُصان العمر عن التبدّد، فالتنظيم يورث الإتقان، وفقه الأولويات يَهدي إلى تقديم الأَولى فالأَولى، فتتوازن الأعمال وتطمئن النفوس، ويعيش المؤمن على بصيرةٍ وسكينة، وقد أحسن ترتيب دنياه في ضوء هدايات ربه.
وثامنها الإحسان إلى الناس ومعاملتهم بالحسنى، والتزامه بأداء الحقوق، تعبيرا عن شكرا نعم الله، وذلك بالعطاء والجود بجميع أنواع الإنفاق ودرجاته ابتداء من الكلمة الطيبة إلى البذل مما يملك من عمل أو وقت أو مال.
وتاسعها أن حياة الدين التي سماها الله في كتابه العزيز الحياة الطيبة والتي يرادفها في لغة العصر حسن المعيشة وجودة الحال هي حياة العيش الحلال، والبعد عن الحرام بكل صوره ظلما وغشا وكذبا.
الحياة الطيبة هي حياة قلبية تحصل بالذكر باعتباره استحضارا لأمر الله في كل حركة.
الحياة الطيبة هي حياة المتعة لا حياة الحرمان، متعة لا يشعر معها الإنسان بالوحشة بقدر ما تقربه من الله سبحانه وتعالى.
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، وفي حديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[1] أورده البخاري في كتاب اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل، رقم الحديث: 5967.
[2] أورده البخاري في كتاب الرقاق، باب كيف الحشر، رقم الحديث: 6529.
[3] تهذيب اللغة، الأزهري، 2/43.
[4] صحيح البخاري، رقم الحديث: 99.
[5] صحيح البخاري، رقم الحديث: 4949.
[6] صحيح البخاري، رقم الحديث: 6446.
[7] سنن النسائي، رقم الحديث: 898.
[8] صحيح ابن حبان، رقم الحديث: 4542.
[9] سنن أبي داوود، رقم الحديث: 4263.
[10] مدارج السالكين، ابن القيم، 3/208.
[11] صحيح البخاري، رقم الحديث: 21.
[12] الزهد، ابن أبي الدنيا، ص 80.
[13] صيد الخاطر، ابن الجوزي، 124.
[14] مدارج السالكين، ابن القيم، 4/17.
