You may also like
Page 1 of 5
بسم الله الرحمن الرحيم
،الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير أنبيائه ورسله، وعلى آله وصحبه، ومَن اقتدى بهم من بعِده، أما بعد
[المذهب المالكي والنوازل]
من المقرَّر المعتبر عند أهل التأمل والنظر، أن أصح أصول المذاهب ومصادرِها أصولُ مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه، ولذلك اعتنقه كثيرٌ من أئمة الإسلام، وتحوَّل إليه من مذاهب أخرى جلة الأعلام، لما تتميز به أصوله من الجمع بين الرأي والأثر، وتتسم به أحكامه من مراعاة العلل والأحوال والمقصِد المعتبَر، ولِما ينطوي عليه في أصوله وفروعه من تمسكٍ بالكتاب الحكيم والسنة الشريفة، مع إعمال لباقي القواعد الأصولية المنيفة، والأخذِ بما جرى به العمل للتمييز بين المرجوح والراجح، دفعا للمفاسد وجلبا للمصالح، فلا هو مذهب جامد ظاهري، ولا هو مشرب معطل عقلاني؛ كما أنه -بأصوله المؤسِّسة لأحكامه- قادرٌ أن يجيب عن النوازل والقضايا العارضة لأحوال الناس في كل زمان ومكان، بما يفيدهم حُكمَ الشارع استنباطا وتنزيلا، وتأسيسا وتقعيدا وتأويلا، فيسد أئمتُه الفراغَ الفقهيَّ في القضايا العارضة للأنام، بما يفتون به باجتهادهم وتأملهم من الأحكام؛ حتى قيل: إن النوازلَ شُغْلُ المالكية –أي حرفتُهم التي برعوا فيها-، وذلك لمهارتهم فيها وقدرتهم على استيعابها، واستقراءِ النصوص لأجل الفصل في قضاياها، ولكون المذهب مؤسسا على أصول تستوعبها وتجيب عنها…
[شيخ الجماعة أحمدُ بن مبارك اللَّمطيُّ السجلماسي]
في حدود سنة تسعين وألف من الهجرة (1090 هـ) ولد بسجلماسة أبو العباس أحمد بن مبارك اللَّمَطِيُّ[1] البكريُّ الصديقي، لُقِّب به لاتصال نسبه بسيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عن
وكان تحصيله الأوليُّ كعادة أبناء بلدته، في التعاطي لعلوم القرآن الكريم أولا، حيث ختم القرآن بالسبع على ابن خالته سيدي أبي العباس أحمد الحبيب، كما قرأ عليه شيئا من النحو
ولما بلغ العشرين من عمره، شد الرحلة إلى فاس، لتطلعه الاستزادةَ من العلوم والمعارف، والأخذِ عن كبار مشيختها وقتئذ، وكانت فاس دار علم وولاية؛ فأخذ عن جماعة كالشيخ مَحمد بن عبد القادر الفاسي والشيخ أحمدَ الجَرَنْدِيِّ والشيخ محمد الْمَسناوي والشيخ محمد القُسَمْطِيني والشيخ عليٍّ الحُرَيشي والقاضي عبد الله بُردُلَّهْ وغيرِهم…
وكان لهؤلاء الأعلام أثرٌ كبير في تكوين الشخصية الفكرية والعلمية للعلامة أحمد بن المبارك اللمطي، حيث تشبع منهم بفقه المذهب المالكي، وتعمَّق في أصوله، وتبحر في فروعه، وفهم عنهم مقاصدَ المذهبية، ودورها في جمع الكلمة، ورفع الخلاف، وتوحيدِ الآراء في القضايا الكبرى والصغرى، في العبادات والمعاملات والقضاء والفتيا وغيرها
كما أخذ عنهم عقيدة أهل السنة الأشعريةِ المحصَّنةَ بالكتاب والسنة والمهذبةَ بتقريراتِ كبار أعيان المذهب الأشعري، لأن وقتَه كان وقتَ كمال المذهب وتمامِه تأليفا وشرحا وتوجيها…
ولم يكتفِ اللمطي -وهو بفاس- بسماع علوم الظاهر ومجالسة علمائها، بل حصَل له كغيره فشمَّ رائحة الولاية والمعرفة بالله في زقاق ومساجد وزوايا فاس، فعلم أن سلوك طريق أهل الله وملازمة خيرة أصفياء الله من الدين بل هو لبُّ لُبابه، فأخذ كما سيأتي على العارف بالله سيدي عبد العزيز الدباغ رضي الله عنه
فجمع الله له من العلمين الظاهر والباطن ما جعله في صفوف أكابر علماء فاس، بل وعلماء المغرب، حيث حلَّاه الأكابر بما خُصَّ به دون غيره من علماء زمانه
قال عنه الكتاني في “سلوة الأنفاس”[2]: العالم العلامة، الجِهبذ الفهامة، المشارك المحقق، الهمام المدقِّق، الحافظ المتضلِّع المتبحِّر، المجتهد القدوة المحرِّر، نجمُ الأمة، وتاج الأئمة، شيخ الشيوخ، ومَن له في العلم القَدَمُ الثابتةُ الرسوخ…الخ
وقال عنه المؤرخ محمد بنُ الطيِّب القادريُّ في “نشر المثاني”[3]: علَّامة الزمان، فريدُ العصر والأوان، فارس التدريس والتحقيق، وحاملُ راية التحرير والتدقيق. اهـ
[المرتبة الاجتهادية لشيخ الجماعة أحمدَ بن مبارك اللَّمطي]
بلغ اللمطيُّ رحمه الله بما تحصل له من العلوم ومارسه من المعارف وجالسه من المشايخ مع حدة الذكاء وقوة الحافظة مرتبةَ مُجتهد المذهب، بحيث لم يَدَّعِ انفصالا عنه ولا استقلالا بالاجتهاد خارجَ أصوله، لكن عُنِيَ رحمه الله بالمباحثة والمذاكرة لأئمة الوقت في القضايا العارضة أو المباحث السابقة، بما يؤسس جميعه على أصول مذهبه المالكي
قال القادريُّ في ترجمته من “نشر المثاني”[4]: وكان يأخذ الأحكام من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، من غير واسطة أحد على ما هو مقرر ومدوّن في كتب الفقه القديمة المشهورة، ورأيته يسرد في درسه بالقرويين سنة ثمانين وأربعين -يعني ومائة وألف-، من حفظه خمسين حديثا بإسنادها، وما عرض له من العلل والأجوبة عنها. اهـ
ويدل على مرتبته أيضا في الاجتهاد النوازلي خصوصا، مؤلفاتُه التي ألفها، ففيها من العلوم والقواعد بل والتقعيد والفوائد، ما تفرد به عن أهل زمانه.
وغيرُ ذلك من المؤلفات المتينة في فنونٍ مختلفة تدل على براعته واجتهاده ومراعاته للواقع وجوابِه عن إشكالات أهل الوقت
[حاله العِرفاني وتربيتُه الصوفية]
أدرك علماء الأمة أن العلم بلا عمل لا يرفع شأن صاحبه، بل قد يكون وبالا عليه، ولذلك اعتنوا بصحبة المشايخ وكرعوا من حياض أهل الله علومَ التربية والباطن، كي يكون لعلومهم قبولٌ ومزية؛ ولذلك سلك اللمطي رحمه الله مسلكَ أهل الله ولازمهم رغم كل انشغالاته بالتحرير والتدريس والرحلة، فلَزم شيخَه العارف بالله سيدي عبدَ العزيز الدباغَ، وسمع منه، وقيَّد كل ما يقوله، وتعلق به، وتخرَّج في المعرفة بالله على يديه، بل قيل[5]: إن ما حصل له من الفتح في العلوم الظاهرة والتفوُّق فيها كان ببركة صحبته للشيخ الدباغ رضي الله عنه وملازمته إياه في الحضر والسفر.
وقد ورَّثتْه الصحبةُ الصالحة بالشيخ الدباغ حالةً شهوديةً راقية وأخلاقا محمدية عالية، قال عنها الكتانيُّ في “السلوة”[6]: وكان كثيرَ التنويه بقدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستغراقِ في بحر محبتِه، وربما أدركه البكاء وهو على الكرسيِّ في مجلس درسه…اهـ
حتى إنه لِتَعَلُّقِه بشيخه وتعمُّقه في طريق القوم واعتقادِه أن النجاة في صحبة أهل الدلالة على الله، جمع ما سمعه عنه من المقالات والفتوحات، رُغم أن الشيخ الدباغ أمِيٌّ لا يقرأ ولا يكتب، غير أن اللمطي عرف ما في كلامه من علم لدنيٍّ ومعرفة ربانية، يفتح الله بها على أوليائه وأصفيائه، مصداقا لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اُ۬للَّهُۖ﴾ [البقرة: 281]، وهو كتابه الشهير: “الذهب الإبريز في مناقب الشيخ عبد العزيز”.
[وفاته رحمه الله]
قال الشيخ أحمد بن الصديق الغماري في “الائتناس بتراجم فضلاء فاس”[7]: وكان يقرأ “صحيح البخاري” زمنَ الشتاء قبل طلوع الشمس بمَشهد سيدي أحمد بن يحيى، واستمر على ذلك حتى توفي بالطاعون سنة خمس -أو ست- وخمسين ومائة وألف. اهـ
رحمه الله ورضي الله عنه، والحمد لله أولا وأخيرا، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه.
[1] – ضبطه محمد بن جعفر الكتاني في “سلوة الأنفاس” 2/228 بفتحتين، ثم قال: نسبةً إلى قرية لَمَطَ: قرية بالمدينة العامرة من سجلماسة، خَربت فيما قبل اليوم. اهـ
[2] – “سلوة الأنفاس” )2/228)
[3] – كما في “موسوعة أعلام المغرب” )6/2233)
[4] – كما في “موسوعة أعلام المغرب” )6/2233)
[5] – ذكره أحمد بن الصديق في “الائتناس بتراجم فضلاء فاس” ص 133
[6] – “سلوة الأنفاس”) 2/228)
[7] – “سلوة الأنفاس” )2/228)
At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.