أولا: نص الحديث:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:» إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا. فَقَالَ: إِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ. قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ«.
ثانيا: تخريج الحديث ودرجته:
رواه الإمام البخاري في صحيحه (كتاب الاستئذان بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَـٰٓأَيُّهَا الذِيــنَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاٗ غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّــيٰ تَسْتَانِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَــيٰٓ أَهْلِهَا} [ترجمة طويلة] ورواه الإمام مسلم في صحيحه (كتاب اللباس والزينة بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقَاتِ، وَإِعْطَاءِ الطَّرِيقِ حَقَّهُ).
ثالثا: راوي الحديث:
أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: هو سعدُ بنُ مالك بن سِنان الأَنصاريُّ الخزرجي، أَبو سعيد الخُدري، مشهورٌ بكنيته من أصحاب الشجرة، فقيه نبيل، مكثرٌ من الحديث.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم الكثير، وروى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم.
وروى عنه من الصحابة: ابنُ عباس، وابنُ عمر، وجابر، وغيرهم.
استُصغر يوم أحد، واستُشهد أبوه بها، غَزَا هو ما بعدها. كان من أفقه أحداث الصحابة.
وقال الخطيب: كان من أفاضل الصحابة، وحفظ حديثاً كثيراً، وجاء أنه من الذين بايعوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم على أن لا يأخُذَهم في الله لومةُ لائم.
قال الواقدي: مات سنة أربع وسبعين. وقيل: أربع وستين. وقيل: ثلاث وستين. وقيل: سنة خمس وستين. (تاريخ الوفاة: 63 هـ أو 64 هـ أو 65 هـ أو 74 هـ).
رابعا: شرح الحديث وتحليل ما جاء فيه: (فقه الحقوق)
هذا الحديث الذي يُعد أصلًا في فقه “الحق العام” وتنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع، ففيه قطع الذرائع؛ لأن الجلوس في الطرقات ذريعة إلى تسليط البصر، وقلة القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلذلك نُهِيَ عنه.” وفيه الدلالة على الندب إلى لزوم المنازل التي يسلم لازمها من رؤية ما يكره رؤيته، وسماع ما لا يحل له سماعه، مما يجب عليه إنكاره، ومن معاونة مستغيث يلزمه إعانته”[1]، «وهذه الحقوق كلها واجبة على من قعد على طريق. ولما كان القعود على الطريق يُفضي إلى أن تتعلق به هذه الحقوق، ولعلَّه لا يقوم ببعضها فيتعرَّض لذمِّ الله تعالى ولعقوبته كره القعود فيها، وغلَّظ بالزجر المتقدِّم، والإنكار، فإن دعت إلى ذلك حاجة، كالاجتماع في مصالح الجيران، وقضاء حوائجهم، وتفقد أمورهم، إلى غير ذلك، قعد على قدر حاجتهم، فإن عرض له شيء من تلك الحقوق وجب القيام به عليه.»[2]
ويضع هذا الحديث ضوابط صارمة لاستخدام الطريق وهو “المرفق العام”، ويقسمها إلى خمسة حقوق أساسية:
1) غض البصر: عن النظر إلى المحارم من النساء وما لا يجوز النظر إليه، حماية لخصوصية المارة، وصيانة للأعراض، فمن حقوق الناس عدم التعرض لهم، ومعلوم أن الاطلاع على أحوال الناس وتتبع عوراتهم مما يكرهونه. فالمقصود «غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّهُ عَنِ الِاتِّسَاعِ فِي النَّظَرِ إِلَى كُلِّ مَا يُذَمُّ وَيُكْرَهُ وَإِلَى كُلِّ مَا يُشْغِلُ الْقَلْبَ، وَيُلْهِي عَنْ ذكر الله عز وجل، قالe: “النظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله فمن تركها خوفاً من الله أتاه الله عز وجل إيماناً يجد حلاوته في قلبه“[3]»[4]
ولله در العلامة ابن القيم رحمه الله حين قال: «وَالنَّظَرُ أَصْلُ عَامَّةِ الْحَوَادِثِ الَّتِي تُصِيبُ الْإِنْسَانَ، فَالنَّظْرَةُ تُوَلِّدُ خَطْرَةً، ثُمَّ تُوَلِّدُ الْخَطْرَةُ فِكْرَةً، ثُمَّ تُوَلِّدُ الْفِكْرَةُ شَهْوَةً، ثُمَّ تُوَلِّدُ الشَّهْوَةُ إِرَادَةً، ثُمَّ تَقْوَى فَتَصِيرُ عَزِيمَةً جَازِمَةً، فَيَقَعُ الْفِعْلُ وَلَا بُدَّ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ، وَفِي هَذَا قِيلَ: الصَّبْرُ عَلَى غَضِّ الْبَصَرِ أَيْسَرُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى أَلَمِ مَا بَعْدَهُ.[5]
ويجب على المسلم الاحتراز من «لذة رمي البصر حيثما وقع، من غير مبالاة، فإذا لم يلزمها الخفض عما لابد منه، وهو أن يكون خاشع الطرف، خافض النظر، اعتادت نفسه رمي البصر، لتدرك الأشياء، فإذا رأى الحرام لم يملك بصره، لأن شهوة النظر قد أخذت بعينه فملكته، فإذا ألزم عينه الغض عن النظر، ورمى بها إلى الأرض إذا مشى وقام وقعد، ماتت شهوة النظر إلى الأشياء، واعتادت غض البصر وحفظه، فإذا نظر نظر بحق، وإذا غض غض بحق، وصار نظره عبادة، وغضه عبادة[6].» فالواجب غَضُّ الْبَصَرِ عَنِ الْمَحَارِمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُـل لِّلْمُومِنِينَ يَغُضُّواْ مِنَ اَبْصـٰرهِمْ} [النور: 30].
2) كف الأذى: بأن لا يؤذي أحدا بجلوسه في الطريق بإقامة أحد من مكانه، ولا بالقعود فوقه، ولا بالتضييق عليه، ولا يجلس قبالة باب جاره فيتأذى بذلك، ويشمل النهي عن الأذى المادي كالتضييق على المارة أو رمي المخلفات، والأذى المعنوي كالغيبة أو السخرية. وهذا جوهر “حفظ النظام العام“.
3) رد السلام: وهو واجب اجتماعي لبناء جسور المودة والمحبة والأمان، وبث الطمأنينة في نفوس المجتمع. على من سلم عليه، ولو صبيًّا؛ فإن ابتداء السَّلامِ سنَّةٌ مستحبّة وليست بواجب، «فمن سلم فإنما يتأدب بأدب الله عز وجل، ويُحَيِّى إخوانه المسلمين بما أمره الله تعالى أن يحييهم به»[7] ، ورد السلام واجب متعين على تفصيل ذكره العلماء بين الفرد والجماعة… لقول الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَـنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} [النساء:86]، فيجب أن يرد بأحسن من تسليم من سلم عليه، أو على الأقل بمثله.
ونقل الإمام البيهقي عن الحليمي صاحب المنهاج «إنما كان رد السلام فرضا، وإن الابتداء تحية وبرا؛ لأن الأصل في التسليم أنه كلام أمان، فإن من دعا لآخر بالسلامة فقد أعلمه من نفسه أنه لا يريد به شرا، والأمان لا يتفرق حكمه بين اثنين، كان أحدهما آمنًا من الآخر، فواجب أن يكون الآخر آمنًا منه، فلا يجوز إذا سلم واحد على آخر أن يسكت عنه، فيكون قد أخافه، وأوهمه الشر، فلذلك وجب عليه الرد.»[8]
4) و5) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: حوَّل هذا الحديث الجالس في الطريق إلى “حارسٍ اجتماعيٍ” يسهم في استقامة السلوك العام ومنع المفاسد.
قال حجة الإسلام الغزالي في «إحياء علوم الدين»: «فإن الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ هُوَ الْقُطْبُ الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طُوِيَ بِساطُه، وأُهْمِلَ عِلْمُه وَعَمَلُه لتعطَّلتِ النبوةُ، واضمحلت الديانة، وعمت الفتنة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد».[9]
تنبيه وتنويه:
إن ورود هذه الشروط الخمسة في هذا الحديث لا يعني الاقتصار عليها وحدها، وعدم وجود غيرها، فقد ورد في بعض الأحاديث زيادات في بعض الروايات خارج الصحيحين منها:
1) “وحسن الكلام”؛
2) “وعون الضعيف”؛
3) “وإرشاد الضال” وفي رواية “وَاهْدُوا السَّبِيلَ” وفي أخرى: “وتَهْدُوا الضَّالَّ” وفي أخرى: “واهدوا الأغبياء”؛
4) “وتشميت العاطس إذا حمد”؛
5) “وأعينوا المظلوم”؛
6) “وَأَعِينُوا عَلَى الْحُمُولَةِ”؛
7) “وتُغِيثُوا المَلْهُوفَ” أي تُعِينُوا المتحيرَ المَظْلُوم في أمره؛
8) “ذكر الله كثيرًا”.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في «فتح الباري» : «ومجموع ما في هذه الأحاديث أربعة عشر أدبا، وقد نظمتها في ثلاثة أبيات وهي:
جَمَعْتُ آدَابَ مَنْ رَامَ الْجُلُوسَ عَلَى الطَّـ … ـرِيقِ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْخَلْقِ إِنْسَانَا
افْشُ السَّلَامَ وَأَحْسِنْ فِي الْكَلَامِ وَشَمِّـ … ـتْ عَاطِسًا وَسَلَامًا رُدَّ إِحْسَانَا
فِي الْحَمْلِ عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِنْ وَأَغِثْ … لَهْفَانَ اهْدِ سَبِيلًا واهْدِ حَيْرَانَا
بِالْعُرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ نُكْرٍ وَكُفَّ أَذًى … وَغُضَّ طَرْفًا وَأَكْثِرْ ذِكْرَ مَوْلَانَا»[10]
خامسا: الأحكام المستنبطة من الحديث والدروس المستفادة منه:
1. احترام النظام العام والمرافق العامة:
الطرقات والحدائق والممرات هي ملكية جماعية وليست خاصة، والتدين الصادق يفرض على المسلم ألا يضيق على الناس أو يزعجهم في تحركاتهم، وهو ما يصب في محور “حفظ النظام العام واستقرار الجماعة“.
2. تفعيل قيم الدين في الفضاء العام:
فتزكية النفوس لا تكون في المسجد فقط، بل إن “غض البصر” وسط المغريات في الطريق هو اختبار حقيقي لصدق الإيمان، و”إماطة الأذى” عن الطريق إعمال لمبدإ النظافة والطهارة الحسية والمعنوية.
3. المسؤولية الاجتماعية الجماعية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر):
المؤمن ليس سلبيًا؛ ولا يطوف حول كعبة نفسه بأنانية وفردانية، فإذا اختار التواجد في مكان عام، فعليه مسؤولية الإسهام في إصلاح محيطه، ودفع الضر عنه، وذلك يدخل في إطار “التعاون على دفع المفاسد وجلب المصالح“.
4. التوازن بين الحاجة الشخصية وحقوق الآخرين:
عندما نهى رسول الله r الصحابة عن الجلوس في الطرقات أو الصعدات قالوا: “ما لنا من مجالسنا بد”، فلم يمنعهم ﷺ منعًا باتًا، بل وضع لهم “شروطًا”؛ مما يعلمنا أن حرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حقوق الآخرين.
5. كف الأذى شعبة من شعب الإيمان:
يجب أن يفهم كف الأذى في عمومه وشموله، دون أن نقصره على عدم إلقاء القاذورات أو الأزبال في الطريق، أي: إماطة الأذى عن الطريق، بل كف الأذى بكل أشكاله وأنواعه عن الناس، وأداء الحقوق لهم؛ وأن يسلموا من أذاك سواء باللسان أو اليد، وأن لا يصلهم مكروه من جانبك، متى فعلتَ ذلك فقد حققت التدين الرشيد الصحيح.
6. الالتزام بالعهود والالتزامات:
آداب الطريق والجلوس فيه “بشرط إعطائه حقه” هو بمثابة عقد اجتماعي التزم به الصحابة، والوفاء بهذا الالتزام هو من باب “الوفاء بالواجبات والعهود“.
هذا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[1] انظر شرح صحيح البخاري لابن بطال (6/ 589)
[2] «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (5/ 487)
[3] رواه الطبراني في المعجم الكبير والحاكم في المستدرك.
[4] إحياء علوم الدين (2/ 111).
[5] الداء والدواء ص: 153.
[6] رياضة النفس للحكيم الترمذي رحمه الله تعالى ص: 38.
[7] شعب الإيمان (11/ 358).
[8] شعب الإيمان (11/ 359).
[9] إحياء علوم الدين (4/ 537).
[10] فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى(11/ 11).
