
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة ليوم 5 ذي الحجة 1447هـ الموافق لـ 22 ماي 2026م
«أَهَمُّ مَضَامِينِ خُطْبَةِ الْوَدَاعِ وَالدُّرُوسِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْهَا»
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، نحمده تعالى ونشكره، ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. صلى الله وسلم عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وعلى آله الطيبين الأبرار، وصحابته الكرام الأخيار، ومن تبعهم واقتفى أثرهم في الليل والنهار.
أما بعد؛ أيها المؤمنون والمؤمنات، فإن الاعتصام بالكتاب والسنة، والرجوع إلى السيرة النبوية العطرة، هو الحصن الحصين، والملجأ المتين، لسياسة الدنيا وحفظ الدين، ومن أعظم ما يرجع إليه في ذلك «خطبة الوداع» وقد أودع فيها من الوصايا وَودَّعَ فيها الناس في حجته قبل التحاقه بالرفيق الأعلى، ومما جاء فيها:
أولا: الوصية بالتوحيد وملازمته، حيث حمد ﷺ الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال ﷺ:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ»[1].
وفي هذا القول النبوي تقرير وحدة الأصل الإنساني، ونفي لكل أشكال التمييز، وربط التفاضل بالتقوى لا بغيرها. وما تزال الإنسانية تعاني أشكال التمييز العنصري على أسس متعددة.
ثانيا: من الخطبة قوله ﷺ
«أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»[2].
وفي هذا الحديث النبوي الشريف، تحذير من صغائر الذنوب، ودليل على خطورة الشرك الخفي الذي هو هوى النفس وأنانيتها وما يحتقره الإنسان من أعماله المخالفة للشرع، وهو ما يرضى به الشيطان في زيغه ونفثه.
ثالثا: الوصية بحرمة الدماء والأعراض والأموال، حيث قال ﷺ:
«أَيُّ يَوْمٍ هَذَا وَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا وَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ فَقَالَ الصَّحَابَةُ: اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَلَيْسَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، وَالْيَوْمَ الْحَرَامَ، وَالْبَلَدَ الْحَرَامَ؟» قَالُواْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَبَنَى ﷺ الْمَقْصُودَ وَالْمُرَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ»[3].
وفي هذا الخطاب النبوي الشريف وضع حد لما كان يقع من الثأر في الجاهلية، ومنع الناس من العودة إلى ما كانوا عليه، من سفك الدماء وانتهاك الأعراض وأكل أموال الناس بالباطل.
رابعا: التوصية بالنساء وأداء الحقوق المتبادلة بين الزوجين، وحضور شأن الأسرة في هذا الخطاب التاريخي للنبي ﷺ
وفيه دليل على أهمية الأسرة ودورها في بناء وسلامة المجتمعات، فقال ﷺ:
«اِسْتَوْصُواْ بِالنِّسَاءِ خَيْرًا»[4]
وبين ﷺ أن الحقوق متبادلة بين الزوجين فقال:
«أَلَا وَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقٌّ، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بِيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَإِنَّ حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُواْ إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ»[5].
وهكذا؛ معاشر المؤمنين، كانت خطبة النبي ﷺ شاملة لأمر الدين والدنيا، كما أنه ﷺ أعطى للحقوق بين الخلق حيزا كبيرا في خطبته مما يوجب علينا احترام الغير والإحسان إليه، في الجوار والمعاشرة والمعاملة، وهذه هي آثار الإيمان الصادق، وثمار العمل الصالح، المحققين للحياة الطيبة للناس، كما قال الحق سبحانه:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِن ذَكَرٍ أَوُ أُنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمُ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[6].
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
معاشر المؤمنين؛
النقطة الخامسة ومن تمام ما أوصى به النبي ﷺ في خطبة الوداع، هي وصيته بلزوم الجماعة ومناصحة ولي الأمر
مما يعطي أهمية كبيرة لهذه الفريضة، فريضة لزوم الجماعة والسمع والطاعة لولي أمر المسلمين، إذ قال ﷺ:
«وَاعْلَمُواْ أَنَّ الْقُلُوبَ لَا تُغَلُّ عَلَى ثَلَاثٍ -أَيْ لَا يُخَالِطُهَا غِلٌّ وَلَا نِفَاقٌ-: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أُولِي الْأَمْرِ، وَعَلَى لُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ»[7].
ففي ذلك حفظ لوحدة الأمة، وصيانة لها من الفرقة والاختلاف.
سادسا: وصيته ﷺ بأداء الأمانة وترك الربا، حيث قال:
«فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ»[8].
والأمانة معاشر المؤمنين؛ شاملة لكل ما يتصرف فيه المسلم مما لله تعالى من حق العبادات، وللناس من حسن المعاملات، وما أسند إليه من أمور الناس تسييرا وتدبيرا.
يقول النبي ﷺ:
«أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَمَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: أَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَصِدْقُ الْحَدِيثِ، وَحُسْنُ الْخَلِيقَةِ، -أَيْ: اَلْخُلُقُ- وَعِفَّةُ طُعْمَةٍ -أَكْلُ الْحَلَالِ-»[9].
سابعا: الوصية بالكتاب والسنة واتباع الرسول ﷺ، والحرص على تبليغ شريعته، حيث قال ﷺ:
«وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّواْ بَعْدَهُ إِنِ اِعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُواْ: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ»[10].
وأوصى النبي ﷺ بالتبليغ فقال:
«أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا بِمَكَانِي هَذَا، فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ سَمِعَ مَقَالَتِي الْيَوْمَ فَوَعَاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ وَلَا فِقْهَ لَهُ، وَلَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ؟»[11].
وفي هذه الوصية تحميل مسؤولية التبليغ للعلماء، ووجوب القيام بأداء أماناته ﷺ، من التلاوة للكتاب، والتزكية للنفوس، وتعليم الناس أمور دينهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
هذه معاشر المؤمنين؛ بعض الوصايا النبوية التي تضمنتها خطبة الوداع، وفيها من الدروس والعبر الشيء الكثير، اكتفينا بأهمها، مما ينفع المسلمين في حياتهم الخاصة والعامة، والموفق من وفقه الله تعالى.
ألا فاحرصوا، عباد الله، على فعل الخير في هذه الأيام العشر، وأكثروا فيها من الصلاة والسلام على نبي الهدى، ومصباح الدجى، معلم الناس الخير: سيدنا محمد ﷺ، فاللهم صل وسلم وبارك على مَن بَعَثْتَهُ رحمة ونعمة، كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون.
وارض اللهم عن خلفائه الراشدين الناصحين لأمته من بعده؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب أجمعين. ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
وانصر اللهم عبدك الخاضع لجلالك وسلطانك، الحريص على حفظ سنة نبيك والاقتداء بسيرته، مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، نصرا عزيزا تعز به الدين، وترفع به شأن الإسلام والمسلمين. وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، مشدود الأزر بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة إنك سميع مجيب.
وتغمد اللهم بواسع رحمتك وعظيم جودك وعفوك الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن، الثاني اللهم طيب ثراهما وأكرم مثواهما، واجعلهما في أعلى عليين.
اللهم اجعلنا هداة مهديين، غير ضالين ولا مضلين، ووفقنا لاتباع سنة نبيك سيدنا محمد ﷺ، وأمتنا على ملته، وارحمنا وارحم والدينا وسائر موتانا وموتى المسلمين.
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
- [1] . شعب الإيمان للإمام البيهقي 7/132 وهو مخرج في مسند أحمد وغيره بألفاظ أخرى
- [2] . سنن الترمذي، أَبْوَابُ الْفِتَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باب دماؤكم وأموالكم عليكم حرام 4/461. رقم الحديث بالمنصة 5974.
- [3] . صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ4/39.
- [4] . صحيح مسلم، كتب الرضاع، باب الوصية بالنساء 2/1091.
- [5] . الترمذي في “جامعه” (2 / 455) أبواب الرضاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها رقم الحديث بالمنصة 5973.
- [6] . النحل 97.
- [7] . سنن الدارمي، المقدمة باب الاقتداء بالعلماء 1/258.
- [8] . سيرة ابن هشام خطبة النبي ﷺ في حجة الوداع 2/603.
- [9] . المعجم الكبير للطبراني 14/ 107.
- [10] . صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ 2/886.
- [11] . سنن الدارمي، باب الاقتداء بالعلماء 1/258.
