جارٍ تحميل التاريخ...

ثمرات العبادة ح 14 -ثمرات الخشوع

ثمرات العبادة ح 14 -ثمرات الخشوع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد النبي الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، والرضا عن صحابته الأكرمين، وعن التابعين وتابعي التابعين، وكل من تبعهم إلى يوم الدين.

أما بعد أيها السادة الأفاضل:

فقد اقتضت حكمة الله تعالى حينما خلق الإنسان أن يكرمه بطاعته، ويشرفه بعبادته، وجعل ذلك الغاية العظمى من خلق نوعه، وإيجاد جنسه، فقال عز من قائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اُ۬لْجِنَّ وَالِانسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِۖ﴾ [الذاريات: 56].

فما قرب إليه إلا من كان له أعبد، وما أدنى إلى حضرته إلا من كان لأمره أطوع وأسمع، فذاك الذي رفع درجته، وأعلى منزلته، وجعله من بين العالمين الأكرم عليه والأسعد.

ثم إنه سبحانه أثنى على من اجتباهم من أنبيائه ورسله من هذه الناحية، ووصفهم -إذ أراد مدحهم- بكمال العبودية، فقال عن سيدنا نوح: ﴿اِنَّهُۥ كَانَ عَبْداٗ شَكُوراٗۖ﴾ [الإسراء: 3]، وقال عن سيدنا سليمان عليه السلام: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَٰنَۖ نِعْمَ اَ۬لْعَبْدُۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌۖ﴾[ص: 29]، وعن سيدنا أيوب مثل ذلك: ﴿اِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِراٗۖ نِّعْمَ اَ۬لْعَبْدُۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞۖ﴾ [ص: 44]، وقال عن سيدنا يوسف: ﴿ا۪نَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا اَ۬لْمُخْلَصِينَۖ﴾[يوسف: 24]، وقال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَٰهُم بِخَالِصَةِ ذِكْرَى اَ۬لدّ۪ارِۖ ٤٥ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ اَ۬لْمُصْطَفَيْنَ اَ۬لَاخْي۪ارِۖ ٤٦ وَاذْكُرِ اِسْمَٰعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا اَ۬لْكِفْلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ اَ۬لَاخْي۪ارِۖ﴾[ص: 45-47]، وقال عن نبينا ﷺ: ﴿سُبْحَٰنَ اَ۬لذِےٓ أَسْر۪ىٰ بِعَبْدِهِۦ﴾ [الإسراء: 1].

وهذه العبودية التي نوه الله بشأنها إلى هذا الحد ما هي إلا وضع للأمر في نصابه، واتصاف من العبد بما يلزمه مع ربه، بموجب إقراره بأوصاف مالكه وسيده، إذ هو سبحانه الخالق والمالك والواهب والقادر والغني والمغني والضار والنافع…

والعبد مملوك عاجز فقير كَلٌّ عليه، لا يقدر إلا على ما أقدره الله عليه، ولا يهتدي إلا لما هداه هو إليه، ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّاسُ أَنتُمُ اُ۬لْفُقَرَآءُ اِ۪لَى اَ۬للَّهِۖ وَاللَّهُ هُوَ اَ۬لْغَنِيُّ اُ۬لْحَمِيدُۖ﴾[فاطر: 15]، ﴿وَاللَّهُ اُ۬لْغَنِيُّۖ وَأَنتُمُ اُ۬لْفُقَرَآءُۖ﴾[محمد: 38]، وفي الحديث القدسي: “يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم…[1].

ولا غرو أن مَن شأنه العجز والفقر، والزلل والقصور والنقص، جدير بأن يتعلق بمن وصفه الكمال والقدرة والقهر، وبيده المنع والضر والنفع، تعلقا يعلن به العبد الفاقة إلى ربه، ويتلبس بلباس الذل بين يديه، حتى يصير له ذلك وصفا ثابتا، وتحققا لازما، تشبها بمن أثنى الله عليهم من أنبيائه ورسله الذين هم صفوة خلقه حيث قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِے اِ۬لْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباٗ وَرَهَباٗ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَۖ﴾[الأنبياء: 89]، أي متواضعين خاضعين متذللين.

نعم، إنه الخشوع لله الذي أذاب كيان العارفين، واستهوى قلوب الربانيين، فاستمرؤوه في جنب الله واستلذوه، وما رأوا لأنفسهم مع الله مقاما أليق بهم سواه.

إنه واحد من أعظم الخصال التي تضاف إلى خصال أخرى لتشكل مجموع مقومات الربانية الدالة على الإخلاص والصدق في الدينونة لله رب العالمين، ﴿اِنَّ اَ۬لْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَٰتِ وَالْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَٰتِ وَالْقَٰنِتِينَ وَالْقَٰنِتَٰتِ وَالصَّٰدِقِينَ وَالصَّٰدِقَٰتِ وَالصَّٰبِرِينَ وَالصَّٰبِرَٰتِ وَالْخَٰشِعِينَ وَالْخَٰشِعَٰتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَٰتِ وَالصَّٰٓئِمِينَ وَالصَّٰٓئِمَٰتِ وَالْحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَٰفِظَٰتِ وَالذَّٰكِرِينَ اَ۬للَّهَ كَثِيراٗ وَالذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ اَ۬للَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةٗ وَأَجْراً عَظِيماٗۖ﴾[الأحزاب: 35].

والخشوع هو عمل من أعمال القلوب، بل هو أجلها وأعظمها، وهو أحد أوصافه الأساسية الدالة على نبضه وحيويته، وقدرته على الانفعال والتأثر، بحيث يرق في المواقف التي تتطلب الرقة، ويلين حيث يُحتاج إلى اللين.

وليس في الوجود شيء يتطلب مثل هذا التجاوب كالقرآن، لأن التأثر به شرط لاستمداد هداياته وأنواره كما أخبر بذلك منزله سبحانه فقال: ﴿اِ۬للَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَ۬لْحَدِيثِ كِتَٰباٗ مُّتَشَٰبِهاٗ مَّثَانِيَۖ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ اُ۬لذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمُۥٓ إِلَىٰ ذِكْرِ اِ۬للَّهِۖ ذَٰلِكَ هُدَى اَ۬للَّهِ يَهْدِے بِهِۦ مَنْ يَّشَآءُۖ وَمَنْ يُّضْلِلِ اِ۬للَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۖ﴾[الزمر: 22].

ومعلوم أن انفعال القلب بالقرآن يحتاج إلى كثير من الرقة والتواضع والانكسار، وإلا فإن الكبر والقسوة يحولان دون خشوعه، ﴿أَلَمْ يَانِ لِلذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اِ۬للَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ اَ۬لْحَقِّۖ وَلَا يَكُونُواْ كَالذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْكِتَٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ اُ۬لَامَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْۖ وَكَثِيرٞ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَۖ﴾[الحديد: 16].

ويبقى القلب بعد أن يستقر فيه الخشوع في حاجة دائمة إلى القرآن لكي يمده بالمزيد منه، فيكون الخشوع على هذا النحو شرطا للاستمداد والإفادة، وفي نفس الوقت مددا يفيض على قارئ القرآن بلا نهاية، وإلى هذا الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَاناٗ فَرَقْنَٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى اَ۬لنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٖۖ وَنَزَّلْنَٰهُ تَنزِيلاٗۖ ١٠٦ قُلَ اٰمِنُواْ بِهِۦٓ أَوْ لَا تُومِنُوٓاْۖ إِنَّ اَ۬لذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْعِلْمَ مِن قَبْلِهِۦٓ إِذَا يُتْل۪ىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلَاذْقَانِ سُجَّداٗ وَيَقُولُونَ سُبْحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاٗۖ ١٠٧ وَيَخِرُّونَ لِلَاذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاٗۖ﴾ [الإسراء: 105-108].

هكذا إذن يتصل الخشوع بالقرآن فيكون معه حيث كان، لأنه كلام الله المشتمل على ذكره وعظاته وتذكيره، المتضمن لخطابه وتكاليفه، وأوامره الملزمة ونواهيه الزاجرة التي كلما تواضع لها الإنسان ازداد خشوعه، وكلما زاد خشوعه انقاد لها وسهلت عليه، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوٰةِۖ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ اِلَّا عَلَى اَ۬لْخَٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 44].

وبهذه الهيأة -لا بغيرها- صلح أن يدخل المصلي على الله، وقد فعل فيه الخوف منه سبحانه فعله، وأثرت هيبته على جنباته، وهزت كبرياؤه كيانه، حتى صار الخشوع في الصلاة أشهر مع أنه غير مختص بها، قال تعالى: ﴿قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ اَ۬لذِينَ هُمْ فِے صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَۖ﴾[المؤمنون: 1-2]، خشوعا أصله في القلب عبارة عن ذل وانكسار، ومظهره في الجوارح تواضع وسكون ووقار، فلا التفات للقلب في الصلاة لغير الله، ولا للجوارح لغير موضع السجود لعلاه، وهذه أنسب الهيآت لحال الضراعة التي ينبغي أن يكون عليها المصلي، وهي كذلك أنسب الأحوال لما يتلوه من آي القرآن وعظاته.

ولله در القائل:

 

لأن بها الآراب لله تخضـــعُ

وآخِر ما يبقى إذا الدِّين يُرفع

وكان كعبدٍ بابَ مولاه يَقْــرَعُ

نَجِيًّا فيَاطُوباه لو كان يخشـــع

 

ألاَ في الصلاة الخيرُ والفضل أجمعُ

وأوّل فرضٍ من شريعــــــة ديننا

فمن قام للتكبير لاقته رحمــــــــة

وصار لربّ العرش حين صــــلاتِه

إن العلاقة بين الخشوع والصلاة تحتاج إلى تأمل كبير لمعرفة حقيقة الارتباط الحاصل بينهما، فالصلاة عبادة تتكرر في اليوم مرات كثيرة أقلها الخمس الواجبات، والخشوع الذي هو شرط فيها يتكرر بتكررها، فكأنها بذلك تدريب عملي

مكثف على الخشوع، دافع إلى التلبس التام الكامل به، حتى ينتهي بالإنسان إلى حال يصير له الخشوع صفة لازمة مستقرة في صلته بربه من ناحية، ثم في صلته بالناس من ناحية أخرى، وكلاهما مقصود للشارع بدرجات عالية وإن كانت الأولى أصلا والثانية فرعا.

وعلى هذا نبه ربانيو هذه الأمة وسادتها ومربوها من السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، قال سيدنا إبراهيم النخعي رحمه الله (تـ 95 هـ) وهو أحد كبارهم: “ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس! لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك”[2].

وقال سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه: “الخشوع في القلب، وأن تلين كفّيك للمرء المسلم، وألاّ تلتفت في صلاتك”[3].

هكذا إذن يرتبط الأمران في الخشوع، مراعاة أمر الله وحقوق الخلق معا.

ومعنى ذلك أن للخشوع تأثيرا خاصا في حياة الناس ومعاملاتهم، وأثرا إيجابيا كبيرا في مجتمعاتهم سلاما وأمنا واستقرارا.

وذلك بالضبط هو مناط الحياة السعيدة التي نزل لأجل بيانها القرآن، فخط معالمها وبين ملامحها وتفاصيلها في آيات كثيرة، منها آية كلية عظيمة هي قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَٰلِحاٗ مِّن ذَكَرٍ اَوُ ا۟نث۪ىٰ وَهُوَ مُومِنٞ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗ وَلَنَجْزِيَنَّهُمُۥٓ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَۖ﴾ [النحل: 97].

وبه يتبين كذلك أن الخشوع ليس بالعمل الهين ولا السهل، فهو يحتاج للتحقق به إلى يقظة تامة ومجاهدة وكفاح، واتخاذ لأسباب استدامته وترسيخه، وهي أمور كثيرة نبه العلامة ابن الحاج المالكي (تـ 737هـ) على واحدة من مرتكزاتها فقال رحمه الله: “والغالب أن هذا قل أن يحصل إلا مع كثرة الخلوات، فالخلوة نور ذلك كله وبهاؤه، وعليها تقرر الأحوال السنية، والمراتب العلية، فليشد المريد يده ليحصل ما يترتب عليها من البركات”[4].

ومراد العلماء بالخلوة الاختلاء بالنفس ودوام مراجعتها ومحاسبتها وتذكيرها وشحذ الهمة لضبطها والتحكم فيها.

ولا شك أن ما كان هكذا يكون من السهل ذهابه واندثاره، وهذا هو بالضبط شأن الخشوع وحقيقته، قال رسول الله r: «أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيه خاشعا»[5].

والمقصود برفع الخشوع ذهاب أوعيته والمتحققين به، فإذا ذهبوا ذهب المثال، فصعب أو استحال الاحتذاء والائتساء.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده الخاشعين المتواضعين، القانتين المخبتين، الذين اصطفاهم لقربه وولايته، وأخلصهم لوده ومحبته، وأهَّلهم لمعرفته وعبادته، ووفقهم لشكره وطاعته.

اللهم احملنا في سفن نجاتك، ومتعنا بلذيذ مناجاتك، وأوردنا حياض حبك، وأذقنا حلاوة ودك وقربك، واجعل جهادنا فيك، وهمنا في طاعتك، وأخلص نياتنا في معاملتك.

وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وآله.

والحمد لله رب العالمين.

[1] – أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم

[2] – تفسير القرطبي عند تفسير الآية 45 من سورة البقرة

[3] – نفس المصدر والموضع

[4] – المدخل لابن الحاج، أبي عبد الله العبدري الفاسي المالكي، دار التراث، ج3: 134

[5] – مسند الشاميين للطبراني، أبي القاسم سليمان بن أحمد، (تـ 360هـ)، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، بيروت: مؤسسة الرسالة – الطبعة الأولى: 1405 – 1984 (ج2/ 400)


At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)