بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، وعلى رأسهم حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم.
تحدثنا فيما مضى عن غزوة الأحزاب، وما تضمنت أحداثها من دروس عديدة، ومستفادات متنوعة، تشتد حاجة الأمة اليوم إلى استحضارها والأخذ بها.
ونواصل في هذه الحصة الحديث عن هذه المستفادات المستخلصة، بإيراد مستفادين آخرين، وهما: التفاؤل والأمل، وأهمية القائد القدوة.
المستفاد الأول: التفاؤل والأمل.
إن من الدروس المستفادة من غزوة الخندق التفاؤل والأمل، وعدم القنوط واليأس، فبالرغم من هول الموقف، وعدم تكافؤ موازين القوى، كان الصحابة الكرام مؤمنين بنصر الله لهم، موقنين أن الله تعالى سيعلي رايتهم، ويكفيهم شر عدوهم.
قال الله عز وجل في وصف شعور المؤمنين في حسن ظنهم بربهم، وتفاؤلهم بوعد الله للصادقين من عباده: {وَلَمَّا رَءَا الْمُومِنُونَ الاَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَمَا زَادَهُمُ, إِلٓاَّ إِيمَـٰناً وَتَسْلِيماً} [الأحزاب: 22].
قال الرازي في بيان معنى الآية: “لما بين حال المنافقين، ذكر حال المؤمنين، وهو أنهم قالوا: هذا ما وعدنا الله من الابتلاء، ثم قالوا: وصدق الله ورسوله في مقابلة قولهم: {مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ, إِلاَّ غُرُوراً} [الأحزاب: 12]، وقولهم: وصدق الله ورسوله، ليس إشارة إلى ما وقع، فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع، وإنما هي إشارة إلى بشارة، وهو أنهم قالوا: هذا ما وعدنا الله، وقد وقع، وصدق الله في جميع ما وعد، فيقع الكل، مثل فتح مكة، وفتح الروم وفارس. وقوله: ما زادهم إلا إيمانا، بوقوعه، وتسليما عند وجوده”.[1]
لقد كان الرسول الكريم e يشحذ همم الصحابة الكرام، ويقوي عزائمهم، بما يجعلهم متفائلين بالنصر الكبير، والفتح المبين.
عن البراء بن عازب قال: “أمرنا رسول الله e بحفر الخندق، قال وعرض لنا فيه صخرة لم تأخذ فيها المعاول، فشكوناها إلى رسول الله e، فجاء فأخذ المعول ثم قال: باسم الله، فضرب ضربة، فكسر ثلث الحجر، وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال: باسم الله، وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال: باسم الله، وضرب ضربة أخرى، فقلع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا”.[2]
إن من صفات الرسول e التفاؤل، لذلك كان يحب الفأل ويكره التشاؤم، ففي الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه عن النبيe قال: “لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة “.[3]
قال ابن عباس رضي الله عنهما: “الفرق بين الفأل والطيرة: أن الفأل من طريق حسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء، فلذلك كرهت”.[4]
والتفاؤل يقوم على أمرين رئيسين: حسن الظن بالله تعالى، والتوكل عليه سبحانه وتعالى، وبهما يبلغ العبد مبتغاه، ويحقق مرجوه. وهذا ما يقود إلى مقام الطمأنينة الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله: {وَعَسيٰٓ أَن تَكْرَهُواْ شَيْـٔاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسيٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيْـٔاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 214].
إن مما يتعين على المبلغين القيام به في سياق التبليغ، أن يذكروا الناس بأهمية التفاؤل في الحياة وخطورة التشاؤم عليهم، ليكونوا على التي هي أعدل وأقوم، بألا يغتروا بطول الأمل بسبب الغفلة والشرود، أو يقنطوا من رحمة الله بسبب اليأس والتشاؤم.
وصدق رب العزة القائل في محكم التنزيل: {قُلْ يَـٰعِبَادِيَ الذِيــنَ أَسْرَفُواْ عَلَــيٰٓ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاٗ اِنَّهُ, هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 50].
ولله در الرازي في سوقه لطائف من الآية تشد إليها الرحال، إذ قال: “المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية تدل على الرحمة من وجوه:
الأول: أنه سمى المذنب بالعبد، والعبودية مفسرة بالحاجة والذلة والمسكنة، واللائق بالرحيم الكريم إفاضة الخير والرحمة على المسكين المحتاج.
الثاني: أنه تعالى أضافهم إلى نفسه بياء الإضافة فقال: يا عبادي الذين أسرفوا، وشرف الإضافة إليه يفيد الأمن من العذاب.
الثالث: أنه تعالى قال: أسرفوا على أنفسهم، ومعناه أن ضرر تلك الذنوب ما عاد إليه، بل هو عائد إليهم، فيكفيهم من تلك الذنوب عود مضارها إليهم، ولا حاجة إلى إلحاق ضرر آخر بهم.
الرابع: أنه قال: لا تقنطوا من رحمة الله، نهاهم عن القنوط، فيكون هذا أمرا بالرجاء، والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم.
الخامس: أنه تعالى قال أولا: يا عبادي، وكان الأليق أن يقول لا تقنطوا من رحمتي، لكنه ترك هذا اللفظ وقال: لا تقنطوا من رحمة الله، لأن قولنا الله أعظم أسماء الله وأجلها، فالرحمة المضافة إليه يجب أن تكون أعظم أنواع الرحمة والفضل.
السادس: أنه لما قال: لا تقنطوا من رحمة الله، كان الواجب أن يقول إنه يغفر الذنوب جميعا، ولكنه لم يقل ذلك، بل أعاد اسم الله، وقرن به لفظة إن المفيدة لأعظم وجوه التأكيد، وكل ذلك يدل على المبالغة في الوعد بالرحمن.
السابع: أنه لو قال: يغفر الذنوب، لكان المقصود حاصلا، لكنه أردفه باللفظ الدال على التأكيد فقال جميعا، وهذا أيضا من المؤكدات.
الثامن: أنه وصف نفسه بكونه غفورا، ولفظ الغفور يفيد المبالغة.
التاسع: أنه وصف نفسه بكونه رحيما، والرحمة تفيد فائدة على المغفرة، فكان قوله إنه هو الغفور، إشارة إلى إزالة موجبات العقاب، وقوله الرحيم، إشارة إلى تحصيل موجبات الرحمة والثواب.
العاشر: أن قوله إنه هو الغفور الرحيم، يفيد الحصر، ومعناه أنه لا غفور ولا رحيم إلا هو، وذلك يفيد الكمال في وصفه سبحانه بالغفران والرحمة، فهذه الوجوه العشرة مجموعة في هذه الآية، وهي بأسرها دالة على كمال الرحمة والغفران، ونسأل الله تعالى الفوز بها والنجاة من العقاب بفضله ورحمته”.[5]
المستفاد الثاني: أهمية القائد القدوة.
لقد ظهر من أحداث غزوة الأحزاب كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قريبا من قومه، مشاركا لهم في الاستعداد لمواجهة العدو، حيث ساهم في حفر الخندق إلى جانب صحبه الكرام، وجاع كما جاعوا، وأكل معهم الطعام في إناء واحد، وردد معهم أناشيد تحفز على العطاء والاجتهاد، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أثناء حفره يردد أبيات عبد الله بن رواحة رضي الله عنه:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ** ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ** وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأُلى قد بغوا علينا ** وإن أرادوا فتنة أبينا
يرفع بها صوته.[6]
والمسلمون يردون عليه قائلين: نحن الذين بايعوا محمدا على الإسلام ما بقينا أبدا.
فأجابهم النبي e فقال: “اللهم لا عيش إلا عيش الآخره، فأكرم الأنصار والمهاجره”.[7]
وقد قابل الصحابة الكرام هذه الشمائل النبوية، والتصرفات المحمدية بالسمع والطاعة، وبذل الجهد في أداء المهام الموكولة إليهم بحب وتفان.
وهذا ما يؤكد أهمية القائد القدوة الذي يحبه قومه، ويمتثلون توجيهاته بشغف، إذ من شأن هذا أن يرص الصفوف، ويوحد الآراء، ويقوي الشوكة…
إن القائد القدوة هو الذي يشرك قومه في تحقيق الأهداف المرجوة، باستشارة أهل الحل والعقد، وتوزيع الأدوار، ليستشعر كل أحد أهميته في الجماعة، ومنزلته في الذود عنها، وضمان استمرار وجودها، بما يجعل الجميع حاملا هم الأمة، مستفرغا وسعه في حراستها مما يهددها، والإسهام في تنميتها.
يقول محمد الغزالي: “ومحمد e لم يطلب من الناس أن يقدسوا فيه صورة اللحم والدم، ولا أن يرغبوا بنفسه عن أنفسهم، ليموتوا كي يحيا، أو ليهونوا كي يعظم، أو ليفتدوا أمجاده الخاصة بأرواحهم وأموالهم، أو ليتأله فوقهم، كما تأله فرعون وأمثاله من الجبارين كلا كلا، فمحمد e يريد من المؤمنين أن يقدسوا فيه معنى الرسالة وأن يفتدوا فيه مثلها العالية، وأن يصونوا -في شخصه- معالم الحق المنزل، ومآثر الرحمة العامة”.[8]
لقد أبان النبي الكريم e عن عبقرية فذة في قيادة الصحابة الكرام من خلال جملة من التدابير المحكمة والتخطيطات المتقنة، التي جمع فيها بين الاستعدادين الروحي والمادي، كما هو جلي في العناصر الآتية:
_ التضرع إلى الله تعالى، وذكره سبحانه وتعالى، والدعاء بالنصر والتمكين؛
_ الأخذ بالأسباب بحفر الخندق؛
_ استخدام الصحابي الجليل نعيم بن مسعود للتأثير على الجبهة الداخلية للعدو؛
_ التخطيط الاستشرافي لما بعد الأحزاب لحصار بني قريظة الذين نقضوا العهد، ليفرض بذلك واقعا سياسيا وعسكريا جديدا.
نسأل الله سبحانه عز وجل أن يوفقنا للتي هي أقوم، وأن يكتب لنا العون والرشاد، والتوفيق والسداد، آمين. والحمد لله رب العالمين.
[1] _ التفسير الكبير 25/ 163، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة الثالثة 1430هـ.
[2] _ مسند أحمد، مسند الراء بن عازب.
[3] _ صحيح البخاري، كتاب الطب، باب الفأل، وصحيح مسلم، كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون فيه الشؤم.
[4] _ فتح الباري شرح صحيح البخاري 10/ 215، دار المعرفة – بيروت، 1379ه.
[5] _ التفسير الكبير 27/ 465، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة الثالثة 1430هـ.
[6] _ صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الرجز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق.
[7] _ صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب البيعة في الحرب أن لا يفروا، وقال بعضهم على الموت.
[8] _ فقه السيرة ص 208، دار القلم _ دمشق، الطبعة الأولى 1447هـ.
