جارٍ تحميل التاريخ...

السيرة النبوية- مشهد الهجرة النبوية (5)-السيرة النبوية-ذ. حمو أورامو

السيرة النبوية- مشهد الهجرة النبوية (5)-السيرة النبوية-ذ. حمو أورامو

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، السادة الأئمة الكرام السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، إن هذه الحصة من السيرة النبوية الشريفة ستكون حول بعض الأحداث التي حدثت بعد الهجرة، وسأقتصر على حدثين اثنين على بناء المسجد وعلى المؤاخاة في الله، آملا من الله عز وجل أن يوفقنا حتى نستفيد منهما ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، فأقول: بعدما أذن رسول الله ﷺ للصحابة رضي الله عنهم في الهجرة إلى المدينة، أخذوا  يتسللون وتعترض قريش طريق من ظفرت به منهم لترده أو لتجرده من ماله، فوصل من وصلوا إلى بلاد لم يألفوها، وإلى أرض استوحشوها، لكنهم رغم ذلك خرجوا فارين بدينهم، تاركين أموالهم إلا ما نجوا به، خرجوا وثقتهم في الله الذي هاجروا في سبيله عظيمة، يرجون أن يجعل الله لهم من كل ضيق مخرجا، وأن يجعل لهم من كل هم فرجا، وهذه ثمرة الإيمان الذي يكسب صاحبه الثقة بالله كما استفدتم من دروس خطة تسديد التبليغ. لسان حالهم رضي الله عنهم يستشعر ما ذكره الله عن أب الأنبياء إبراهيم عليه السلام من قوله: ﴿وَقَالَ إِنِّے مُهَاجِرٌ اِلَىٰ رَبِّيَۖ﴾ [العنكبوت: 25]، ومن قوله: ﴿إِنِّے ذَاهِبٌ اِلَىٰ رَبِّے سَيَهْدِينِۖ﴾ [الصافات: 99]، خرجوا مستسهلين الصعاب، تاركين الأموال والأحباب، باعوا كل ذلك لرب الأرباب، راجين ما عنده من الأجر والثواب، فكان لا بد من مأوى يأوون إليه ومن مكان يجتمعون فيه، وكان لا بد لهم من إخوان يواسونهم ويؤنسونهم، فكان بناء المسجد والمؤاخاة في سبيل الله أهم ما حدث بعد وصولهم إلى المدينة بعد الهجرة.

نبدأ ببناء المسجد: كان بناء المسجد أول حدث عظيم حدث بعد الهجرة، وكان اختيار موضعه بأمر من الله تعالى، جاء في كتب السيرة والنص للمواهب اللدنية؛ كان -ﷺ- كلما مرّ على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام عندهم: يا رسول الله، هلم إلى القوة والمنعة، فيقول: «خلوا سبيلها- يعنى ناقته- فإنها مأمورة». وقد أرخى زمامها، وما يحركها، وهي تنظر يمينا وشمالا، حتى إذا أتت دار مالك بن النجار، بركت على باب المسجد، وهو يومئذ مِربد لسهل وسهيل ابني رافع بن عمرو، وهما يتيمان في حجر معاذ بن عفراء- ويقال أسعد بن زرارة وهو المرجح- ثم ثارت، وهو -ﷺ- عليها حتى بركت على باب أبي أيوب الأنصاري، ثم ثارت منه وبركت في مبركها الأول، وألقت جرانها بالأرض- يعنى باطن عنقها أو مقدمه من المذبح- وأزرمت- يعنى صوتت من غير أن تفتح فاها- ونزل عنها -ﷺ- وقال: «هذا المنزل إن شاء الله»[1].

وفي بدء بناء المسجد جاء في سيرة بن هشام عن ابن إسحاق بتصرف مني أن رسول الله ﷺ سأل عن المربد لمن هو؟ فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو، وهما يتيمان لي، وسأرضيهما منه، فاتخذه مسجدا.

قال: فأمر به رسول الله ﷺ أن يبنى مسجدا… فعمل فيه رسول الله ﷺ ليرغب المسلمين في العمل فيه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار، ودأبوا فيه، فقال قائل من المسلمين:

لئن قعدنا والنبي يعمل      لذاك منا العمل المضلل[2]

والذي في بهجة المحافل أنه اشتراه قال رحمه الله: وأرسل رسول الله ﷺ إلى بنى النجار فقال: ثَامِنُوني بحائطكم هذا، فقالوا لا والله ما نطلب ثمنه إلا إلى الله، ولما كان لليتيمين؛ لم يقبله إلا بالثمن، قيل اشتراه بعشرة دنانير ذهبا دفعها عنه أبو بكر[3] رضي الله عنه.

وأما الحدث الثاني فهو الأخوة؛ والأخوة درجات عامة وخاصة، فالعامة أخوة الإنسانية، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّاسُ اُ۪تَّقُواْ رَبَّكُمُ اُ۬لذِے خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاٗ كَثِيراٗ وَنِسَآءٗۖ وَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَ اَ۬لذِے تَسَّآءَلُونَ بِهِۦ وَالَارْحَامَۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباٗۖ ﴾ [النساء: 1]، وحق هذه الأخوة محبة الإنسانية، بحيث تحب للصالح المطيع المستقيم الثبات والاستمرار، وللمسيئ المسرف على نفسه التوبة والاستغفار، وللكافر الملحد الهداية والاعتبار، فقد كان ﷺ يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»[4].

وأخص منها أخوة المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اَ۬لْمُومِنُونَ إِخْوَةٞ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْۖ وَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَۖ﴾ [الحجرات: 10]، ومن حقوق هذه الأخوة السعي في إصلاح ذات البين والنصح، ورفع الضرر والأذى….

وأخص منها أخوة المدينة، ففي سيرة ابن هشام قال ابن إسحاق: وآخى رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال- فيما بلغنا، ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل-: «تآخوا في الله أخوين أخوين، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب، فقال: هذا أخي»[5].

أقول: وذكر مجموعة ممن آخى رسول ﷺ بينهم، منهم حمزة بن عبد المطلب؛ عم رسول الله ﷺ آخى بينه وبين زيد بن حارثة، ومنهم أبو بكر الصديق آخى بينه وبين خارجة بن زهير، ومنهم عمر بن الخطاب آخى بينه وبين عتبان بن مالك، ومنهم أبو عبيدة بن الجراح آخى بينه وبين سعد بن معاذ، ومنهم عبد الرحمن بن عوف آخى بينه وبين سعد بن الربيع، ومنهم الزبير بن العوام آخى بينه وبين سلامة بن سلامة ويقال: بل الزبير آخى بينه وبين عبد الله بن مسعود، ومنهم عثمان بن عفان، آخى بينه وبين أوس بن ثابت بن المنذر؛ رضي الله عنهم أجمعين.

فكانت هذه الأخوة أقوى من أخوة النسب يتوارثون بها حتى نزل قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ اُ۬لَارْحَامِ بَعْضُهُمُۥٓ أَوْل۪ىٰ بِبَعْضٖ فِے كِتَٰبِ اِ۬للَّهِ﴾ [الأنفال: 76][6].

فهؤلاء المهاجرون تركوا أموالهم في سبيل الله فارين بدينهم كما تقدم، فلو لم يأوهم الأنصار لهلكوا، ولكن الله الذي هاجروا في سبيله أرق لهم قلوب الأنصار ــ رضي الله عنهم ــ  فلم تكن الأموال مشروبة في قلوبهم، بل لا يعتبرونها  لقد كانوا حريصين على نزول المهاجرين عندهم وكانوا يتنافسون في ضيافتهم، بل كانوا يقدمونهم على أنفسهم ويقدمون لهم ما هم في حاجة إليه، قال تعالى تزكية للمهاجرين في إخلاصهم في هجرتهم بأنهم تركوا أموالهم يبتغون فضل الله ورضوانه، وللأنصار في جودهم وبأنهم يحبونهم ويؤثرونهم على أنفسهم ﴿لِلْفُقَرَآءِ اِ۬لْمُهَٰجِرِينَ اَ۬لذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيٰ۪رِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاٗ مِّنَ اَ۬للَّهِ وَرِضْوَٰناٗ وَيَنصُرُونَ اَ۬للَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۖ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لصَّٰدِقُونَۖ وَالذِينَ تَبَوَّءُو اُ۬لدَّارَ وَالِايمَٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِے صُدُورِهِمْ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُوثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٞۖ وَمَنْ يُّوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُفْلِحُونَۖ﴾ [الحشر: 8-9]،  فقد كان من سمة الأنصار البذل، والعطاء، والإنفاق؛ حتى إن منهم خيروهم في كل شيء، فهذا سعد بن الربيع لما آخى الرسول ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف قال له: أبشر فإني من أكثر الأنصار مالا. عرض عليه أن يقتسم معه حتى أعز ما عنده، فقال له عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك، ومالك؛ دلني على السوق[7].

ما يستفاد من الحدثين:

أولا: مكانة المسجد في الإسلام.

 إن المساجد أول ما يجب أن يهتم به المسلمون فهي بيوت الله كما قال تعالى: ﴿فِے بُيُوتٍ اَذِنَ اَ۬للَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اَ۪سْمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالَاصَالِ رِجَالٞ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اِ۬للَّهِ وَإِقَامِ اِ۬لصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ اِ۬لزَّكَوٰةِۖ﴾ [النور: 36]. وقال تعالى ﴿وَأَنَّ اَ۬لْمَسَٰجِدَ لِلهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اَ۬للَّهِ أَحَداٗۖ﴾ [الجن: 18]، وعمارتها دليل على الإيمان ففي الترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: “إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ اَ۬للَّهِ مَنَ اٰمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اِ۬لَاخِرِ وَأَقَامَ اَ۬لصَّلَوٰةَ﴾ [التوبة: 18][8].

ثانيا: مكانة الأخوة ولا سيما عند الشدة.

إن الأخوة تدعو إليها الحاجة وينبغي أن تتجدد في زمان الشدة حتى تتجاوز بسلام قال النبي ﷺ: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم[9]»

السادة الأئمة الكرام؛ أختم بقولي هذا يا ليت الأغنياء اقتدوا بسعد وأدوا زكاة أموالهم ليس أن يقاسمها الفقراء، ويا ليت الفقراء اقتدوا بعبد الرحمن بن عوف فطرقوا أبواب فضل الله واتخذوا أسبابا مشروعة للاسترزاق، فإن الله ضمن الرزق للجميع، فإنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها؛ قال تعالى: ﴿وَامُرَ اَهْلَكَ بِالصَّلَوٰةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَاۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقاٗۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَۖ وَالْعَٰقِبَةُ لِلتَّقْو۪ىٰۖ﴾ [طه: 131].

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

[1]– المواهب اللدنية بالمنح المحمدية1/184.

[2]– سيرة ابن هشام1/496.

[3]– بهجة المحافل وبغية الأماثل 1/156.

[4]– صحيح البخاري 3/1282.

[5]– سيرة ابن هشام 1/505.

[6]– وسورة الأحزاب: 6.

[7]– صحيح البخاري 5/69.

[8]– سنن الترمذي 4/308.

[9]– صحيح البخاري 3/138.


At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)