بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة ليوم 3 شعبان 1447هـ الموافق لـ 23 يناير 2026م
خُطْبَةٌ جَامِعَةٌ لمَضَامِينِ وَمَقَاصِدِ خُطَبِ تَسْدِيدِ التَّبْلِيغِ
الحمد لله الدالِّ على نفسِه بعظيم آثاره في الأكوان، الداعي إلى توحيده وعبادته بما أوحى به من البلاغ والبيانِ، القائل جل شأنه في تلخيص مقصود الكتاب:
﴿هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ اُ۬لَالْبَٰبِۖ﴾.[1]
نحمده تعالى ونشكره، ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، شهادة من قال رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ استقامَ، وصلى الله وسلم على من بُعِثَ رحمة للعالمين، سيدِنا محمد وعلى آله الطيبين، وصحابته الغر الميامين، وعلى التابعين لهم في القول والعمل إلى يوم الدين.
أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فإن الغايةَ من “خُطَّةِ تَسْدِيدِ التَّبْلِيغِ” التي يقوم بها العلماءُ انطلاقًا من واجبهمُ المنوطِ بأعناقهم، هو تصحيح مفهوم الدِّينِ والتَّدينِ، كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية، الشاملِ لحياة الناس فيما بينهم وبين الله تعالى، وفيما بينهم وبين سائر المخلوقات، ولذلك جاءت الخطب لمدة تزيد عن السنة في المحاور الكبرى لحياة الإنسان، من أجل ربط المسلم بالعمل، ورصد آثار التبليغ في السلوك والممارسات اليومية للناس، إذ ليس المقصود العلم بالدين في حد ذاته ولا البيان، وإنما المقصود العمل بما بُلِّغَ وبُيِّنَ.
ولذلك سلك العلماءُ منهج القرآن والسنة في إبراز معنى التدين في حياة الناس، وفي أخْذِهِمْ بالتدرج حتى يعملوا بما علموا؛ لأن آفة الدين أن لا يكون له أثر في حياة المتدينين. ولا سيما عندما يتصورون أن الدين شأن خاص بين العبد وربه، وهذا يتنافى مع الفهم السليم لدين الإسلام، الذي هو دين الحياة، المحقق لمقاصد الشرع، ومقاصد العباد، وَفْق مراد الله تعالى فيهم.
ولذا جاءت الخطب الماضية في المحاور الخمسة التي استمعنا إليها خلال سنة ونصف تقريبا، وإلى مزيد بيان لها ستعود، مصداقا لقوله تعالى:
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ اَ۬لذِّكْر۪يٰ تَنفَعُ اُ۬لْمُومِنِينَۖ﴾.[2]
أولا: محور التوحيد؛ وأثره في غرس الإيمان في القلوب، وتحرير النفوس من أهوائها وتزكيتها من نوازعها المختلفة حتى تكون حرة تعبد إلها واحدا، وتكسب الطمأنينة والسعادة الأبدية، محققة بذلك الحياة الطيبة. وقد بينت الخطب التي تحدثت عن الإيمان أن المعمول في ترسيخه في النفوس هو محاسبتها في كل حين، قال تعالى:
﴿فَاعْلَمَ اَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا اَ۬للَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَٰتِۖ ﴾.[3]
ثانيا: محور العمل الصالح؛ وهو الثمرة المطلوبة من الإيمان الصحيح، بشرط الإحسان والإتقان فيه، ويتضمن العبادات ودورها في تحلية المسلم بمكارم الأخلاق، وتخليتها من أضدادها، فلا بد من رصد آثار الأركان الخمسة في حياة الناس، وإلا، كانت طقوسا تؤدى بلا نتيجة تستفاد. قال تعالى:
﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاٗ صَٰلِحاٗ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَداٗۖ ﴾.[4]
ثالثا: محور أحكام الأسرة وفقهها وآدابها؛ التي تنبني عليها الحياة الأسرية والمجتمعية المستقرة بشكل عام، وهي المعنية بصناعة الإنسان وتربيته على أسس ومبادئ الدين الإسلامي، باعتبار الآباء والأمهات مسئولين أكثر من غيرهم في تربية الناشئة، ويليهم المسئولون عن التربية والتعليم في مسئولية التربية على الدين وحب الخير للغير، وحب الوطن والتفاني في خدمته. قال تعالى:
﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراٗ وَقُودُهَا اَ۬لنَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَٰظٞ شِدَادٞ لَّا يَعْصُونَ اَ۬للَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَۖ﴾.[5]
رابعا: محور المعاملات؛ التي لا تستقيم الحياة بدونها؛ حيث جعل البارئ جل وعلا تبادل المصالح والمنافع بين الناس جزءا أساسيا من وجودهم، وبنى هذه المعاملات على السماحة والمحبة والإيثار والصدق والبيان، وتحريم الغش وأكل مال الغير بالباطل بأي وجه كان. قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
(رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا، سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى)[6].
خامسا: محور العلاقات في المجتمع الواحد؛ المبني على العقد المشترك فيما بينهم في ظل نظام الحكم في الدولة المبني على البيعة الشرعية، الجامعة لأمر الأمة، الضامنة لحقوقهم، الحامية لدينهم، وفي هذا الإطار جاء الحديث عن حقوق الوطن والمواطن ومراعاة المصالح العليا للبلاد، واحترام القوانين المنظمة لحياة الناس. قال تعالى:
﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِۖ﴾.[7]
فذلك كله من صميم الشرع، ومن مقاصده التي بثها الله تعالى في القرآن الكريم وبينها رسول e في السنة، إما تصريحا، وإما تلميحا، وإما اندراجا تحت الكليات ومقاصد الشريعة القطعية من رعاية مصالح العباد الدنيوية والأخروية.
تلكم، معاشر المؤمنين؛ هي المحاور التي دارت حولها خطب تسديد التبليغ، وإليها تعود، وهي تعني كل شرائح المجتمع، على اختلاف مستوياتهم، من الحاضرة والبادية؛ إذ الإيمان والعمل الصالح والأخلاق الحسنة، واحترام المجتمع في اختياراته لا ينوب فيه أحد عن أحد، بل الكل معنيٌّ بأداء الواجبات واستحقاق الحقوق.
نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
معاشر المؤمنين والمؤمنات؛ إن مقياس النجاح فيما يقوم به العلماء من البلاغ والبيان، والتسديد لتدين الناس عبر وسائل التبليغ المختلفة المتاحة، هو ما مدى العمل بمقتضى تلك الجهود، في ربط العباد بربهم عبادة وأخلاقا، واستدامة المراقبة والإخلاص في سائر الأحوال، ولإيقاظ الضمير ومسح نفث الشيطان ونزغاته عليه، وما الذي حققته من الأثر في سلوك الناس، وكيف أسهمت في الرقي بالمجتمع؛ معاملاتٍ وأخلاقا، وهل وفَّرت كلفا مادية ومعنوية ثقيلة على الفرد والمجتمع في حماية النفوس وتزكيتها، وحفظ الأموال من التبذير والإسراف، وصيانة الأعراض والحرمات.
وهذا ما شغل بال العلماء والمبلغين عبر التاريخ ابتداء بسيد المرسلين وإمام المعلمين والمربين، سيدنا محمد ﷺ، الذي يستعيذ بالله من علم لا ينفع. وينهى عن كثرة السؤال فيما لا يعني، وعن شغل الناس بالترهات والأباطيل، ويحث على العمل أكثر من شيء آخر، بدأً بنفسه ومَنْ حوله من عشيرته الأقربين.
وعلى منهاجه سار الصحابة والتابعون فمَنْ بعدهم، فحرصوا على ما تحته العمل، وكرهوا المسائل، أي؛ الأسئلة التي لا تدعو الحاجة إليها، ولا تفيد الناس في قليل ولا كثير.
فكانوا يتعلمون من القرآن ما يستطيعون العمل به، كما روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ سأل شابا من الصحابة عما معه من القرآن، ف”قال معي كذا وكذا وسورة البقرة. قال: أمعك سورة البقرة؟ فقال نعم. قال: فاذهب فأنت أميرهم. فقال رجل من أشرافهم: والله يا رسول الله، ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا خشية ألا أقوم بها. فقال رسول الله:
«تعلموا القرآن واقرؤوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به، كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه في كل مكان، ومثلَ من تعلمه فيرقد، وهو في جوفه كمثل جراب أُوكِئَ –أي رُبِطَ- على مسك»[8].
وقال ابن مسعود رضي الله عنه:
«تَعَلَّمُوا تَعْلَمُوا، فإذا عَلِمْتم فاعمَلوا»[9].
وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: “إنا أخذنا القرآن عن قوم- يعني الصحابة رضي الله عنهم- فأخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأُخَرِ حتى يعملوا بما فيهن من العلم، قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعا”[10].
ولذا كان الإمام مالك رحمه الله، يكره الكلام فيما ليس تحته عمل[11]،
ويقول سفيان الثوري رحمه الله: “العلم يهتف بالعمل فإن أجاب، وإلا، ارتحل”[12].
ألا فاتقوا الله، عباد الله، واعملوا بما علمتم، فإن الله تعالى إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، وزينوا أعمالكم بمسك ختامها، أفضلِ الصلاة وأزكى السلام على سيدنا محمد بدر التمام، فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد، عدد خلقك ورضى نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب أجمعين، وعن التابعين لهم في كل وقت وحين.
وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، نصرا تعز به دينك، وترفع به راية أوليائك، واحفظه اللهم بما حفظت به الذكر الحكيم، موفور الصحة في تمام العافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، مشدود الأزر بشقيقه السعيد، مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.
وارحم اللهم برحمتك الواسعة الملكين المجاهدين مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، في أعلى عليين.
اللهم ارحمنا وارحم آباءنا وأمهاتنا، وسائر المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
________________________________________
- [1] . إبراهيم 54.
- [2] . الذاريات 55.
- [3] . محمد 20.
- [4] . الكهف 105.
- [5] . التحريم 6.
- [6] . أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب البيوع بَابُ السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ
- [7] . المائدة 1.
- [8] . سنن الترمذي أبواب فضائل القرآن باب فضل سورة البقرة وآية الكرسي 5/6.
- [9] . مسند الدارمي المقدمة بَابُ: التَّوْبيخِ لِمَنْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهَ رقم: 378 .
- [10] . البدع لابن وضاح2/170.
- [11] . ترتيب المدارك 3/171.
- [12] . جامع بيان العلم وفضله 1/706.




