جارٍ تحميل التاريخ...

‌‌الحض على الزكاة والحث على صدقة التطوع

‌‌الحض على الزكاة والحث على صدقة التطوع

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد ولد عدنان سيدنا وسندنا محمد ﷺ وعلى أله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

نص الحديث:

عَنْ أبي موسى الأشعريt: عَنِ النَّبِيِّ r أنه قَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ. فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ. قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ. قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ.

تخريج الحديث: الحديث متفق عليه.[1]

ترجمة الصحابي راوي الحديث:

‌أبو ‌موسى ‌الأشعري اسمه عبد الله بن قيس «أسلم بمكّة وهاجر إلى أرض الحبشة. وأوّل مشاهده خيبر. ولّاه عمر بن الخطّاب البصرة ثم عزله عنها، فنزل الكوفة وابتنى بها دارًا وله بها عقب، واستعمله عثمان بن عفّان على الكوفة فقُتل عثمان وأبو موسى عليها، ثم قدم عليٌّ الكوفةَ فلم يزل أبو موسى معه وهو أحد الحكَمَين، ومات بالكوفة سنة اثنتين وأربعين…»[2]

ينتسب إلى الأشعريين الذين قال في حقهم مولانا رسول الله r: «يَقدَم عليكم أقوام هم أرقُّ منكم قلوبا[3]. وفي رواية: أفئدة. فَقَدِم الأشعريون فيهم أبو موسى. فلما دنوا من المدينة جعلوا يرتجزون: غدا نلقى الأحبة … محمدا وحزبه»[4].

معنى الحديث:

هذا حديث مهم من أحاديث رسول الله r‌ في فضل السخاء ومدِّ يد المعونة إلى الفقراء والمحتاجين، يحث فيه مولانا الرسول r على أداء واجب المال وبذله في وجوه البر، ووجوه الخير النافعة للإسلام والمسلمين، و‌فضلِ ‌الإنفاقِ ‌في ‌سبيل ‌الله وعِظَمِ ثوابه إذا صاحَبَتْهُ النيةُ الصالحةُ، ولم يلحقه أذى ولا مِنّةٌ مُحْبِطَةٌ للعمل، ولم يُرَدْ به إلا وجهُ اللَّه تعالى، ورجاءُ ثوابه، مُخْلَصَة لله دون طلبِ الْعِوَض من الخلق، وهو ما يرفع النفوسَ إلى درجة عليا من السمو والإيثار والتفاني والإخلاص، بحيث يهون عليها كل غال ونفيس.

فالجود والسخاء إنما يَنْبعان من النَّفوس الزكية المترفعة عَن الْأَعْرَاض دنيا وآخرة، ولا تعد المبالغة في الإنفاق في الحق تبذيرا، ولا تذم؛ بل أثنى الله تعالى على المنفقين فقال سبحانه: ﴿اِ۬لذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِاليْلِ وَالنَّه۪ارِ سِرّاٗ وَعَلَٰنِيَةٗ فَلَهُمُۥٓ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَۖ﴾ [البقرة: 273].

وقال عز من قائل: ﴿وَيُطْعِمُونَ اَ۬لطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِيناٗ وَيَتِيماٗ وَأَسِيراً اِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اِ۬للَّهِۖ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءٗ وَلَا شُكُوراًۖ اِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساٗ قَمْطَرِيراٗۖ فَوَق۪يٰهُمُ اُ۬للَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ اَ۬لْيَوْمِ وَلَقّ۪يٰهُمْ نَضْرَةٗ وَسُرُوراٗۖ وَجَز۪يٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيراٗ﴾ [الإنسان: 8-12].

وحث سبحانه على الإنفاق فقال جل في علاه: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَ أَحَدَكُمُ اُ۬لْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِےٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ اَ۬لصَّٰلِحِينَۖ وَلَنْ يُّوَ۬خِّرَ اَ۬للَّهُ نَفْساً اِذَا جَآءَ اجَلُهَاۖ وَاللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعْمَلُونَۖ﴾ [المنافقون: 10-11].

 وجعله الله سببا لمضاعفة الأجور أضعافاً مضاعفة فقال عز من قائل: ﴿مَّثَلُ اُ۬لذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِے سَبِيلِ اِ۬للَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ اَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَۖ فِے كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۖ وَاللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَنْ يَّشَآءُۖ وَاللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۖ﴾ [البقرة: 260].

وورد في الحديث القدسي: “يا ابن آدم أنفق أنفق عليك” -أي لا تخش نفاد ما لديك، فالله هو الرزاق ابتداءً، والله رزاق حالاً واستقبالاً، خزائنه لا تنفد -“يمين الله ملأى“- على الدوام، معطاءة “سحاء” على الدوام، لا ينقصها العطاء مهما أعطت “لا يغيضها شيء” دوام “الليل والنهار“.»[5]

قوله r: “عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ“: «العبارة صالحة للإيجاب والاستحباب»[6] فقد يراد بها الفرض وهي الزكاة، وقد يراد بها صدقة التطوع، قال ابن بطال «معناه: أن ذلك في كرم الأخلاق وآداب الإسلام، وليس ذلك بفرض عليه؛ للإجماع على أن كل فرض في الشريعة مقدر محدود.»[7]

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ ‌صَدَقَةُ ‌نَدْبٍ وَتَرْغِيبٍ لَا إِيجَابٍ وَإِلْزَامٍ»[8]

وقد تطلق الصدقة على الزكاة قال ابن العربي: «تطلق الزكاة على ‌الصدقة ‌الواجبة ‌والمندوبة والنفقة والحق والعفو.»[9] فلها خمسة أسماء إذاً.

قوله r: “فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ “: «كأنهم فهموا من لفظ الصدقة العطية، فسألوا عمن ليس عنده شيء، فبيَّن لهم أنَّ المرادَ بالصدقة ما هو أعم من ذلك، ولو بإغاثة الملهوف والأمر بالمعروف»[10]

قوله r: “قَالَ: يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ“: هذا «تنبيه للمؤمن المعسر على أن يعمل بيده، وينفق على نفسه، ويتصدق من ذلك ولا يكون عيالًا على غيره. «والتكسب في الدنيا وإن كان معدودا من المباحات من وجه، فإنه من الواجبات من وجه، وذلك أنه لما لم يكن للإنسان الاستقلال بالعبادة إلَّا بإزالة ضروريات حياته، فإزالتها واجبة، لأن كل ما لا يتم الواجب إلَّا به فواجب كوجوبه.»[11]

وقال مالك بن دينار: قرأت في التوراة: طوبى للذي يعمل بيده ويأكل، طوبى لمحياه وطوبى لمماته. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: يا معشر القراء خذوا طريق من كان قبلكم وارفعوا رءوسكم ولا تكونوا عيالًا على المسلمين. »[12]

قوله r: “ذا الحاجة الملهوفَ“: المتحيرَ في أمره، وصاحبَ الحزن، المتحسِّر، أو المضطرِّ، أو المظلوم.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «الْمَلْهُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْمُتَحَسِّرِ وَعَلَى الْمُضْطَرِّ وعلى المظلوم وقولهم: يا لهف نَفْسِي عَلَى كَذَا: كَلِمَةٌ يُتَحَسَّرُ بِهَا عَلَى مَا فَاتَ، وَيُقَالُ: لَهِفَ بِكَسْرِ الْهَاءِ يَلْهَفُ بفتحها لـهْفا بإسكانها أي حَزِن ‌وتحسَّر ‌وكذلك ‌التلهف»[13]

قوله r: “قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ” [وفي رواية: فليأمر بالخير أو بالمعروف.]

وَالْمَعْرُوف: ما يحبه اللَّه ويرضاه فهو «اسم جامع لكل ما عُرِف من طاعةِ الله، والتقربِ إليه، والإحسانِ إلى الناس، وهو من الصفات الغالبة، أي: أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه، ومن المعروف: النصفةُ وحسنُ الصحبة مع الأهل وغيرهم، وتَلَقي الناسِ بوجه طلق وبشاشة.»[14]

ومعلوم أن «أعمال الْخَيْر إِذا حَسُنَتِ النيات فِيهَا تُنَزَّلُ مَنْزلَة الصَّدقَاتِ فِي الأجور وَلَا سِيمَا فِي حق من لَا يقدر على الصَّدَقَة، وَيفهم مِنْهُ أَن الصَّدَقَة فِي حق الْقَادِر عَلَيْهَا أفضلُ من سَائِر الْأَعْمَال القاصرة على فاعلها، وقد ترجم الإمام البخاري في كتاب الأدب “باب كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ”، والإمام مسلم في كتاب الزكاة “‌‌بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْمَعْرُوفِ”.

قوله r: “وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ” «فيه تنبيه على أن التركَ فِعْلٌ، ولهذا جعل الإمساكَ والكفَّ صدقةً»[15]؛ فترك الشر والابتعاد عنه صدقة «وذلك أنه إذا أمسك شره عن غيره فكأنه قد تصدق عليه بالسلامة؛ فإن كان شرًّا لا يعدو نفسه فقد تصدق على نفسه بأن منعها من الإثم.»[16]

ومن الأحكام المستنبطة من الأحاديث:

لا تسقط وظيفة الصدقة عن المؤمن غنيا كان أم فقيرا؛ فإنه إن عجز عن الصدقة المالية فهو قادر على إتيان الأبواب الأخرى من البر ووجوه الإحسان.

أن من قصد شيئا فتعسر فلينتقل إلى غيره، وإذا «لم يقدر على باب من أبواب الخير ولا فُتِحَ له، فعليه أن ينتقلَ إلى بابٍ آخرَ يقدر عليه، فإن أبواب الخير كثيرة، والطريق إلى مرضاة الله غير معدومة.»[17]

ويجب التنبيه إلى أنه «لَا تَرْتِيب فِيمَا تضمنه الحَدِيث الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا هُوَ للإيضاح لما يَفْعَله من عَجَزَ عَن خصْلَة من الْخِصَال الْمَذْكُورَة، فَإِنَّهُ يُمكنهُ خصْلَة أُخْرَى، فَمن أمكنه أَن يعْمل بِيَدِهِ فَيتَصَدَّق، وَأَن يغيث الملهوف وَأَن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر ويمسك عَن الشَّرّ فَلْيفْعَل الْجَمِيع.»[18]

وفيه مراجعة العالم في تفسير المجمل وتخصيص العام، وفيه فضل العمل والتكسب لما فيه من الإعانة، وتقديم النفس على الغير، والمراد بالنفس ذات الشخص وما يلزمه، ليجد المرء ما ينفق على نفسه ويتصدق به ويغنيه على ذل السؤال.

الحث على فعل الخير مهما أمكن. [حديثنا هنا عن المؤمن النفاع].

هذا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

[1] الإمام البخاري في “صحيحه” (2 / 115) برقم: (1445) (كتاب الزكاة ، باب على كل مسلم صدقة) (بهذا اللفظ)، (8 / 11) برقم: (6022) (كتاب الأدب ، باب كل معروف صدقة) (بمثله) والإمام مسلم في “صحيحه” (3 / 83) برقم: (1008) (كتاب الزكاة ، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف) (بنحوه.)

[2]– الطبقات الكبير (8/ 139).

[3]– مسند الإمام أحمد (19/83).

[4]–  انظر الطبقات الكبرى (4/ 79).

[5]– فتح المنعم شرح صحيح مسلم (4/ 358).

[6]– فتح الباري لابن حجر (3/ 308).

[7]– شرح صحيح البخاري لابن بطال (9/ 223).

[8]– شرح النووي على مسلم (7/ 95).

[9]– فتح الباري لابن حجر (3/ 262).

[10]– فتح الباري لابن حجر (3/ 308).

[11]– الذريعة الى مكارم الشريعة (ص268).

[12]– التوضيح لشرح الجامع الصحيح (28/ 330).

[13] شرح النووي على مسلم (7/ 94).

[14]– شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1544).

[15]– مصابيح الجامع (3/ 384).

[16]– التوضيح لشرح الجامع الصحيح (10/ 354).

[17] التوضيح لشرح الجامع الصحيح (28/ 331).

[18] عمدة القاري شرح صحيح البخاري (8/ 312).


At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)