النسخة المكتوبة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
السادة الأئمة الأفاضل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحدثنا في حلقة ماضية عن الإعلام الجديد، وكيف ينبغي أن ينخرط فيه القيم الديني بتفاعل إيجابي، يعود بالنفع عليه وعلى دينه ووطنه وأمته، ذلكم أن العولمة بقيمها وأدواتها وأساليبها لا تترك مساحة أو هامشا للقعود والتخلف عن ركبها، بسبب التطور الرهيب الذي يشهده العالم اليوم في الوسائط التكنولوجية التي تفتح مجالات لم تكن إلى عهد قريب تخطر على عقل الإنسان.
وها نحن اليوم، نعيش مرحلة تحاكي فيها التكنولوجيا عبر خوارزميات الذكاء البشري استنباطا واستنتاجا وتحليلا وتركيبا وتحريرا واستشرافا، حتى صار الفلاسفة والحكماء والأكاديميون والسياسيون يتحدثون عما سيؤول إليه مستقبل البشرية في ظل ما يستجد من أحدث برامج الذكاء الاصطناعي التي اكتسحت جميع مجالات النشاط الإنساني.
فما المقصود بهذا الذكاء الاصطناعي؟ وكيف ظهر وتطور؟
هذا ما سنجيب عنه في المحور الأول من هذا العرض.
المحور الأول: مفهوم الذكاء الاصطناعي وتطوره
لم يعد مصطلح الذكاء الاصطناعي شيئا غريبا أو طارئا على حياة الناس مع تغلغله في تفاصيل ودقائق الحياة المعاصرة، ورغم ذلك نجد عامة الناس يتعاملون مع هذا المصطلح على أنه تطبيق أو برنامج معد للإجابة على الأسئلة التي يطرحها المستخدمون، وهذا تمثل بدائي ناشئ عن الجهل بالوظائف والمهام المعقدة والمتنوعة التي يمكن أن يقوم بها هذا الذكاء الاصطناعي الذي صار عمدة الاشتغال في جميع الأنشطة الإنسانية في الدول المتقدمة.
السادة الأئمة الأفاضل:
إن الذكاء الاصطناعي انطلق من فكرة ترتكز على قدرة الآلة على محاكاة الذكاء البشري، مثل التفكير والتعلم واتخاذ القرارات، وهو فرع من علوم الحاسوب يهدف إلى إنشاء أنظمة قادرة على محاكاة الذكاء البشري.
فهو إذن نتيجة لجهود تطوير النظم المبنية على الحاسب لإعطائه القدرة على القيام بوظائف تحاكي العقل الإنساني من حيث تعلم اللغات، إتمام المهام الإدارية، القدرة على التفكير، التعلم والفهم، ويرتبط مفهوم الذكاء الاصطناعي بحقول متعددة مثل: علم الحاسب علم النفس الرياضيات اللسانيات، وهندسة المعرفة.[1]
ويعرف البعض الذكاء الاصطناعي بأنه: العلم الذي يبحث في كيفية جعل الحاسوب يؤدي الأعمال التي يؤديها البشر بطريقة أفضل.[2]
وتعود إرهاصات ظهور الذكاء الاصطناعي إلى خمسينيات القرن الماضي، حيث بدأ العلماء يبحثون ويؤسسون نظريات ونماذج تحاكي العمليات التي يقوم بها العقل البشري، وكان السؤال الطموح الذي تحدى العلماء يومئذ هو: هل الآلة قادرة على التفكير؟
وفي عام 1956، تم استخدام مصطلح الذكاء الاصطناعي لأول مرة في مؤتمر دارتموث،[3] ولم تكن الحواسيب البدائية المتوفرة يومئذ كفيلة بتسريع تحقيق طموح الذكاء الاصطناعي، حيث كانت هذه الحواسيب بطيئة غير قادرة على معالجة المعلومات بالسرعة والكفاءة اللازمة، فكان لزاما انتظار العقود الثلاثة الأخيرة الذي شهدت تطورا رهيبا في علوم الكمبيوتر وتطوير قدراتها في معالجة البيانات الضخمة وأداء المهام بسرعة وإتقان، وهو ما أفضى إلى تطور غير مسبوق، حيث تجاوزت تقنيات الذكاء الاصطناعي قدرات الإنسان.
فبفضل تقنيات التعلم الآلي، تتعرف الآلات على الكلام وتقوم بتدوينه، وتتعرف أخرى بدقة على سمات الوجه وبصمات الأصابع، وتقوم أخرى بقيادة السيارات والطائرات، وتقوم أخرى تشخيص أمراض خطيرة، وتنفيذ المهام بسرعة وإتقان، وأصبحت الروبوتات تحل محل الإنسان في المصانع وفي الحقول وفي ميادين الحروب، لتحل بذلك أنظمة الذكاء الاصطناعي شيئا فشيئا محل الإنسان، وهذا ما أدى ويؤدي إلى اختفاء عدد كبير من المهن والوظائف في الأنشطة الصناعية والزراعية والمالية والصحية والتعليمية والعسكرية وغيرها…
لقد استطاع الذكاء الاصطناعي الآن بمختلف أنواعه أن يتحدى طموح المؤسسين، ويواصل رفع سقفها من خلال:
– تطوير برامج الحاسوب تذليلا للعقبات وحلاً للمشكلات.[4]
– تصميم أنظمة ذكية تعطي نفس خصائص الذكاء البشري وتبحث في حل المشكلات باستخدام معالجة الرموز غير خوارزمية.[5]
– الوصول إلى أنماط معالجة العمليات العقلية العليا التي تتم داخل العقل الإنساني.[6]
– اكتساب الحاسوب القدرة على اتخاذ القرارات وحل المعضلات بأسلوب منطقي يماثل التفكير البشري.[7]
ومهما فصلنا القول في هذا الباب فلن نحيط به، والأجدر والأليق بهذا اللقاء أن نتطرق إلى الذكاء الاصطناعي من الزاوية التي تهتم باستثماره في تناول المعرفة الشرعية وصناعة الفتوى، وهذا ما سنتناوله في المحور الثاني.
المحور الثاني: الذكاء الاصطناعي والمعرفة الشرعية وصناعة الفتوى
الذي يؤرقنا -نحن معاشر القيمين الدينيين- في التعامل مع برامج الذكاء الاصطناعي التي تم تنزيلها في معظم هواتفنا الذكية، هو استثمار هذا الذكاء الاصطناعي في مجال العلوم الشرعية وصناعة الفتوى.
السادة الأئمة الأفاضل:
إن هذا الموضوع ليس ترفا فكريا أو جدالا عقيما، وإنما هو إشكال علمي شرعي ذو ارتدادات غير محدودة، فعموم الناس يستفسرون برامج الذكاء الاصطناعي في جميع أمور حياتهم، ولا يترددون في استطلاع المعرفة الشرعية وطلب الفتوى من هذه البرامج، ولئن كان هؤلاء معذورين في سعيهم هذا، فإن القيمين الدينيين وطلبة العلم الشرعي يجدر بهم أن يفهموا طبيعة هذه البرامج ومنتجيها، وكيفية اشتغالها، ومستويات ومجالات تدريبها، حتى يعلموا أن هذه البرامج ليست كلها على شاكلة واحدة، وليست ذات موثوقية في نقولها ومصادرها رغم ما تتمتع به من السرعة في إنجاز المهام، وكفاءتها في المقارنة والتحليل والاستنباط والاستنتاج والاستشراف وصناعة القرار.
سنكون عدميين وجاحدين إذا افترضنا أن برامج الذكاء الاصطناعي غير مفيدة وغير ناجعة في هذا المجال بإطلاق، فالأمر يقتضي الإنصاف، وذلك ببيان حدود توظيفه واستثماره، ووجوه الاستعانة به في إنتاج وتوظيف المعرفة الشرعية وصناعة الفتوى.
فالذكاء الاصطناعي يمكنه تحليل كميات هائلة من الكتب والمراجع الفقهية، وهو ما يتيح للمفتي سهولة الوصول إلى الأدلة الشرعية والآراء الفقهية المتعددة في وقت وجيز.
الذكاء الاصطناعي يستطيع مساعدة الباحثين في الأبحاث الفقهية المقارنة: من خلال مقارنة الآراء الفقهية المختلفة، وإبراز تنوع الاجتهادات الفقهية في مسألة معينة.
الذكاء الاصطناعي له القدرة على تصنيف وترتيب الفتاوى والأحكام الشرعية زمنيا أو موضوعيا أو مذهبيا أو مكانيا، وكشف تطور النشاط الاجتهادي للفقهاء وفق هذه المعايير.
الذكاء الاصطناعي وصل اليوم إلى أن يتولى التعليم والتدريس ويتفاعل مع المتعلمين ويقوم مكتسباتهم ويعد خططا لبناء التعلمات ويواكب تنفيذها.
السادة الأئمة الأفاضل: قد يجد بعضنا غنية في برامج الذكاء الاصطناعي فيستغني عن الكتب المعتبرة في التفقه وفي البحث عن الفتاوى والأجوبة والنوازل، وقد يفضي ذلك إذا عمت به البلوى أن يعتمد الناس عليها ويهجرون العلماء ويحدون من أدوارهم التأطيرية.
ولا يجد كثير من الناس أي حرج في الاعتماد عليها والاحتجاج بأجوبتها، وهم يجهلون أن معظم هذه البرامج غير معدة وغير مدربة على هذا النوع من العلم، وقد يتم العبث بها لتنتج فتاوى شاذة وتعرض معرفة شرعية غير سليمة، وهذا خرق لأبجديات البحث في المصادر المعتبرة في الفتوى.
وكأن الإمام القرافي رحمه الله يتحدث عن هذه الآفة لما قال: “كان الأصل يقتضي أن لا تجوز الفتيا إلا بما يرويه العدل عن العدل، عن المجتهد الذي يقلده المفتي، حتى يصح ذلك عند المفتي، كما تصح الأحاديث عند المجتهد، لأنه نقل لدين الله تعالى في الوصفين، وغير هذا كان ينبغي أن يحرم، غير أن الناس توسعوا في هذا العصر، فصاروا يفتون من كتب يطالعونها من غير رواية وهو خطر عظيم في الدين، وخروج عن القواعد”.
قد يعترض أحدنا بأن بعض الدول الإسلامية[8] وبعض المؤسسات بادرت إلى إنشاء برامج الذكاء الاصطناعي المتخصصة في الفتوى الشرعية وتقديم الاستشارات المتخصصة للعموم.
فما الفرق بينها وبين البرامج العامة المجانية والمؤدى عنها؟
لا بد أن نشير إلى أن هذه المحاولات مازالت في مهدها، وهي في طور التطوير باستمرار، ويتم تفعيل هذا الذكاء الاصطناعي من لدن جهة معروفة موثوقة، تشغله ضمن منظومة علمية دقيقة، ويتم تزويده بالأمهات والمصادر والمراجع المعتبرة، ثم تدريبه على التعامل مع الوضعيات والأسئلة المختلفة.
وأمام هذه المبادرات تحديات كبرى من قبيل مراعاة القواعد الأصولية في الفتوى، وعدم الخلط بين أصول المذاهب، واستحضار مقاصد الشريعة وكلياتها، وتقدير السياق، واعتبار المآل وغير ذلك، وتعلمون أن الفتوى تتطلب اجتهادا شخصيا يتجاوز النصوص الظاهرة، مثل حالات الضرورة والاستحسان، وكذا تحقيق المناط ومعرفة أحوال المستفتين.
وإن تجاوز هذا يؤدي إلى التعميم في الأجوبة الشرعية فتكون عامة ومطلقة دون اعتبار أحوال الأشخاص والسياق، فنكون بذلك أمام برامج تقدم معرفة فقهية عامة مجردة لا تصلح للفتوى.
ومهما سيبلغ الذكاء الاصطناعي مستقبلا من القدرة على تجاوز كل هذه التحديات والعوائق التي ذكرناها فإنه يبقى السؤال معلقا:
هل سيكون الذكاء الاصطناعي أداة معينة للمفتي، أم سيكون بديلاً مستقلاً عن الفقيه المفتي الموقع عن رب العالمين؟
هذا ما تيسر عرضه في هذا اللقاء.
أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[1] – سليمان صالح أبو كشك، نظم المعلومات الادارية الأكاديميون للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط/1، 2015 ، ص/83 30
[2] – بسيوني عبد الحميد، مقدمة في الذكاء الاصطناعي، مقدمة البرولوق القاهرة، دار النشر للجامعات المصرية، 1998، ص 32.
[3] – في 31 أغسطس عام 1955، تقدم 4 علماء بطلب لكلية دارتموث (بهانوفر، ولاية نيوهامبشير في الولايات المتحدة الأمريكية) بطلب لتنظيم جامعة صيفية يلتئم فيها علماء الرياضيات والمنطق وعلوم الحاسب وذلك لتأسيس ما أطلق عليه -ولأول مرة آنذاك- علم الذكاء الاصطناعي وهو المصطلح الذي ظهر لأول مرة في المؤتمر.
[4] – حماد علم الهدى، موسوعة مصطلحات الكمبيوتر ، عربي أنقليزي، أمريكا للنشر العالمي الأمريكي، 1996م، ص 21
[5] – بسيوني عبد الحميد، (م.س).
[6] – الزيات فتحي، الأسس البيولوجية للنشاط العقلي المعرفي دار النشر للجامعات القاهرة، 1999م، ص/76.
[7] – قتيبة عبد المجيد استخدام الذكاء الاصطناعي في تطبيقات الهندسة الكهربائية، رسالة ماجستير ، الدنمارك، الأكاديمية العربية، 2009م.
[8] – اعتمدت دولة الإمارات في سنة 2019م استخدام الذكاء الاصطناعي عبر إطلاق إمارة دبي منصة إفتاء إلكترونية تعتمد عليه، للإجابة عن الأسئلة الدينية من دون الحاجة إلى بشر.


