جارٍ تحميل التاريخ...

التبليغ والإخلاص – ذ. محمد درقاوي

النسخة المكتوبة

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

السادة الأئمة الكرام؛

الأصل في عمل الإنسان أن يكون مخلصا فيه لله رب العالمين، وكل عمل جانب الإخلاص فسد ورد على صاحبه ومحقت بركته، لأن صفة الإحسان ارتبطت بالإخلاص، وقد تعددت مداخل معالجة ما ينافي الإخلاص في الأعمال والأقوال في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛

منها ما يتعلق بالإنفاق، قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِالْمَنِّ وَالَاذ۪ىٰ} [البقرة: 263].

ومنها ما يتعلق بالصلاة، قال تعالى: {فَوَيْلٞ لِّلْمُصَلِّينَ ٤ اَ۬لذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ٥ اَ۬لذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ وَيَمْنَعُونَ اَ۬لْمَاعُونَۖ} [الماعون: 4-6].

ومنها ما يستهدف النفس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ثعلبة الخشني: «بلْ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ العَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَبْضِ عَلَى الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ[1]“.

إعجاب كل ذي رأي برأيه” هي أن يغتر الإنسان برأيه ويتشبث به دون أن يعرضه على الشرع وعلى اختيارات الأمة وإجماع علمائها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ذُلا يوم القيامة.[2]

قال مطرف: “لأن أبيت نائما وأصبح نادما خير لي من أن أبيت قائما وأصبح معجبا[3]“.

بعد عرض هذه النصوص، لابد أن نبين مَلحظا مهما وهو الفرق بين الشهرة النافعة والرياء المحبط للأعمال، فالرياء نقيض الإخلاص، وهو الذي يبطل الأعمال، ولا يصح أن يطلق على لفظ الشهرة إن كانت فيما يمدح وينفع، ومدار الأمر كله على النية.

إن الإمام باعتباره قدوة للناس وموجها إلى الخير لا يناسبه أن يسعى وراء الشهرة المذمومة، لأن مهمة الإمام تطالبه أن يتعلق بالمعاني وينظر إلى المجد الحقيقي، وهو الذي يحث الناس على احتساب الأجر من الله تعالى، وهو من يحذرهم من كدورات الرياء، وهو من ينبههم إلى خطورة التماس الشهرة المذمومة والجري وراء الجزاء والشكور والاتصاف بالعجب والغرور.

وبيان كل هذا كما يلي:

قال تعالى: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ اُ۬لزِّينَةِ وَأَنْ يُّحْشَرَ اَ۬لنَّاسُ ضُحىٗۖ} [طه: 58]، لقد طلبهم سيدنا موسى عليه السلام يوم عيدهم الذي يجتمعون فيه، وضمن حضور الرجال والنساء والأطفال والشيوخ والأشراف والعاملين والعاطلين وغيرهم لتشتهر تلك الحادثة ويظهر خيرها في المجتمع، ولو جعلها حبيسة أفراد وعبد عليه السلام ربه في بيته ما انتشر الخير وسط الناس، فرغبة سيدنا موسى في إظهار الخير وإشهاره إنما هو لتحقيق الفضل والنصح في المجتمع.

وهو ما وقع لسيدنا يوسف عليه السلام حين {قَالَ اَ۪جْعَلْنِے عَلَىٰ خَزَآئِنِ اِ۬لَارْضِ إِنِّے حَفِيظٌ عَلِيمٞۖ} [يوسف: 55]، فهو لم يقصد به استحقاقه وحبه للظهور وإعجابه بنفسه، وإنما طلب ذلك لينتفع الناس من حوله من تلك المنزلة خاصة في أوقات الشدة والحاجة، ورأى عليه السلام من نفسه كفاءته في التدبير والقيادة.

وهذه الآية أصل لوجوب عرض المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علم أنه لا يصلح له غيره، لأن ذلك من النصح للأمة، وخاصة إذا لم يكن ممن يتهم بإيثار منفعة نفسه على مصلحة الأمة، وقد علم عليه السلام أنه أفضل الناس هنالك لأنه كان المؤمن الوحيد في ذلك القطر، فهو لإيمانه بالله يبث أصول الفضائل التي تقتضيها شريعة أبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام[4].

إن حصول الشهرة المحمودة يكون بإحسان توظيفها في الخير، وهي التي تكون خالية مما يفسد رسالة الإمام وموقعه، وأن تكون وسيلَته لأداء رسالته لا غايته من أعماله.أأ

أما إذا كانت الشهرة مذمومة يسعى من ورائها صاحبها لحب الظهور والتسابق لدوائر الضوء والبحث عن المديح فهذا لا يتناسب وهذا المقام، ولا ينسجم مع التكليف والاستخلاف، ولا يتماشى مع المركز الذي وضع المجتمع الإمام فيه.

في ترجمة عبد الله بن الحسن العنبري (ت168) أحد سادة البصرة وفقهائها وعلمائها، وكان قاضيها، قال عبد الرحمن بن مهدي تلميذه: “كنا في جنازة فسألته عن مسألة فغلط فيها، فقلت له -وأنا يومئذ حدث-: أصلحك الله ليس هكذا، القول فيها كذا وكذا، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه فقال: صدقت يا غلام، إذا أرجع إلى قولك وأنا صاغر، لأن أكون ذنبا في الحق أحب إليّ من أن أكون رأسا في الباطل[5]“.

إن الشهرة المحمودة هي التي لا ينظر فيها إلى صاحبها بقدر ما ينظر إلى أثر شهرته في المجتمع من جهة توجيه الناس لما ينفعهم في الدنيا قبل الآخرة، والإمام باعتباره قدوة حقيقية يتبعها الناس يجعل له مكانا وسط جماعة الخير بقدر ما يحمله في قلبه من الخير والنصح لهم، وعمله معهم دائم ومتصل فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل.

وما كان لغير الله يتصدر المشاهدات في تسارع مهيب، ثم تزيحه شهرة إنسان آخر بمتابعة أقوى منه، أما الإمام فهو ثابت في مكانه راسخ في رسالته، لا يمكن أن يكون ضمن سلسلة تنتج مشاهير يحلون محل بعضهم البعض، لأنه مسؤول عن جماعة المسجد بأسرهم يوجههم نحو القدوة الصالحة، ويميزون بين يديه بين الحق الدائم والباطل الزائل.

لقد تكفلت قيم الدين بحفظ رسالة الإمام، وزودتها بما يحفظ عليها صلاحيتها المطلقة تتخلص بها جماعة المسجد من سقامها وتستريح بها من آلامها.

يقول ابن خلدون: “المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها[6]“.

إن الشهرة المذمومة ناتجة عن قصور في العلم وضعف في الدين، وهي تغطية للنقص وسوء في الفهم وعدم التمييز بين الظواهر الصحية والإيجابية، فحين تبدأ الأنا تتضخم ويبدع صاحبها أفكارا وأحداثا ليحتل مركز القوة في نظره، وقد يأتي ذلك منه على حساب ثوابت الناس وقوانينهم ونظمهم في الحياة.

الإمام يعلم الناس أن الزمن كشّاف، وأن ما يخفيه الناس يوما قد يظهره الزمن غدا، وأن العظمة التي خلقها الله في الناس لا صلة لها بالشهرة المذمومة.

قيم الدين تطلب من الناس أن يكونوا عاليي الهمة مهمشين للتفاهة.

الإمام يعلم الناس أن الرضا بالكذب والتزوير والافتراء والتدليس ونشر الأخبار الزائفة والنيل من الأعراض لا يُبوّء المراكز العالية، وليس علامة الصلاح والفلاح.

إن مسؤولية الإمام عموما أمام ربه حين عرض عليه الأمانة وتحملها تجعله يفر من الشهرة المذمومة ويتحاشى الأضواء التي لا تنفعه في أداء رسالة العلم والتزكية، وهو يعلم أن الشهرة لا تعني شيئا أمام تقدمة الناس ليكون واسطة بينهم وبين ربهم، فهي أعظم وأجل وأكبر وأزكى، وتلك هي الرفعة الحقيقية، أما الشهرة بالصفة التي ذكرنا قد تسلط على غير الأخيار.

إن الشهرة المذمومة التي يجب أن يُعِين الإمامُ الناس على الابتعاد عنها هي تظاهر بالعلم والصلاح وبحث عن الأضواء وسعي لها، وبذل الجهد في بلوغها طمعا في المدح وثناء الناس، وهي التي تضخم أنفسا فارغة وتزكي أعمالا تافهة، وروحها رياء وسمعة ومخالفة لثوابت الأمة واختياراتها وعاداتها وأعرافها، وهي تسلك بالناس إما مسالك التنقيص والامتهان أو طرق التبديع والتكفير وإيقاظ الفتن، فتكون الشهرة بهذه المعاني هدما وإفسادا وتفريقا وإساءة لا يستفيد منها صاحبها ولا ينتفع منه المجتمع.

أما الإمام العاقل فهو الذي يسعى للنجومية المحمودة، نجومية اتصف بها علماء المسلمين وصلحاؤهم إذ كانوا نجوما يهتدي بها الناس ينيرون طرائقهم ويعلمون الحيارى والجاهلين وينبهون العاقلين.

ولا يكون الإمام نجما في سماء جماعته ومجتمعه إلا إذا اتصف بالإيمان الصحيح والعمل الصالح والعلم السديد، يحمل هم جماعته وهو ناصح لها، يريد الخير لمجتمعه وهو دليلهم إليه، يدعو بالحكمة والموعظة والرفق واللين، وهو في هذا لا يشتغل على هامش سياسة الجدوى، والناس حوله يطلبون الخروج من الظلمات إلى النور فيقعون بين يدي الغالين والمبطلين والجاهلين.

الإمام في شهرته يقتفي الصحابة والتابعين والعلماء الربانيين، ويثبت على مبادئ مشيخة العلماء ويسير على منهاجها ويتخلق بأخلاقها، فإن فعل ذلك كان رحمة على الناس وشفقة عليهم، يحب لهم ما يحبه لنفسه، ويؤمن بأن الأضواء التي تسلط على بعض الناس قد تصادف محلها وقد لا تصادفه.

إن الإمام العاقل لم يكن يوما طالب زعامة، ولم يترك وراءه صخبا ولا ضجيجا، وإن ما يميزه هو العلم بالله على سبيل خشيته، وهو أعز ما يطلب في الحياة الدنيا والآخرة، والمرتجى أن ينفع الإمام الناس في جلب الخير ودفع الشر، وحتى يروه قيما على شؤونهم فينصتون له ويوقرون مكانته.

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، وفي حديث وسيرة سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 



[1]  سنن الترمذي، رقم الحديث: 3058.

[2]  شعب الإيمان، البيهقي، رقم الحديث: 5816، 8/274.

[3]  الزهد والرقائق، ابن المبارك، ص 151.

[4]  التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج13 ص9.

[5]  تهذيب التهذيب، ابن حجر، ج3 ص7.

[6]  تاريخ ابن خلدون، 1/184.

شاهد أيضا

تصنيفات

At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)