جارٍ تحميل التاريخ...

جارٍ تحميل التاريخ...

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

أيها السادة المشاهدون الأعزاء في هذه الحلقة نتابع الحديث عما تبقى من أقسام الحكم الوضعي ويتعلق الأمر بالعزيمة والرخصة.

فأقول وبالله التوفيق:

لقد أدرج كثير من الأصوليين العزيمة والرخصة ضمن الحكم الوضعي باعتبار أن العزيمة فيها اعتبار مجرى العادات سببا للجري على الأحكام الأصلية الكلية، وأن الرخصة عبارة عن وضع الشارع وصفا من الأوصاف أو عذرا من الأعذار سببا في التخفيف عن المكلف والسبب من أقسام الحكم الوضعي باتفاق.

1-تعريف العزيمة: العزيمة لغة: هي الإرادة المؤكدة والقصد المؤكد يقال عزم على فعل شيء إذا قصد فعله قصدا مؤكدا جازما.

 وفي اصطلاح علماء الأصول يراد بالعزيمة: ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء لكل المكلفين في جميع الأحوال.

 أو هي ما شرعه الله أصالة من الأحكام العامة التي لا تختص بحال دون حال ولا بمكلف دون مكلف، والعزيمة التي هي الحكم الأصلي تشملها الأحكام التكليفية الخمسة وهي الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة، ولا يسمى الفعل عزيمة إلا إذا كان هنالك رخصة تقابله، فالطهارة المائية عزيمة، لأن هناك رخصة تقابلها وهي الطهارة الترابية التيمم في حال فقدان الماء أو العجز عن استعماله، وصيام رمضان عزيمة لأن هناك رخصة تقابله وهي جواز الإفطار بسبب السفر أو المرض…

2-الرخصة: الرخصة لغة: التيسير والتسهيل، وتجمع على رخص مثل عرفة وغرف، وفي اصطلاح علماء الأصول هي ما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه وهذا التعريف للإمام الشاطبي.

 ومعنى ما شرع لعذر شاق أن سبب الرخصة هو العذر الشاق الذي يصعب معه الإتيان بالفعل الأصلي الذي هو عزيمة وذلك مثل المرض الذي يمنع المريض من القيام في الصلاة مثلاً فيرخص له أن يصلي جالسا، فالقيام في الصلاة عزيمة والجلوس لغير القادر على القيام رخصة، ومعنى قوله استثناء من أصل كلي يقتضي المنع أن الرخصة مستثناة من أصل يقتضي منعها وذلك مثل أكل الميتة الثابت بأصل كلي وهو قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اُ۬لْمَيْتَةُ} [المائدة: 4].

 وهذا الأصل الكلي المانع من أكل الميتة استثني منه حكم جزئي وهو إباحة أكلها لعذر وهو اضطرار المكلف إلى أكلها في حالة عدم وجود أي طعام حلال يسد به رمقه، ويعرض نفسه للهلاك إن لم يتناول الميتة. ومعنى قوله: مع الاقتصار على موضع الحاجة، أن الرخصة تبقى رهينة بوجود العذر، فإذا زال العذر وجب الرجوع إلى العزيمة، فالمسافر يرخص له مثلا في الإفطار في رمضان بشروط ليس هنا مجال ذكرها، وبمجرد انتهاء السفر وجب عليه أن يعود إلى الصيام وكذلك الفاقد للماء يتيمم حتى يجد الماء وبمجرد وجود الماء وجب عليه أن يتوضأ ويترك التيمم وهكذا…

أقسام الرخصة:

تنقسم الرخصة إلى عدة أقسام وذلك باعتبار حكمها، وباعتبار أنواع التخفيف فيها وباعتبار سببها.

1-   أقسام الرخصة باعتبار حكمها: تنقسم الرخصة حسب حكمها إلى أربعة أقسام.

أ‌-       رخصة واجبة: وذلك مثل أكل الميتة للمضطر فهذا الأكل واجب لحفظ حياته.

ب‌-  رخصة مندوبة: وذلك مثل قصر الصلاة للمسافر.

ت‌-  رخصة مباحة: وذلك مثل عقد السلم والإجارة والمساقاة التي رخص فيها الشرع استثناء من أصل كلي وهو عدم جواز العقد على المعدوم والمجهول، وهذه العقود الثلاثة وما يشبهها فيها عقد على معدوم ومجهول.

ث‌-  رخصة هي خلاف الأولى: وذلك مثل إفطار المسافر الذي لا يتضرر بالسفر في رمضان وإنما كانت هذه الرخصة خلاف الأولى استنادا إلى قوله تعالى: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمُ} [البقرة:183].

2-   الرخصة باعتبار أنواع التخفيف فيها:

شرعت الرخصة من أجل التخفيف والتيسير على المكلف في أحوال معينة وهذا التخفيف أنواع:

أ‌-      تخفيف إسقاط: وذلك مثل إسقاط وجوب صلاة الجمعة على المسافر والمريض، وإسقاط الصلاة على من لم يجد ماء ولا متيمما على قول، وإسقاط القضاء على من أفطر ناسيا في صيام التطوع عند المالكية، وفي صيام الفرض والتطوع عند غيرهم، واسقاط الحد بوجود شبهة قوية.

ب‌-  تخفيف نقص: وذلك مثل قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين.

ت‌-  تخفيف إبدال: مثل إبدال الوضوء والغسل بالتيمم، وإبدال القيام في الصلاة بالقعود للعاجز عن القيام، وإبدال غسل العضو المجروح بالمسح على جبيرة.

ث‌-  تخفيف تقديم أو تأخير: كجمع الظهر والعصر جمع تقديم بعرفة، وجمع المغرب مع العشاء جمع تأخير في المزدلفة، وجمع العشاء مع المغرب بسبب المطر.

3-   الرخصة باعتبار سببها: تتنوع الرخصة باعتبار أسبابها إلى أنواع أهمها:

1)   رخصة سببها الضرورة: ومعنى الضرورة عند الأصوليين أن يطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بنفسه، أو بعضو من أعضائه، أو بعرضه أو بعقله أو بماله، وحينئذ يجوز له ارتكاب المحظور رفعا للضرر عنه.

وإذا كانت الضرورة من أسباب إباحة المحظور فهل معنى ذلك أن المحظور يصير مباحا بالنسبة للمضطر إليه أم يبقى على أصله في الحرمة ويرتفع على المضطر الإثم فقط مثلا إذا اضطر المرء إلى أكل لحم الخنزير فهل يصير هذا اللحم بالنسبة إليه حلالا أم يبقى على أصله محرما ويرتفع عنه الإثم فقط بتناوله، في ذلك خلاف بين الفقهاء والذي عليه أكثرهم أن الشيء المحرم لا يصير حلالا بسبب الضرورة بل يبقى على أصله ويرتفع عن المضطر إلى تناوله الإثم فقط بدليل قوله تعالى: {فَمَنُ اُ۟ضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِۖ} [البقرة: 172]، أي فلا إثم عليه في تناول المحرم حال الضرورة مع بقاء المحرم على أصله في الحرمة.

2)   رخصة سببها الحاجة: وهي أكثر أنواع الرخص والحاجة نوعان عامة وخاصة.

 أ-الحاجة العامة: وهي التي تشمل عامة أفراد المجتمع مثل العقود التي جاءت على خلاف القياس أو جاءت مستثناة من قواعد عامة تقتضي المنع، وذلك مثل عقود السلم والإجارة والمساقاة التي يتم فيها العقد على شيء معدوم أثناء العقد، وقد تظافرت النصوص على أن العقد على المعدوم لا يجوز لما فيه من الغرر الفاحش والجهالة، غير أن هذه العقود وما يشبهها أجازها الشرع بالرغم من وقوع العقد فيه على معدوم نظرا لحاجة عامة الناس إليها في حياتهم.

 ب-الحاجة الخاصة: وهي التي ترتبط بفرد معين وذلك مثل كشف العورة قصد العلاج والغيبة إذا كانت للنصيحة أو أخذ الفتوى ومس المصحف والقراءة منه بالنسبة للحائض إذا كانت محفظة.

3)   رخصة سببها السفر: وذلك مثل قصر الصلاة الرباعية، والإفطار في رمضان، وترك الجمعة لمن تجب عليه، والتنفل على الراحلة.

4)   رخصة سببها النسيان أو السهو: وذلك مثل الأكل نسيانا في نهار رمضان، والكلام القليل في الصلاة، وترك التسمية عند الذبح نسيانا، ومس المحرم للطيب نسيانا، وغيرها من الأفعال التي يعذر فيها الإنسان بالنسيان ولا يؤخذ عليها وهي المرتبطة بحقوق الله تعالى، أما المتعلقة بحقوق العباد فلا يسقطها النسيان ولا يعتبر عذرا لإسقاطها لأنها مبنية على المشاحة بخلاف حقوق الله المبنية على المسامحة والعفو.

5)   رخصة سببها الخطأ: والمراد بالخطأ ما يقابل العبد المخطئ في حق من حقوق الله يرفع عنه الإثم والمؤاخذة، ومن أدلة ذلك قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِۦۖ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْۖ} [الأحزاب: 5]، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: “رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه”.

 ومعنى رفع الخطأ والنسيان عن الأمة؛ رفع المؤاخذة عليهما، وتقدير الكلام رفع عن أمتي إثم الخطأ والنسيان، أما الخطأ والنسيان فلا يتصور رفعهما عن الإنسان في جميع أحواله، وعدم المؤاخذة عن الخطأ وارد إذا كان متعلقا بحق من حقوق الله، أما الخطأ في حقوق الناس فإنه يرفع الإثم فقط، ولا يرفع الضمان أي التعويض عليها، ومن القواعد الفقهية المعروفة العمد والخطأ في أموال الناس سواء أي سواء من حيث وجوب التعويض على إتلافها.

6)   رخصة سببها الإكراه: والمراد بالإكراه هنا هو الإكراه التام أو الملجيء، وهو الذي يفقد معه المكره الإرادة والاختيار ويكون بتهديد حقيقي بإلحاق الضرر أو الأذى الشديد بالنفس أو عضو من الأعضاء أو المال… ففي هذه الحالة من الإكراه لا يؤاخذ المكره على ما استكره على فعله، بل المؤاخذة تقع على المكره الذي أرغمه على الفعل.

7)   رخصة سببها المرض: والرخص بسبب المرض كثيرة منها:

– التيمم إذا خاف المريض زيادة المرض باستعمال الماء أو تأخر برئه؛

– صلاة المريض قاعدا إذا منعه المرض من الوقوف؛

– كشف عورة المريض للطبيب قصد العلاج؛

– إفطار المريض في رمضان إذا خاف أن يزيد مرضه بالصيام أو يتأخر برؤه.

 وأنبه هنا ونحن مقبلون على شهر رمضان المبارك إلى أن بعض الناس يتحرجون من استعمال هذه الرخصة التي هي صدقة تصدق الله بها عليهم وهي الإفطار بسبب المرض فيصرون على الصيام بالرغم من مرضهم الذي قد يزيد بسبب الصيام، وزيادة المرض وتفاقمه بسبب الصيام قد لا يحس به المريض إذ هناك كثير من الأمراض الصامتة التي تتأثر سلبا بالصيام دون أن يحس المريض بذلك مثل مرض السكري الذي يتناول صاحبه حقنة الأنسولين، فقد ثبت طبيا أن هذا النوع من المرض يزداد خطورة بالصيام، لذلك لا يجوز للمصاب به أن يصوم بل يجب عليه أن يفطر، وعليه أن يعلم أن الحكم الشرعي بالنسبة إليه في هذه الحالة هو الإفطار، لأن الإفطار بالنسبة إليه رخصة والرخصة حكم شرعي والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. فلا ينبغي أن يحس بأي حرج وهو يفطر في نهار رمضان.

8)   رخصة سببها عسر الاحتراز عن الشيء لقلته أو غلبته: وذلك مثل قليل النجاسة تصيب الثوب أو البدن مع صعوبة الاحتراز منها، وبلل البواسر واستنشاق الغبار والبخار بالنسبة للصائم دون قصد، وقد ذكر الشيخ خليل في مختصره أمثلة كثيرة لما يعفى عنه بسبب عسر الاحتراز منه في فصل إزالة النجاسة من كتاب الطهارة.

هذه أهم أسباب الترخيص الشرعي وبها تنتهي هذه الحلقة، فإلى حلقة أخرى إن شاء الله.

استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.