جارٍ تحميل التاريخ...

صفات المؤمنين – ذ. محمد بوشركة

النسخة المكتوبة

انطلاقا من قوله تعالى:

{قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ اَ۬لذِينَ هُمْ فِے صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَ} إلى قوله تعالى: {اَ۬لذِينَ يَرِثُونَ اَ۬لْفِرْدَوْسَۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ} [المؤمنون: 1-11].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي المصطفى الأمين، وعلى آله وصحابته والتابعين.

أما بعد فيأيها السادة الأئمة الفضلاء؛

الحديث مع حضراتكم اليوم سيكون عن صفات المؤمنين، وذلك انطلاقا من قول ربنا سبحانه وتعالى في أوائل سورة المؤمنين:

{قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ ١ اَ۬لذِينَ هُمْ فِے صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَۖ ٢ وَالذِينَ هُمْ عَنِ اِ۬للَّغْوِ مُعْرِضُونَۖ ٣ وَالذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَۖ ٤ وَالذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمُۥٓ أَوْ مَا مَلَكَتَ اَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَۖ ٦ فَمَنِ اِ۪بْتَغ۪ىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْعَادُونَۖ ٧ وَالذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَۖ ٨ وَالذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ ٩ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْوَٰرِثُونَ ١٠ اَ۬لذِينَ يَرِثُونَ اَ۬لْفِرْدَوْسَۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَۖ ١١} [المؤمنون: 1-11].

وسنتناول هذه الآيات الكريمات من خلال عدة وقفات، وسنقسمها إلى لقاءين: اللقاء الأول لهذا اليوم سنتناول فيه ست وقفات:

الوقفة الأولى: ربطُ مفتتح السورة بمختتم السورة التي قبلها

فقد ختم الحق سبحانه سورة الحج في الآية ما قبل الأخيرة بقوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَۖ}[الحج: 75]، مخاطبا المؤمنين، وافتتح سبحانه سورة المؤمنين بقوله: {قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ} [المؤمنون: 1]، لما قال الحق- تبارك وتعالى- في الآية السابقة من سورة الحج: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَۖ}[الحج: 75]، وكانت لعل تفيد الرجاء، أراد سبحانه أن يؤكد هنا على فلاح المؤمنين فقال: {قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ} [المؤمنون: 1]، وأن الرجاء من الله واقع ومؤكد، لذلك جاء بأداة التحقيق ﴿قد﴾ التي تفيد تحقق وقوع الفعل، وهكذا تنسجم بداية سورة (المؤمنون) مع نهاية سورة (الحج)”[1].

بمعنى إذا أردتم الفلاح فاتصفوا بهذه الصفات فتكونوا من المؤمنين المفلحين.

الوقفة الثانية: في فضل هذه الآيات المباركات

أخرج أحمد، والترمذي، والنسائي في السنن الكبرى، واللفظ للترمذي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كان إذا نَزَلَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوَحْيُ نسمَعُ عند وجهِهِ كدوِيّ النّحْلِ، فمكثنا ساعة، فاستقبلَ القِبْلَة ورفع يديه، فقال: اللهم زِدْنَا ولا تنقُصنا، وأكْرِمْنا ولا تُهِنّا ولا تحرمنا، وآثِرْنا، ولا تُؤْثِر علينا، وارْضَ عنا، ثم قال: لقد أُنْزِلَ علينا عشرُ آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ {قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ} حتى ختم عشر آيات”[2].

الوقفة الثالثة: المؤمن في الدنيا كالفلاح إذا زرع حصد في الدنيا والآخرة

مادة (فلح) في قوله تعالى: {قد افلح} مأخوذة من فلاحة الأرض، فالمؤمن كالفلاح إذا اجتهد في الدنيا حصد ثمرة اجتهاده في دنياه وآخرته، “فالحق- تبارك وتعالى- يعطينا صورة من واقعنا المشاهَد، ويستعير من فلاحة الأرض ليعبر عن فلاَح المؤمن وفوزه بالنعيم المقيم في الآخرة، فالفلاح يحرث أرضه ويسقيها ويرعاها فتعطيه الحبة بسبعمائة حبة، وهكذا سيكون الجزاء في الآخرة: {مَّثَلُ اُ۬لذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِے سَبِيلِ اِ۬للَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ اَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَۖ فِے كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۖ وَاللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَنْ يَّشَآءُۖ وَاللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 260]،
فإذا كانت الأرض المخلوقة لله عز وجل تعطي كل هذا العطاء، فما بالك بعطاء مباشر من خالقك وخالق الأرض التي تعطيك؟ وكما أن الفلاح إذا تعب واجتهد زاد محصوله، كذلك المؤمن كلما تعب في العبادة واجتهد زاد ثوابه وتضاعف جزاؤه في الآخرة”[3].

الوقفة الرابعة: معنى الصفة الأولى من صفات المؤمنين {اَ۬لذِينَ هُمْ فِے صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُون} 

الخشوع “أصله في الشرع: خشية من الله تكون في القلب، فتظهر آثارها على الجوارح.
وقد عد الله الخشوع من صفات الذين أعد لهم مغفرة وأجراً عظيماً في قوله في سورة الأحزاب: {أَعَدَّ اَ۬للَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةٗ وَأَجْراً عَظِيماٗۖ} [الأحزاب: 35].

فالخشوع في أصل اللغة الانخفاض، والذل، والسكون، قال تعالى: {وَخَشَعَتِ اِ۬لَاصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ} [طه: 108]؛ أي سكنت، وذلت، وخضعت. ومنه وصف الأرض بالخشوع وهو انخفاضها، وعدم ارتفاعها بالري والنبات، قال تعالى: {وَمِنَ اٰيَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى اَ۬لَارْضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا اَ۬لْمَآءَ اَ۪هْتَزَّتْ وَرَبَتِۖ} [فصلت: 38].

والخشوع عمل من أعمال القلوب، يترتب عليه سكون في الهيئة وانفعال في الوجدان بما يلائم مقصود العبادة.

قال الإمام القرطبي رحمه الله: “والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه؛ إذ هو ملكها، حسبما بيناه أول البقرة.

وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شيء وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا.

 وقال عطاء: هو ألا يعبث بشيء من جسده في الصلاة.

 وأبصر صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: “لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه”[4].

الوقفة الخامسة: ما معنى خشوع النفاق؟

قال حذيفة – رضي الله عنه -: “إياكم وخشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع”[5].

لذلك لما رأى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – رجلاً طأطأ رقبته في الصلاة قال له: “يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب”[6].

ورأت عائشة رضي الله عنها شباباً يمشون ويتماوتون في مشيتهم، فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ قالوا نُسَّاك (أي عُبَّاد)، فقالت: “كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع، وكان هو الناسك حقّاً”[7].

الوقفة السادسة: الحكمة من افتتاح صفات المؤمنين بالخشوع في الصلاة

جعل أول وصف للمؤمنين الذين أفلحوا: {اَ۬لذِينَ هُمْ فِے صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَۖ}

فلم يقل مثلا: مؤدون، لأن أمر أداء الصلاة في حق المؤمنين مفروغ منه، العبرة هنا بالهيئة والكيفية، العبرة بالخشوع والخضوع وسكينة القلب وطمأنينته، واستحضار الله الذي تقف بين يديه.
كما تقول لولدك: اجلس أمام المعلم باهتمام، واستمع إليه بإنصات، فأنت لا توصيه بالذهاب إلى المدرسة أو حضور الدرس، فهذا أمر مفروغ منه، لذلك تهتم بجوهر الموضوع والحالة التي ينبغي أن يكون عليها.

فالمؤمن حين يتوجه بقلبه إلى خالقه فإن الدم كله يتركز في القلب، أما حين تنشغل الجوارح الأخرى فإن الدم يتفرق في تلك الجوارح، ولا يتحقق الخشوع المطلوب.

أيها المسلم الكريم، “ألا يستحق منك ربك وخالقك أن تتفرغ له سبحانه على الأقل وقت صلاتك، وهي خمس دقائق في كل وقت من الأوقات الخمسة، وقد ترك لك باقي الوقت تفعل ما تشاء؟ أتستكثر على ربك أن تفرغ له قلبك، وأن تستحضره سبحانه، وهذه العملية في صالحك أنت قبل كل شيء، في صالحك أن تكون في جلوة مع ربك تستمد منه سبحانه الطاقة والمعونة، وتتعرض لنفحاته وإشراقاته وتقتبس من أنواره وأسراره؟”[8].

فاللهم اجعلنا من عبادك الخاشعين، واجعلنا من عبادك الأوابين، واجعلنا من عبادك المخلصين. آمين.

والحمد لله رب العالمين.

 



[1] تفسير الشعراوي، ج:16، ص: 9959.

[2] سنن الترمذي، رقم: 3173.

[3] تفسير الشعراوي، ج:16، ص: 9960.

[4] الجامع لأحكام القرآن، ج: 12، ص: 102.

[5] مسند الفردوس للديلمي، رقم: 3007.

[6] إحياء علوم الدين للغزالي، ج: 5، ص: 41.

[7] مدارج السالكين لابن القيم، ج:1، ص: 521.

[8] تفسير الشعراوي، ج: 16، ص: 9963.

شاهد أيضا

تصنيفات

At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)