جارٍ تحميل التاريخ...

خطبة الجمعة :”السيرة النبوية مصدر لتدبير الشأن العام : إنشاء السوق” ليوم 29 شوال 1447 هـ الموافق ل 17 أبريل 2026 م

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

خطبة ليوم 29 شوال 1447هـ الموافق لـ 17 أبريل 2026م

 “السيرة النبوية مصدر لتدبير الشأن العام”

4- إنشاء السوق

الحمد لله الخبير الحكيم، الرؤوف الرحيم، نحمده تعالى على جليل نعمائه، ونشكره جل وعلا على عظيم آلائه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا رب لنا سواه، ونشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله وسلم عليه بما هو أهله، وعلى آله الكرام الأخيار، وصحابته من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان في الجهر والإسرار.

أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فإن السيرة النبوية تعتبر مصدرا لتدبير الشأن العام، كما هي مصدر للعبادات والمعاملات وسائر الطاعات.

عباد الله؛ ذكرنا في ما سبق أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما استقر بالمدينة وشرع في تأسيس المجتمع على أركان ودعائم الشريعة الإسلامية، مبتدئا ببناء المسجد النبوي الجامع لأمر المسلمين، ثم الإخاء القائم على التكافل الاجتماعي وإذابة الفوارق بين أهل المدينة والوافدين عليهم ليغدوا أمة واحدة متآلفة، ثم كتابة الصحيفة الموحدة لأهل المدينة على أساس المواطنة الحقة على اختلاف أعراقهم وأديانهم.

ثم كان من جملة ما شغل بال الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة تحرير اقتصاد المسلمين من المعاملات الجاهلية، التي يتم فيها أكل أموال الناس بالباطل، فأسس عليه الصلاة والسلام سوقا للناس، تقوم على البر والصدق والسماحة والبيان وكل الأخلاق المتعلقة بالبيع والشراء وغيرهما من المعاملات.

روى الإمام ابن ماجه في سننه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذهب إلى سوق النَّبِيط، فنظر إليه، فقال:

«ليس هذا لكم بسوق»،

ثم ذهب إلى سوق فنظر إليه، فقال:

«ليس هذا لكم بسوق»،

ثم رجع إلى هذا السوق، فطاف فيه، ثم قال: «

هذا سوقكم، فلا يُنتَقَصَنَّ، ولا يُضرَبن عليه خراج».[1]

وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: بأبي أنت وأمي، إني قد رأيت موضعا للسوق، أفلا تنظر إليه؟ قال صلى الله عليه وسلم:

«بلى»

فقام معه حتى جاء موضع السوق، فلما رآه أعجبه وركضه برجله الشريفة، ثم قال:

«نِعْمَ سوقُكم هذا، فَلَا يُنْتَقَصَنَّ ولا يُضرَبنَّ عليه خراج»[2].

ونستفيد من هذا الحدث أمورا منها:

أولا: أن النبي صلى الله عليه وسلم اهتم بشأن السوق والمال؛ لأن المال عصب الحياة وبه تقوم مصالح العباد.

ثانيا: ورد في كتب السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل السوق ويتفقد معاملات الناس، ويعلمهم أحكام البيع والشراء حتى تكون موافقة للشرع، فعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة من طعام، -أي كومة من طعام- فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال:

«ما هذا، يا صاحب الطعام؟»،

قال: أصابته السماء، يا رسول الله، قال:

«أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس»، ثم قال: «من غش فليس مني»[3].

فدل هذا الحديث النبوي الشريف على أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بالحسبة في هذا السوق بنفسه، وصحح للناس أخطاءهم وعلمهم فقه المعاملات، فليس المقصود من إنشاء السوق مجردَ توفير مكانٍ للبيع والشراء، بل المقصودُ الأعظم إقامة سوقٍ تقوم على الأخلاق، وتُبنى على الصدق والأمانة.

ولذلك وجَّه النبي صلى الله عليه وسلم أهل السوق إلى مكارم الأخلاق، فقال»:

رَحِمَ اللهُ رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى«[4].

وقال ﷺ:

«البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بُورِكَ لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحِقَتْ بركةُ بيعهما»[5].

وفي هذا توجيه نبوي إلى تحقيق الرضا بين المتبايعين وصيانة الحقوق، وبناء المعاملات على الصدق والوضوح وطيب النفس.

عباد الله؛ إن السوقَ مرآةُ أخلاقِ المجتمع، فإذا صلحت أخلاقُ أهله صلح حاله، وإذا فسدت فسد، وإذا غلب الصدق عمَّت البركة، وإذا شاع الغش نُزعت الخيرات، ومحقت البركات.

فاحرصوا، رحمكم الله، على الصدق في معاملاتكم، والوفاء في بيعكم، والعدل في كيلكم وميزانكم، فإن ذلك سببُ رضا الرحمن، ومفتاحُ سعة الأرزاق.

نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين وبحديث سيد الأولين والآخرين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، والصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، المبعوث إلى الثقلين بالعدل والرحمة، المعلم بالحكمة والموعظة الحسنة سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله؛ نستفيد كذلك مما تقدم أن المال من الضروريات الخمس التي تجب المحافظة عليها، وهي من صميم الشأن العام الذي تتولى الدولة تدبيره حفاظا على مصالح التجار والمستهلكين على السواء. وضمانا لتنقل الأموال بين الناس بالطرق المشروعة بعيدا عن الربا والغش والخِلابة، وكل بيع يقوم على البطلان والجهالة.

كما نستفيد أن ضمان الجودة ومراقبة الأسعار ومحاربة الغش في الأسواق من مسؤوليات الدولة، كما رأينا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وكل من تولى الحسبة في سوق المدينة بعده، كعمر بن الخطاب والشفاء أم عبد الرحمن بن عوف، وسمراء بنت نَهِيك الأسدية، وغيرهم. كما استعمل صلى الله عليه وسلم، سعيد بن العاص بن أمية على سوق مكة بعد الفتح[6].

والحسبة من الولايات العامة التي هي من وظائف الدولة في الشأن العام. وهي القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتوعية والقانون والزجر، بما يحقق العدل ويحفظ الحقوق للبائع والمشتري. لقوله تعالى:

 ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمُۥٓ أُمَّةٞ يَدْعُونَ إِلَي اَ۬لْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُفْلِحُونَۖ﴾[7].

وبهذا ندرك قيمة وجود الأخلاق في السوق ووجوب صيانتها من المفاسد، وحمايتها من الغش والغلول، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَّغْلُلْ يَاتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ اَ۬لْقِيَٰمَةِۖ﴾،[8]

ويطلق الغُلُول على الخيانة في المال مطلقا.

وهكذا؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات أرسى النبي صلى الله عليه وسلم دعائم السوق على التضامن والتآلف والصدق والبركة والتعاون على البر والتقوى، وعلى أساس المساواة في الحقوق والواجبات، وعلى ضمان الاستقرار المادي والمعنوي، وعلى العدالة الاجتماعية واحترام الآخرين في أموالهم وتجارتهم.

فعاش ذلك الجيل الفريد الذي يضرب به المثل، الحياة الطيبة في جميع مرافق الحياة بما فيها السوق، وأشاعوا معانيها في العالمين. وليس ذلك ببعيد على من سلك نهجهم، واستن بسنتهم في التحرر من الأنانية والأهواء، واتباع سبيل الحق محتسبا كل حركاته وسكناته، محققا أمنه النفسي والأسري والاجتماعي والاقتصادي بالقناعة والصدق والبركة والبيان والمحبة والإيثار.

هذا؛ وأكثروا من الصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، فاللهم صل وسلم وبارك وأنعم على سيدنا محمد وآله، كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم وآله، في العالمين إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وانصر اللهم بنصرك المبين، وتأييدك المتين، مولانا أمير المؤمنين، وحاميَ حمى الملة والدين، الساهر على أمن البلاد، والضامن لكرامة العباد صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، اللهم بارك له في الصحة والعافية، واشمله بألطافك الخفية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، مشدود الأزر بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.

وتغمد اللهم بواسع رحمتك، وبعظيم جودك الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم أكرم مثواهما، واجعلهما في أعلى عليين مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.

اللهم ارحمنا وارحم موتانا وموتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وعاف مبتلانا ومبتلى المسلمين، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وخذ بنواصينا إلى كل خير وجنبنا كل شر وضير.

اللهم بارك لنا في وطننا، واجعله بلدا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، ووسع فيه أرزاقنا، ورخص أسعارنا، وبارك لنا فيما أعطيتنا واجعلنا لك من الشاكرين، لك من الذاكرين، لك من المستغفرين. آمين.

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

[1] . سنن ابن ماجه أبواب التجارات باب الأسواق ودخولها 2/751.

[2] . المعجم الكبير للطبراني 19/264.

[3] . صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم من غشنا فليس منا 1/99. رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث النبوي الشريف129.

[4] . صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع3/57. رقم الحديث بالمنصة 2605.

[5] .الموطأ، كتاب القضاء في البيوع، باب في الخيار في البيع 46/184.

[6] . الاستيعاب لابن عبد البر، 2/621، والتراتيب الإدارية للكتاني، 9/287.

[7] . آل عمران 104.

[8] . آل عمران 161.

شاهد أيضا

تصنيفات

At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)