جارٍ تحميل التاريخ...

أصول الفقه – التعريف والموضوع – -ذ. محمد المصلح

أصول الفقه – التعريف والموضوع – -ذ. محمد المصلح

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحابته ومن والاه إلى يوم الدين،

 أما بعد:

فإن دراسة أي علم من العلوم يقتضي منهجيا أن يمهد لها بمقدمة تتناول العناصر الأساسية التي تبين معنى هذا العلم وموضوعه الذي تتحدد فيه مباحثه ومضامينه الأساسية وغايته أو ثمرته التي تنعكس فيها الجدوى من دراسته والاشتغال به.

وقد حدد بعضهم هذه المبادئ التي تعرف بالعلم المراد دراسته في عشرة وهي التي نظمها محمد بن علي الصبان في حاشيته على متن السلم في المنطق للأخضري بقوله:

إن مبادي كل فن عشرة الحد والموضوع ثم الثمرة
ونسبة وفضله والواضع والاسم الاستمداد حكم الشارع
مسائل والبعض بالبعض اكتفى ومن درى الجميع حاز الشرفا

وقد اقتصرت في هذه المقدمة على أربعة مبادئ، وهي الحد، والموضوع، والثمرة، والواضع أو النشأة لأنها كافية في بيان معنى علم أصول الفقه، وإعطاء تصور للمتلقي المبتدئ عن مضمونه الأساس، وسأتناول في هذا الدرس الأول تعريف علم الأصول، وموضوعه؛ فأقول وبالله التوفيق:

إن الأصوليين قد عرفوا علم أصول الفقه انطلاقا من زاويتين:

الزاوية الأولى: من حيث كونه مركبا إضافيا مؤلفا من لفظين أضيف أحدهما إلى الآخر وهما لفظ “أصول” ولفظ: “الفقه”.

الزاوية الثانية: من جهة كونه علما ولقبا سمي به هذا العلم اصطلاحا حيث أصبحت عبارة “علم أصول الفقه” تطلق اصطلاحا على علم خاص له قواعده ومباحثه وقضاياه الخاصة.

1- تعريف علم أصول الفقه من حيث كونه مركبا إضافيا:

يقتضي تعريفه من حيث كونه مركبا إضافيا تفكيك جزءيه؛ وهما الأصول، والفقه، وبيان معنى كل جزء على حدة.

فالأصول جمع أصل وهو لغة يطلق على ما ينبني عليه غيره؛ مثل الأساس بالنسبة للبناء، والجدع بالنسبة للشجرة، والعلة بالنسبة للمعلول.

واصطلاحا يطلق على عدة معان أقتصر على اثنين منها؛ لكونهما أقوى صلة، والتصاقا بهذا العلم من غيرهما؛ وهما: الدليل والقاعدة.

فنقول في الأصل بمعنى الدليل: الأصل في وجوب الصلاة والزكاة قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ
اُ۬لصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ اُ۬لزَّكَوٰةَۖ
﴾ أي: دليل وجوبهما.

ونقول في الأصل بمعنى القاعدة: العام يعمل بعمومه حتى يرد ما يخصصه، والمطلق يبقى على اطلاقه حتى يرد ما يقيده.

فهذه القواعد أدلة تعتمد في استنباط الأحكام، وبناء على ذلك يكون معنى الأصول شاملا لمختلف الأدلة والقواعد المعتبرة في الاستنباط والاستدلال.

أما لفظ الفقه الذي أضيف إليه لفظ الأصول في هذا التركيب الإضافي، فيطلق لغة على مطلق الفهم، وعلى فهم غرض المتكلم من كلامه، من ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراٗ مِّمَّا تَقُولُ﴾ [هود: 91].

أما اصطلاحا فيراد بالفقه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية[1].

وسيأتي بيان هذا التعريف الاصطلاحي للفقه بعد سوق تعريف أصول الفقه اصطلاحا وشرحه.

2-تعريف علم أصول الفقه باعتباره علما ومصطلحا:

أما التعريف الاصطلاحي لهذا العلم أي التعريف الذي أريد به بيان معناه وماهيته من حيث كونه علما خاصا يحمل اسما خاصا وهو “أصول الفقه” من غير فصل بين المضاف والمضاف إليه مثل إطلاق “عز الدين” و “عبد الرحمن” على شخص بعينه، فقد عرف بتعريفات عدة اقتصر على اثنين منها لعالمين أصوليين وهما الإمام الرازي والإمام ابن الحاجب:

فقد عرفه الرازي بقوله: “أصول الفقه مجموع طرق الفقه على سبيل الاجمال وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل بها[2].

وعرفه ابن الحاجب بقوله: “هو العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية[3].

شرح التعريفين:

يشتمل التعريفان المذكوران على ثلاثة عناصر تدل بمجموعها على المعنى المراد من أصول الفقه من الناحية الاصطلاحية.

وهذه العناصر إجمالا هي:

  • الأدلة والقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية؛
  • كيفية الاستدلال بهذه الأدلة والقواعد؛
  • صفات المستدِل بها.

العنصر الأول: الأدلة والقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية. والأدلة تشمل الأدلة المتفق عليها وهي القرآن والسنة والاجماع والقياس والأدلة المختلف فيها وهي ما عداها مثل الاستحسان والاستصحاب وقول الصحابي والمصلحة المرسلة… فهذه الأدلة التي عبر عنها الرازي في تعريفه المذكور بطرق الفقه هي التي يتوصل بها الفقيه إلى استنباط الأحكام الشرعية سواء أفضت إلى استنباط حكم قطعي أو حكم ظني، والأحكام الظنية هي الغالب في الأحكام الفقهية.

 أما القواعد فجمع قاعدة وهي القضية الكلية التي تنطبق أحكامها على جزئيات كثيرة من أفرادها ومن أمثلة القاعدة: الأمر المطلق يفيد الوجوب والنهي المطلق يفيد التحريم، والعام يشمل جميع أفراده إذا لم يلحقه تخصيص… فهذه القواعد الكلية مجملة أي أنها لا ترتبط بأفعال معينة. فحين نقول مثلا الأمر المطلق يفيد الوجوب فإن هذه القاعدة تندرج فيها كل الأوامر المفيدة للوجوب بمختلف صيغها الواردة في القرآن والسنة بغض النظر عن متعلقاتها من الأفعال، ومعنى كونها مجملة أنها غير مرتبطة بفعل معين، وإذا طبقت القاعدة على فعل معين اعتبر ذلك الفعل من التطبيقات الجزئية مثل أن نطبق قاعدة: الأمر المطلق يفيد الوجوب على قوله تعالى مثلا: ﴿وَءَاتُواْ اُ۬لنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةٗۖ﴾ [النساء: 4].

فنقول فعل آتوا فعل أمر وهو مرتبط بفعل معين للمكلف هو إعطاء الصداق لمن يريد التزوج بها، والأمر يفيد الوجوب فنستنتج أن إعطاء الصداق للمرأة المراد الزواج بها واجب شرعا.

وكذلك إذا طبقنا قاعدة: النهي المطلق يفيد التحريم على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ اَ۬لنِّسَآءِ الَّا مَا قَدْ سَلَفَۖ﴾ [النساء: 22].

فنقول لفظ ﴿وَلَا تَنكِحُواْ﴾ نهي مرتبط بفعل معين؛ وهو نكاح الابن زوجة أبيه؛ والنهي المطلق يفيد التحريم: نستنتج أن زواج الابن من زوجة أبيه المطلقة أو المتوفى عنها حرام، ولا ينعقد إذا وقع.

العنصر الثاني: كيفية الاستدلال بتلك الأدلة والقواعد.

يعني أن علم أصول الفقه يهتم بالأدلة والقواعد المعتمدة في الاستدلال على الأحكام ويُعنى إلى جانب ذلك بكيفية الاستدلال بها واستنباط الأحكام بواسطتها، فلا يكفي أن نعرف أن القرآن والسنة حجة والاجماع حجة بل لابد أن نعرف كيفية الاستدلال بها لأن النصوص فيها النص والظاهر والمقيد، والمنطوق والمفهوم، فلا بد أ نعلم مثلا أن النص يقدم على الظاهر وأن العام إذا ورد ما يخصصه يحمل على الخاص وأن المطلق إذا قيد يحمل على المقيد، وأن المنطوق يقدم على المفهوم وأن مفاهيم النص يرجح بعضها على بعض عند التعارض… وأن نعرف أن المتواتر مقدم على الآحاد فلا بد بعد معرفة الأدلة والقواعد المعتمدة في الاستدلال من معرفة كيفية الاستدلال بها.

 

العنصر الثالث: صفات المستدل بالأدلة والقواعد.

ويقصد بصفات المستدل الشروط الواجب توفرها في الفقيه المجتهد الذي يستعمل هذه الأدلة مباشرة في فهم النصوص والاستنباط منها، وكذلك شروط وصفات الفقيه المقلد الذي يعتمد ما استنبطه المجتهد الذي يقلده من الأحكام الشرعية.

موضوع أصول الفقه:

من خلال تحليل العناصر الثلاثة الواردة في التعريفين المذكورين يتبين أن علم أصول الفقه يبحث في الأدلة والقواعد الإجمالية من حيث إثباتها للأحكام الكلية ويبحث في تلك الأحكام الكلية من حيث ثبوتها بالأدلة والقواعد، والأحكام الكلية هي الأحكام المجردة التي ليس لها ارتباط بفعل معين مثل الإيجاب والتحريم والإباحة والندب، فهذه أحكام كلية إجمالية أخذت من الأدلة والقواعد الإجمالية، فالإيجاب أخذ من قاعدة: الأمر المطلق يدل على الوجوب أو الإيجاب، والتحريم أخذ من قاعدة: النهي المطلق يدل على التحريم، ومن هنا يطهر مسوغ الأصوليين في إدخال الأحكام الشرعية التكليفية والوضعية في صلب علم أصول الفقه، وهذا ما عليه جمهورهم وذهب بعضهم إلى أن هذه الأحكام ليست من صلب أصول الفقه لأنها نتيجة وثمرة لإعمال الأدلة والقواعد، لكن الذي دأب عليه معظم الأصوليين هو إدخال هذه الأحكام ضمن مباحث علم الأصول كما ذكرت.

فيتحصل عندنا أن علم أصول الفقه يعنى بالأدلة وبالأحكام الكلية الناتجة عنها، كما يهتم بكيفية الاستدلال بالأدلة، وبشروط وصفات المستدل بها مباشرة وهو المجتهد وبشروط وصفات المقلد، وبالتالي فإن مضامينه المشكلة لموضوعه منحصرة في أربعة مباحث أساسية وهي:

  • الأدلة الأصلية المتفق عليها وهي القرآن والسنة والاجماع والقياس، والأدلة التبعية المخلف فيها مثل الاستحسان والاستصحاب، والمصلحة المرسلة، وقول الصحابي…؛
  • الحكم الشرعي بقسميه التكليفي والوضعي؛
  • دلالات الألفاظ وكيفية استفادة الأحكام منها ويدخل ضمنها مبحث التعارض والترجيح بين النصوص؛
  • مبحث الاجتهاد والتقليد.

وبعد فهذا درس تمهيدي أول في معنى علم أصول الفقه وموضوعه ومباحثه الأساسية وسيعقبه درس ثان أن شاء الله تعالى عن نشأة هذا العلم وغايته ومسالك الأصوليين في تقرير أدلته وقواعده إلى ذلكم الحين أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[1] – نهاية السؤل للاسنوي 1/16.

[2]–   المحصول في علم الأصول 1/8.

[3]– بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب لمحمود الأصفهاني 1/14.


At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)