بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة ليوم 09 رمضان الأبرك 1447هـ الموافق لـ 27 فبراير 2026 م
«هَدْيُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَان»
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي بعث فينا خير رسله، وأنزل علينا خير كتبه، وهدانا لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنه، نحمده تعالى ونشكره، ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، صلى الله وسلم عليه في الأولين، وصلى الله وسلم عليه في الآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الديـــن، وعـــلى آلـــه الطيبيــن الطاهـــرين، وصحابتـــه الغـــر الميـــامين، ومن تبعهـــم واهتـــدى بهديهـــم إلـــى يـــوم الدين.
أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فإن خير الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإن غايةَ ما ترنو إليه «خطة تسديد التبليغ»، وما تؤكد عليه الرسالة الملكية في العنايةِ بسيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، هو التعلق بالجناب النبوي الشريف إيمانا ومحبة واقتداء، وتربيـــــة للناشئة على محبتــــه صلى الله عليه وسلم واتباعه ونشر سنته، وكثرة الصلاة والســـلام عليه.
وفي هذا الإطار جاء موضوع هذا اليوم؛ وهو: (هَدْيُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ والتَّرغيبُ فِي الاقتداءِ بهِ)، فكيف كان صلى الله عليه وسلم يمضي هذا الشهر المبارك، وكيف يعيشه في ليله ونهاره؟
روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
«كَــــانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عليه السلام يَلْقَاهُ فِي كُـــلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّــهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ»[1].
عباد الله؛ في هذا الحديث يبين الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، جانبا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأبرزَ فيه ثلاث خصال يكون عليها النبي أكثر ما يكون في رمضان، وهي -إضافةً إلى الصيام-: الجود، وقيام الليل، ومدارســــة القــــرآن، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يعـرض القرآن عـلى جبريل في كل ليلة من ليالي رمضان حتى ينسلخ الشهر، وورد في رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم عرض القرآن على جبريل في السنة التي توفي فيها مرتين، فكأنه صلى الله عليه وسلم يسابق الزمان بقراءة القرآن.
وهذا كافٍ في التحفيز على الإقبال على القرآن الكريم في هذا الشهر أكثر من غيره؛ إذ هو شهر القرآن بامتياز، ففيه نزل أول مرة في ليلة القدر، كما قال الحق سبحانه:
﴿اِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِے لَيْلَةِ اِ۬لْقَدْرِ﴾[2].
وبهـذا الهدي النبوي استمسك السلـف الصالح من هذه الأمة، فكانوا إذا دخـل رمضان، أقبلوا عـلى المصاحف تلاوة وتدبرا، كما أقبلـوا عـلى الجود والعطاء مواساة ومساعدة للفقراء والمساكين في هذا الشهر الفضيل.
وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم قيام الليلِ، وهو واجب في حقه ص، سنةٌ في حق أمته، رحمة بهم وتيسيرا عليهم؛ فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال:
«قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ»[3].
كما كان من هــدي النبي صلى الله عليه وسلم العناية بأهله وإيقاظهـم للصلاة وحرصـه على متابعتهم، امتثالا لقولـه تعالى:
﴿وَامُرَ اَهْلَكَ بِالصَّلَوٰةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾[4].
فكان صلى الله عليه وسلم يوقظ أهله، ويقول لعلي وفاطمة:
«أَلَا تُصَلِّيَانِ».
ويسبح صلى الله عليه وسلم أمام حجرات أمهات المؤمنين فيقول:
«سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ»[5].
يعني: عارية من العمل الصالح الذي يفوت الإنسان بالتهاون والكسل.
هكذا؛ معاشر المؤمنين يعيش النبي صلى الله عليه وسلم رمضان صائما قائما تاليا للقرآن، جوادا كريما معلما ومربيا لأهله وأصحابه، وهو صلى الله عليه وسلم الأُسوة والقدوة الحسنة لنا جميعا، فبهداه نقتدي.
نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله؛ إذا علمنا أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان هو منهج عملٍ مستمر في أمور الدين والدنيا، فإنه يجب أن نقتدي به صلى الله عليه وسلم، ونسلك سبيله ابتغاء مرضاة الله، فنكونَ متوازنين في حياتنا اليومية، جامعين بين الصيام والقيام والعمل، مربين على ذلك أبناءنا، فشهر رمضان هو شهر العمل بامتياز، ففيه نصـر الله الصحابة في بدر، وفيه كان فتح مكة، وفيه نصـر الله المسلمين في كثير من المواطن، حتى كان السلف يستفتحون به ويشعرون بقربهم من الله تعالى بصيامهم وسائر قرباتهم.
ومن دَأْبِ النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام في هذا الشهر كذلك التضرعُ إلى الله تعالى ورفعُ الأكف إليه بالدعاء، لقول الله تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِے عَنِّے فَإِنِّے قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعْوَةَ اَ۬لدَّاعِۦٓ إِذَا دَعَانِۦ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِے وَلْيُومِنُواْ بِيَ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾[6].
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ»[7].
هذا؛ وخير ما نختم به الكلام، أفضل الصلاة وأزكى السلام، على ملاذ الورى في الموقف العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد خلقك ورضى نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب أجمعين.
وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، نصرا عزيزا تعز به دينك، اللهم إنا نسألك في هذا الشهر الفضيل موقنين بالإجابة، أن تُلبسه أردية الصحة والعافية، وأن تشمله بألطافك الخفية، وأن تقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزر جلالته بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.
وتغمد اللهم بواسع رحمتك وجودك، من تُذَكِّرنا ذِكْراه بما أنعمت به عليه من أمجاد خالدة ومآثر غالية، في خدمة وطنه وشعبه، وما حققته على يديه من النصر والاستقلال، وما غمرته به من حب متبادل بينه وبين شعبه: مولانا محمدا الخامس، اللهم أغدق على ضريحه شآبيب الرحمة والرضوان، وعلى مولانا الحسن الثاني، وارث سره وموحد البلاد، وبارك اللهم في خلفهما البار، منجز الوعد ومحقق الأمل والرجاء، مولانا محمدٍ السادس، أعز الله أمره وخلد في الصالحات ذكره.
اللهم تقبل منا الدعاء والصيام والقيام وتلاوة القرآن، اللهم حقق لنا فيما يرضيك آمالنا، واختم بالصالحات أعمالنا، وبالسعادة آجالنا، واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
- [1] . صحيح البخاري، كتاب الصيام، باب أجود ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان 3/26. رقم الحديث بالمنصة: 11742.
- [2] . القدر 1.
- [3] . صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب2/50. رقم الحديث بالمنصة 5277.
- [4] . طه 131.
- [5] . صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على قيام الليل 2/49.
- [6] . البقرة 185.
- [7] . الدعوات للطبراني، باب من يرجى دعاؤه 2/309.





